ستكون يد تركيا والقبارصة الأتراك أكثر قوة في أي عملية مفاوضات تتعلق بمستقبل قبرص وبحقوقها في موارد الطاقة في ظل توحد الطرف الرسمي الذي يمثل قبرص التركية رئيساً وحكومة.

انتهت مساء الأحد 18 أكتوبر/تشرين أول 2020 الجولة الثانية من انتخابات قبرص التركية بفوز مرشح حزب الوحدة الوطنية ورئيس الوزراء السابق أرسين تتار برئاسة جمهورية قبرص التركية بحصوله على 51.74% فيما حصل منافسه الرئيس المنتهية ولايته مصطفى أكنجي على 48.26%. لتبدأ مرحلة جديدة في قبرص التركية تستمر حتى 2025 سيكون فيها انسجام بين الرئيس والحكومة بعد 5 سنوات من عدم الانسجام في عهد أكنجي.

وبسبب وجود 11 مرشحاً لم يستطع أرسين تتار على الرغم من حصوله على أعلى نسبة في الجولة الأولى (32.4%) حسم نتيجة الانتخابات التي كانت تحتاج الحصول على 50%+1 في 11 أكتوبر 2020، بخاصة أن نسبة المشاركة كانت قليلة بحدود 58% بسبب أزمة فيروس كورونا. ومع هذا نجح تتار في حث الناخبين الذين لم يشاركوا في الجولة الأولى على الحضور في الجولة الثانية لتصل المشاركة إلى نسبة قياسية بلغت 67.3%.

ويُعتقد أن توجُّه الناخبين في الجولة الثانية الذي دعم المرشح إرسين تتار انطلق من تخوُّف من توجُّهات المرشح المنافس مصطفى أكنجي الذي أطلق تصريحات تدلّ على استعداده لتسليم أراضٍ من قبرص التركية لقبرص الجنوبية، وذلك في سياق حل دولة فيدرالية واحدة، متغاضياً عن فشل المسار التفاوضي خلال العقود السابقة، ورفض الطرف الجنوبي استفتاء توحيد الجزيرة الذي أجرته الأمم المتحدة في 2004، فضلاً عن رفض القسم الجنوبي الاعتراف بحقوق القسم الشمالي بموارد الطاقة المكتشفة في محيط الجزيرة.

يضاف إلى ما سبق مواقف أكينجي الناقدة لتركيا والتي أثرت سلبياً في العلاقة، في موقف يتناقض مع دور تركيا التاريخي في حماية القبارصة الأتراك وحقوقهم في الجزيرة والموارد المكتشفة في مياهها، إذ قال وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو: "لم أعمل في حياتي مع مسؤول سياسي قلما صدق القول مثل أكينجي". وأضاف خلال مؤتمر صحفي في أنقرة، أن أكينجي "يستخدم تركيا لأهداف انتخابية". وقد تعرض أكينجي لانتقادات كبيرة بسبب موقفه المتحامل على تركيا.

تدخلت تركيا لحماية القبارصة الأتراك في عام 1974 بعد تعرضهم لمجازر منذ منتصف الستينيات عندما أصبح الصبر على ذلك مستحيلاً وتعرضت في سبيل ذلك لعقوبات أمريكية، كما أنها الدولة الوحيدة التي تعترف بجمهورية قبرص التركية التي تم إعلانها عام 1983، فضلاً عن كونها إحدى الدول الثلاث الضامنة مع بريطانيا واليونان لرعاية عملية التفاوض على مستقبل قبرص.

وعلى الجانب الآخر كان الرئيس القبرصي الجديد أرسين تتار في أثناء وجوده في موقع رئاسة الحكومة القبرصية منذ 2018 يقوم بدور موازن، إذ كان يقدر الدور التركي المحافظ على حقوق قبرص التركية ودائماً كان يرفض الانتقادات التي كان يوجهها أكنجي إلى تركيا ويؤكّد عدم تعبيرها عن الموقف القبرصي الحكومي.

لا تبعد قبرص عن تركيا سوى 75 كيلومتراً، وفي ظل وجود عدد من التطورات في منطقة شرق المتوسط وحصول عدة مستجدات في ظل زيادة المنافسة الجيوسياسية، فإن تركيا تتابع الوضع في قبرص ومحيطها بشكل وثيق وتعتبره أمراً يمسّ أمنها القومي. فعلي سبيل المثال أُرسلَت خلال الشهرين الماضيين طائرات فرنسية وإماراتية إلى قبرص الجنوبية ورفع واشنطن الحظر عن توريد السلاح غير القاتل إلى قبرص الجنوبية.

وفي ظل هذه التطورات نفذت تركيا في سبتمبر/أيلول 2020 مناورات مشتركة مع حكومة قبرص التركية استمرت 5 أيام في ظل التصعيد العسكري اليوناني والفرنسي في شرق المتوسط، ومن المتوقع أن تستمر تركيا في هذا الدور، وقد أكد وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو توجه تركيا في تغريدة بارك فيها فوز تتار، أن تركيا ستدعم رفاه وتنمية وأمن قبرص التركية وستحمي حقوقها المشروعة شرق المتوسط.

يمكن القول إن تركيا ستكون أكثر أريحية في التعامل مع قبرص التركية في ظل وجود رئيس يقدر الموقف التركي وينسجم معه بالإضافة إلى وجود حكومة من ذات التوجه، كما أن قبرص التركية ستستفيد من الدعم التركي لحقوقها في موارد الطاقة المكتشفة، بخاصة في ظل وجود أدوات تركية محلية سواء في سفن التنقيب أو حتى في البوارج العسكرية القادرة على حماية هذه السفن وتحدي ضغوط الفاعلين الآخرين.

على الرغم من أن القبارصة الرومانيين هم من رفض خطة عنان في 2006 لتوحيد الجزيرة حين رفض 76% منهم خطة الأمم المتحدة، فقد حاول الرئيس السابق أكينجي الإيماء أكثر من مرة إلى فكرة أن تركيا تفكر في ضم قبرص الشمالية، مشيراً إلى تكرار لسيناريو روسيا والقرم، ولكن تركيا لم تدعم هذه الفكرة، بل دعمت فكرة دولة للقبارصة الأتراك وكانت واقفة بكل قوة ضد ضم روسيا للقرم.

اليوم مع فوز أرسين تتار يبدو أن قبرص تتجه إلى تكريس حل الدولتين، وستكون تركيا أكثر عزما في الوقوف وراء هذا الموقف القبرصي، لهذا من المرجح أن يزداد التوتر في العلاقة مع اليونان وقبرص الجنوبية، التي تُعتبر متوترة بالأصل بسبب الخلاف على مناطق السيادة البحرية.

لقد شعر الأتراك كافة، سواء الأحزاب الموالية للحكومة وحتى المعارضة لها بالارتياح لفوز تتار، وقد كان زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو من بين أول المهنئين بفوز تتار ونجاح العملية الانتخابية في قبرص الشمالية، وهذا يشير إلى موقف تركي موحد بخصوص قبرص.

ترى تركيا وفقاً لحديث خاص للباحث حجي بويراز الباحث في الشأن القبرصي مع TRT عربي، أن فوز تتار في قبرص أفسد لعبة إمبريالية في قبرص، ومع هذا قد يؤدّي هذا إلى استياء الموقف الأوروبي الباحث بالأصل عن ذريعة لفرض عقوبات على تركيا بسبب موقفها المتحدي شرق المتوسط.

بالتأكيد ستكون يد تركيا والقبارصة الأتراك أكثر قوة في أي عملية مفاوضات تتعلق بمستقبل قبرص وبحقوقها في موارد الطاقة في ظل توحد الطرف الرسمي الذي يمثل قبرص التركية رئيساً وحكومة، وقد كان للتوافق بين إرسين تتار قبل الانتخابات بأيام، وتركيا خلال لقائه مع الرئيس رجب طيب أردوغان، دور كبير في افتتاح منطقة ماراش الساحلية السياحية التي تقع بين الجانبين التركي واليوناني في قبرص، بعد أن كانت مغلقة منذ عام 1974، التي لم تنجح جهود الأمم المتحدة مع الجانب الجنوبي في فتحها.

يُنتظر أن تساهم تركيا بمزيد من الدعم لمشاريع التنمية والأمن في قبرص في ظل الانسجام في الموقف السياسي مع الحكومة القبرصية التركية، ولكن من المنتظر أيضاً أن تمارس الأطراف المنافسة لتركيا مزيداً من الضغوط على تركيا في قبرص وشرق المتوسط.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً