"شرق الفرات" والدور التركي في القضية السورية أزعجا الأنظمة العربية، إذ ظهر الوضع عبر تباينات ملموسة بين هذين الموقفين، فالأنظمة العربية لم تكن عاجزةً عن مساعدة الشعب السوري في إنجاز ثورته، ولكنها لم تكن تريد ذلك لأسباب تتعلّق ببنيتها وطبيعة أنظمتها.

يبدو أنّ الصراع السوري هو صراعٌ أوسع من حدوده الوطنية، وهذا الأمر ظهر من انخراط قوى إقليمية ودولية في غماره، نقلت حيّزاً من صراعاتها وتناقضاتها إلى هذا المربع، الأمر الذي طمس جوهر هذا الصراع، والمتمثّل بثورة الشعب السوري، الذي كان يريد الخلاص من نظام الحكم الاستبدادي، والانتقال إلى ضفّة دولة المواطنة والمؤسسات.

جوهر الثورة السورية أرعب بعض أنظمة الحكم الإقليمية والدولية، فهذا الجوهر بدا لها أنه سيفتح بوابات التغيير السياسي المحتمل في المنطقة، التي تنام على ثروات هائلة، في وقت تفتقد هذه الأنظمة لبرنامجٍ تنموي نهضوي استراتيجي.

ولعلّ "شرق الفرات" والدور التركي في القضية السورية أزعجا هذه الأنظمة الإقليمية العربية، إذ ظهر الوضع عبر تباينات ملموسة بين هذين الموقفين؛ فالأنظمة الإقليمية العربية لم تكن عاجزةً عن مساعدة الشعب السوري في إنجاز مهام ثورته الوطنية الديمقراطية، ولكنها لم تكن تريد ذلك لأسباب تتعلّق ببنيتها وطبيعة أنظمة حكمها.

ووفق هذه الرؤية، أغلقت هذه الأنظمة أبواب استقبال اللاجئين السوريين على أراضيها، واكتفت بتقديم نذرٍ صغيرٍ من المساعدات الإنسانية. أما الموقف التركي فكان على الضفّة الأخرى للحدث السوري، فهو منذ البدء فتح الحدود أمام تدفق ملايين السوريين الهاربين من بطش النظام السوري، وسهّل أمامهم فرص الإقامة والعمل والتعليم والأمن.

موقفا " النظام السياسي العربي والتركي" هما موقفان متباينان بعمق من القضية السورية، فبعض الأنظمة السياسية العربية أزعجها الموقف التركي من الصراع السوري، لأنه ببساطة كشف عجزها البنيوي عن القيام بدورها، فهذه الأنظمة تخاف من مفهومين اثنين، هما مفهوم الحريات السياسية ومفهوم الديمقراطية، وهذا الخوف جزءٌ من تكوينها وبنيتها، فهي أنظمة سياسية لم تصل إلى الحكم في بلدانها على قاعدة الانتخابات الحرّة، وهذا ما دفعها إلى العمل على تخريب جوهر الثورة السورية عبر دعمها لقوى معادية للتغيير والديمقراطية.

ووفق هذه الرؤية تنظر هذه الأنظمة إلى النظام السياسي التركي نظرة عداء، فهذا النظام لم يأتِ نتيجة انقلاب عسكري، أو بموجب نظام توارث للحكم، بل هو نظام يقوم على قاعدة التنافس السياسي لتطوير البلاد عبر برامج تنموية تشمل الاقتصاد والمجتمع وحقول العلم والثقافة. أي بمعنى آخر، فإنّ النظام السياسي التركي القائم حالياً هو نظامٌ يمتلك استراتيجية تنميةٍ شاملة، تعتمد على القدرات الوطنية، وعلى تطوير أداء شقها الإنساني، مما يجعلها حاملاً حقيقياً لمشروع النهضة في البلاد.

إذن نحن أمام نموذجين سياسيين مختلفين، كل نموذج منهما يعكس عبر سياساته طبيعة بنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا يظهر في كل المواقف لديهما.

النظام السياسي التركي المتمثّل بحكم حزب العدالة والتنمية، لم ير واقع الصراع السياسي في سوريا بمعزلٍ عن حلقات الصراع السياسي الأخرى في المنطقة، ومن هذه الحلقات، ما تريد قوى دولية كالولايات المتحدة، بما تُطلقُ عليه تسمية "صفقة القرن" أن تمرره، ولهذا يمكن فهم لماذا جنّ جنون المجتمع الدولي المتمثّل في الولايات المتحدة وحلفها الغربي من إقدام الدولة التركية على تفكيك بؤرة الصراع القادم نحوها، هذه البؤرة المتمثّلة بوجود قوات الـPYD، وقوات الـPKK المعادية للدولة التركية، والمختفية وراء تسمية " قوات سوريا الديمقراطية"، والمدعومة من الولايات المتحدة، لتكون أداة صراع ضدّ مشروع النهضة التركية.

إذن العملية الجارية في "شرق الفرات" ليست عملية احتلال للأرض السورية، بل هي عملية تفكيك عناصر صراعٍ ضد نمو قدرات الدولة التركية، ومن أهداف هذه العملية منع استخدام ورقة الـPYD في المفاوضات القادمة بشأن الحل السياسي النهائي في سوريا، وإعادة سكان هذه المنطقة الذين تمّ تهجيرهم من أرضهم إلى مناطقهم، وهذا يعني رفع العبء الاقتصادي المكلف لتركيا من خلال حلّ هذه المشكلة.

إن الحلف الغربي ومعه النظام السياسي العربي، هو من يدعم فصيلاً سياسياً من الأكراد بالسلاح والمال، لتثبيت ما يسمى "الإدارة الذاتية"، التي يطلقون عليها اسم (روج آفا)، وذلك لغايات صراعية قادمة ضد الدولة التركية لمنع نهضتها الشاملة، وإشغالها بما يتعلق بأمنها القومي، في وقت يغضّون فيه البصر عن محاولات وجهود إيران واسرائيل من أجل ملء الفراغ التنموي العربي، فبدلاً من أن يعمل النظام السياسي العربي على استراتيجية تنموية شاملة للمنطقة، وهو يمتلك قدرات هذه التنمية، تجده يحارب ويعادي استراتيجية التنمية التركية، كي لا تصير نموذجاً أمام الشعوب العربية، مما يهدّد وجود هذه الأنظمة المعرقلة لتطور مجتمعاتها. لا بل يعمل النظام السياسي العربي على دعم منع تهاوي النظام الرأسمالي العالمي على حساب تطور الشعوب العربية، من خلال عمليات شراء السلاح غير المفيدة، ودعم مشاريع غير تنموية.

إذن يمكننا الآن فهم أسباب كل هذا العداء من النظام السياسي العربي لتركيا، هذا العداء عبّر عنه وزير الخارجية المصري سامح شكري بالقول: "إن تركيا تحاول استغلال الوضع في سوريا لتبرير احتلالها" في وقت عبّر فيه وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل جبير عن موقف بلاده قائلاً: "إن الاعتداء التركي على شمال سوريا يهدّد بتقويض جهود الحرب على تنظيم داعش".

هذه المواقف للنظام السياسي العربي هي مواقف منفصلة عن مواقف شعوبنا العربية، فلقد سكتت الجامعة العربية على مدار سنوات على جرائم وفظاعات النظام السوري بحقّ شعبه، واليوم تتباكى على إقدام تركيا لتفكيك قواعد PKK على الأرض السورية لأنها ببساطة قواعد مهددة لاستقلال سوريا ووحدة أراضيها، ومهددة لأمن الدولة الجارة تركيا.

إذن وبصراحة موقف النظام السياسي العربي في اجتماعات الجامعة العربية الأخيرة بتاريخ 12 أكتوبر / تشرين الأول 2019 هو موقف لا يريد دفع الأذى عن الشعب السوري، الذي أمضى ثمانية أعوام تحت القصف والدمار والقتل، بل هو موقف للنيل من التجربة النهضوية التركية، والعمل على تدميرها بسبب عجزه البنيوي عن القيام بمثلها، والتي عجز هذا النظام حتى عن تحقيقها في أدنى مستوياتها، فهذه التجربة النهضوية رفعت قيمة الناتج المحلي التركي من 230 مليار دولار عام 2002 إلى 850 مليار دولار عام 2017 وهو ما يعني قفز تركيا إلى المرتبة السابعة عشرة على مستوى العالم اقتصادياً.

إنه عداء واضح الأهداف يقف خلفه الفشل والبنية العاجزة لدى النظام السياسي العربي، ضدّ تجربة نهضة تركية، ستفتح أعين الشعوب على ما تفعله بها أنظمتها من إفقار وتجهيل واستبداد.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي