في عام 1997 أسس شابان طموحان من كاليفورنيا الأمريكية شركة متواضعة تتخصص في تزويد البث الحي وخدمات الفيديو. بدأت الشركة تحقق أرباحاً متزايدة وسريعة، قبل أن تنتقل لإنتاج الأفلام والبرامج ابتداءً من عام 2013.

هذه الشركة الطموحة سوف يطلق عليها اسم "نتفليكس". وبنهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي أعلنت أن عدد المشتركين في خدماتها قد تجاوز مئة وخمسين مليون مشترك في أماكن كثيرة من العالم.

في إطار محاولاتها الدؤوبة لغزو العالم والوصول إلى الجميع، وجدت "نتفليكس" طريقها إلى العالم العربي، وإلى كثير من دول المشرق، بما فيها الدول الأقل بحثاً عن الرفاهية.

سعر الاشتراك الزهيد وسهولة الحصول على الخدمة التي تشمل مكتبة لا حدود لها من الأفلام والمسلسلات والبرامج شجع أعداداً متزايدة على خوض التجربة واتخاذ الباقة بديلاً عن القنوات التلفزيونية من جهة وعن المواقع الأخرى التقليدية، كاليوتيوب، من جهة أخرى، خاصة أن هذه المواقع التقليدية لم تعد تقدم ذات الخيارات في ظل التقييد الذي يمارس عليها وفق القوانين التي تحمي حقوق المؤلفين.

مع دخول "نتفليكس" إلى نطاق دول الجنوب المحافظة، بدأ سؤال "الرسالة الأخلاقية" بالتردد، حيث بدأ المشاهدون يلاحظون أنه رغم المستوى الجيد للإنتاج والاحترافية العالية في الحبكات الدرامية والإخراج، فإن جرعة "المشاهد الساخنة" أصبحت وكأنها أمر لا مفر منه.

لم يقتصر الأمر على العالم العربي أو الإسلامي، لكن كثيراً من المشاهدين كانوا ينتقدون تلك الجرعات التي بدت لهم مقحمة.

النقد تطرق كذلك إلى الأفكار التي يتم نقلها عبر الحبكة الدرامية. على سبيل المثال كان مسلسل "13 سبب لماذا" من المسلسلات التي أثارت الجدل في الدول الغربية، بدا المسلسل وكأنه يبرر الانتحار في مجتمعات تعاني أصلاً من ازدياد نسبة من تستهويهم فكرة الهروب من الحياة. من الجانب الآخر اعترض أكاديميون ومثقفون على المحتوى الوثائقي الذي تقدمه القناة، خاصة ما يتعلق بالجانب السياسي، والذي اتهموه بأنه منحاز وغير علمي، في حين احتج عدد من رجال الدين المسيحي على إظهار السيد المسيح في عمل درامي بصورة مثلي الجنس.

المشكلة في العالم العربي وعموم بلدان الجنوب كانت أكثر تعقيداً وكانت الاستجابات لها مختلفة، ففي حين رأت بعض الدول أن تغلق أبواب الشر ولا تسمح ابتداء بدخول هذه الخدمة المغرية أسواقها، قبلت دول أخرى التحدي معتبرة أن الأمر يندرج في إطار الحريات الشخصية.

كخيار ثالث، رأى آخرون أن الدفع المقدم والطريقة الحداثية في الوصول إلى المتلقي عبر الإنترنت لا ينفيان المسؤولية الوطنية، وبهذا فإنه يجب على كل ما يصنف عملاً فنياً المرور بباب الرقابة والخضوع للمعايير والضوابط التي تم وضعها للمتابعة والتقييم.

من نماذج المثال الأخير كانت الهند وتركيا، ففي حين أعلنت الأولى أن المساس بالمقدسات الدينية لن يكون مقبولاً، اعتبرت الأخيرة أن احترام المعايير الوطنية وقواعد البث المتبعة داخلياً أمر أساسي للقبول بفتح السوق المحلي.

حالياً ما يزال الجدل مستمراً بسبب الفروقات الكثيرة التي تكمن بين الإعلام التقليدي الذي اعتادت الجهات المختصة على طرق مراقبته، وبين "نتفليكس" التي تعتمد في المقام الأول على عوامل السرعة والوقت والبث المباشر.

بالنسبة إلى القائمين على أمر الشبكة، فإن المسألة هي أبسط من كل ذلك، فكل شيء اختياري، ويمكن للمشترك أن يتحكم ببساطة في ما يشاهده، كما أن بإمكانه تفعيل نظام "الرقابة الأبوية" الذي يساعد على فلترة المحتوى غير المناسب للأطفال.

بالعودة إلى موضوع الإثارة الجنسية تحديداً فإن سؤالاً يطرح نفسه هنا وهو: ما الجديد في كل ذلك؟ وما الإضافة التي تحملها "نتفليكس"؟

في الواقع فإن هناك كثيراً من الفروق والمستجدات، فلو عقدنا مقارنة مع التاريخ القريب لمنطقتنا حتى فترة التسعينيات، فسنجد أن الخيارات كانت تنحصر بين الأفلام الأجنبية التي يقدمها التلفزيون والأفلام العربية التي كانت تتداول في نسختها الكاملة عن طريق الفيديو والسينما، قبل أن تصبح متاحة عبر القنوات الفضائية.

كان المشاهد يصنف الأفلام الأجنبية بأنها ذات جودة أعلى، ليس فقط لأنها تحوي قصة متماسكة وتشويقاً كثيراً، ولكن أيضاً لأنها لا تقدم ابتذالاً ولا تتعمد حشر المشاهد المثيرة والساخنة على غرار الأفلام العربية التي كانت تحاول الوصول إلى المشاهد عبر التركيز على ممثلات ومشاهد الإغراء، التي تكتمل بصور إعلانات دعائية عارية قد يكون بعضها غير متناسق مع محتوى الفيلم.

إن السبب الذي كان يدفع منتجي الأفلام العربية إلى الرهان على الإغراء وعلى مشاهد "التشويق الجنسي" قد يكون هو ذاته الذي يحمل "نتفليكس" اليوم على اتباع سياسة إغراق منتجاتها بهذه المشاهد.

رد الشبكة جاهز على كل اتهام، فما تقدمه "اختياري"، أو كما قال مديرها ريد هاستنغر ذات مرة: "لا أحد مجبر على البقاء"، أما إذا كان هناك من يسعى لتقييد الشبكة وإحاطتها ببعض أنواع الرقابة، فإن للشبكة من الجانب المقابل طلبات أخرى من جمهورها المتعاظم تحب أن توفي بها وتتعلق برغبتهم في متابعة العروض الكاملة دون تدخل.

أما السؤال عن فائدة مشاهد العري أو الجنس للسياق الدرامي فهو سؤال غير سهل، وقد يتخذ في بعض الأحيان منحى النقاشات الفلسفية اللانهائية، فحتى الأفلام المغرقة في ابتذالها قد يدافع أصحابها عنها قائلين إنهم كانوا يقدمون نوعاً من الفن.

الأكيد هو أننا في مرحلة "اعتياد" وهي المرحلة التي تسبق الاستسلام للمعايير الأخلاقية الجديدة، أما الخطوة التي تليها فهي التبلد والبرود الذي يجعلنا نعتبر أن كل ما حولنا عادي، وأن مجرد فتح باب لمناقشة هذه القضايا هو نوع من الردة.

هناك مثال واضح على هذه المراحل يتمثل في علاقتنا بالتلفزيون، فقبل عقود قليلة، كانت التلفزيونات المحلية في عموم المنطقة العربية تراعي معايير أخلاقية صارمة وهي تقدم أعمالاً سينمائية أو درامية. كان كل شيء مقيداً، فلا ألفاظ بذيئة أو سوقية، ولا مشاهد مبالغ فيها ولا قصة ذات مضمون منافٍ للأخلاق، مع وجود كل ذلك طبعاً في شرائط الفيديو التي كانت تتداول بالتوازي مع التلفزيون، لكن في نطاقات خاصة يختار فيها البالغون وقت التشغيل ومستوى الحضور.

حينها كانت العائلات التي تجتمع حول شاشة العرض الصغيرة تشعر بالحرج الشديد لمجرد بدء مشهد رومانسي، أو لحظة يتبادل فيها عاشقان كلمات الحب. قارن ذلك بما يحدث اليوم وبما تقدمه القنوات الفضائية المفتوحة وردود الأفعال الباردة على ذلك.

هذا كله يجعل الوعي بالمحتوى أمراً جدياً يحول دون الاستسلام للخيارات المفروضة التي يقود إليها منطق الربح الرأسمالي المجرد المرتبط بقياس رغبات الشريحة الأكثر أهمية من المتابعين، المراهقين، وتفضيلاتهم التي تمنح الجنس مراتب متقدمة.

علينا أيضاً أن ننظر إلى الموضوع بشكل أعمق ضمن التحدي الذي نواجهه والمتمثل في "عولمة القيم". يجب أن نتذكر أن الصواب والخطأ ليسا أمراً متفقاً عليه عالمياً، فحتى التابوهات التي كنا نظن أن الغرب يتعامل معها كخطوط حمراء كجنس الأطفال أو البيدوفيليا لم تعد كذلك، وتعرضت لاختراق كبير بعد النجاح في تمرير برامج وأفلام مثل البنات اللطيفات "Cuties" الذي تم بثه مؤخراً ليخلق موجة كبيرة من الاستياء في داخل الولايات المتحدة وخارجها، وصلت إلى حد نشوء حملة دولية للمقاطعة وإلغاء الاشتراك في الباقة، وذلك بسبب ما يحمله الفيلم من رسائل إباحية غير مسبوقة، ما حدا ببعض النقاد إلى اتهام نتفليكس بالترويج للاتجار بالأطفال ووصف الفيلم بأنه مثال على استغلالهم، كما اعتبر آخرون أن خطر مثل هذه الرسائل المدسوسة يفوق بكثير أخطار الأفلام الإباحية المكشوفة.

تبقى الحساسية أكبر في بلاد المشرق، فإن كان الغربيون يقولون ببساطة إنه ليس هناك ما يعيب في الممارسة الجنسية كفعل إنساني طبيعي ما دام يتم بالتراضي بين شريكين بالغين، فإن الأمر مختلف بالنسبة إلى البلدان التي تسعى بجد محاولة أن تحمي مجتمعها من اللحاق غير الرشيد بركب المجتمعات الغربية وتقدميتها الزائفة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً