في وقت تدرس فيه حكومة نتنياهو خياراتها لعملية الضم، فإن موقف السلطة الفلسطينية لم يبارح الإعلان عن وقف الاتفاقيات مع إسرائيل، دون اتخاذ أي إجراء على الأرض في حين انكفأ الموقف العربي وراح يلاحق تركيا (كعدو) ولم يمارس أي ضغط لفرملة توجه إسرائيل

إذا كان المشروع الإسرائيلي لضم ما تبقى من الضفة يستهدف إنهاء قضية فلسطين في خطوة نهائية تستكمل ما بدأه الصهاينة منذ هجراتهم إلى فلسطين قبل نحو قرن من الزمان، فإن التساؤل الأهم هو: هل يكون العرب والسلطة الفلسطينية على قدر هذا التحدي المصيري؟!

لا تبدو إجابة هذا السؤال صعبة في ضوء ما نعرفه عن الوضع الفلسطيني والعربي المتردي على الصعيد الرسمي.

ففي الوقت الذي تدرس فيه حكومة نتنياهو خياراتها لعملية الضم متجاهلة بذلك الإدانات الدولية، فإن موقف السلطة الفلسطينية لم يبارح الإعلان عن وقف الاتفاقيات مع إسرائيل، دون اتخاذ أي إجراء على الأرض لمواجهة القرار أو تحريك الجماهير لتوجيه رسالة قوية للمحتل.

في حين انكفأ الموقف العربي وراح يلاحق تركيا (كعدو) ولم يمارس أي ضغط لفرملة التوجه الإسرائيلي، كما بدأت تتسرب أنباء عن تنسيق بين إسرائيل ودول عربية يقضي بعدم اتخاذ هذه الدول مواقف قوية من الضم والاكتفاء بالإدانة!

حراك إسرائيلي وعجز فلسطيني

وها هو نتنياهو يصعّد من تحركاته لإنجاز العملية مستغلاً وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وضمن صفقة القرن التي تضمنت الموافقة على ضم أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية، وفي محاولة لتجنب استمرار محاكمته بتهم فساد. فقام بتخيير شريكه في الائتلاف وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس بالانضمام إلى جهود ضم نحو 30% من الضفة الغربية أو التوجه إلى جولة أخرى من الانتخابات، في حين بدا غانتس متساوقاً مع ذلك ليهدد بدوره الفلسطينيين بتنفيذ الضم إن رفضوا المفاوضات تحت سطوة الاحتلال.

للمزيد حول الموضوع، اقرأ:

ضم الضفة: التصعيد الأردني – الإسرائيلي إلى أين؟

كما يسعى نتنياهو لإقناع الأجهزة الأمنية بالمضي في الخطة رغم تحذيراتها المتكررة بما سيترتب على ذلك من تصعيد جماهيري، وانطلاق عمليات مقاومة في الضفة وتصعيد شامل في قطاع غزة.

وفي مسعى لأخذ الضوء الأخضر من إدارة ترمب لخطوته، نسق نتنياهو مع السفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان لكي ينقل صورة عن الموقف الإسرائيلي للرئيس الأمريكي، عندما يعقد اجتماعاً بشأن هذه القضية مع صهره وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، ومع السفير الأمريكي وكبار المسؤولين.

وفي المقابل وقفت السلطة عاجزة بل غير راغبة في مواجهة التحرك الإسرائيلي في الميدان عبر محاولة تحريك الجماهير من قبل تنظيمها الأكبر وهو حركة فتح في المواجهة، ودون أي تحرك لاستعادة اللحمة الوطنية عبر استئناف الحوار مع حماس والجهاد لتصليب الجبهة الداخلية والاتفاق على برنامج وطني لمواجهة المخطط الإسرائيلي وفرملته، بل تسرب من مصادر إسرائيلية أن الاتصالات الأمنية بين السلطة وقوات الاحتلال ما تزال متواصلة رغم إعلان وقفها!

صحيح أن قوى المقاومة أعلنت جاهزيتها للتصدي للخطة على الأرض في الضفة وغزة وهو ما تتخوف منه إسرائيل، ولكن ما لم ينخرط تنظيم فتح في المواجهة، وفي حال مارست السلطة دورها لتثبيط التحركات ومنعها، فإن هذا التحرك يظل ناقصاً، إلا إذا قررت بعض أوساط فتح المشاركة في المواجهة.

وتؤكد تجربة انتفاضة 2000 أن مشاركة فتح بضوء أخضر من الرئيس الراحل ياسر عرفات جنباً إلى جنب مع بقية الفصائل أعطاها زخماً واستمرارية، وهو ما لا يبدو أنه متوفر الآن بسبب موقف الرئيس عباس السلبي من المقاومة، وانغماس قيادات فتح في تأمين مصالحها وعلاقاتها مع الاحتلال.

للمزيد حول الموضوع، اقرأ:

خيارات السلطة الفلسطينية في رفض مشاريع الضم .. بين الجدية والعجز

لكن ذلك لن يمنع التحركات الجماهيرية التي ستسند بأفعال مقاومة في الضفة وغزة في ضوء ضعف السلطة التي ستفقد سيطرتها ولو جزئياً في الضفة المحتلة، بسبب فشل مشروعها السياسي وتدهور أوضاعها الاقتصادية وعجزها عن دفع الرواتب.

مؤامرة عربية وتركيا في المهداف

وإذا كان نتنياهو يعول على الدعم الأمريكي لمخططه، فلا يبدو أن الدول العربية الرئيسية راغبة في الحديث مع ترمب لجعله يوازن حساباته في موقفه من الضم.

ولم يصدر عن الجامعة العربية إلا بيانات الإدانة والاستنكار من خلال الاجتماع اليتيم لوزراء خارجيتها نهاية أبريل/نيسان الماضي، دون أن تعقد قمة طارئة لمواجهة هذه المرحلة الخطيرة.

والأنكى من كل ذلك أن قضية فلسطين لم تعد في لب اهتمام كثير من أنظمة التآمر على الربيع العربي. فبعد إيران جعلوا من تركيا عدوة للعرب محاولين تصنيفها كاستعمار يعيد أمجاد الدولة العثمانية!!

للمزيد حول الموضوع، اقرأ:

المواقف الإقليمية تجاه سعي الاحتلال الإسرائيلي لضم الأراضي الفلسطينية

تحركت تركيا في أكثر من اتجاه في سوريا والعراق وليبيا للدفاع عن مصالحها وحدودها البرية والبحرية. في ليبيا نجحت في التصدي لأطماع فرنسا وإضعاف النفوذ الروسي، ضمن مقاربات مع الولايات المتحدة وأوروبا ضمن شبكة المصالح المعقدة في هذا البلد.

ووقعت تركيا اتفاقيات مع الحكومة الليبية المعترف بها أممياً، بما يحقق الأمن والديمقراطية في البلد الذي خلعت ثورته معمر القذافي وحكمه الديكتاتوري.

ونجحت تركيا في ضمان مصالحها في المتوسط، ووضعت حداً لمؤامرات دول الضد ومعها فرنسا وروسيا مع وريث القذافي خليفة حفتر لضرب مكتسبات الثورة وإغراق البلد في الفوضى، للاستئثار بثروته النفطية والسيطرة على موانئه، والحيلولة دون وجود دولة مستقلة تحكم ديمقراطياً على حدود مصر.

ولما وافقت هذه الأنظمة على صفقة القرن وتواطأت مع العدو ضد الشعب الفلسطيني لوأد حلمه بالحرية وجعله يستسلم لعدوه، وعمدت إلى تسويق التطبيع معه، فقد انتقلت لمحاربة تركيا التي وقفت مع تطلعاته ورفضت الصفقة والضم، فجعلتها في المهداف لتصبح العدو الأكبر، ليعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً يهدف لإدانتها، ومن قبلها أدانوا ما أسموه تدخلات تركيا في سوريا والعراق وليبيا، وغضوا الطرف عن الحرب في اليمن والدور الإماراتي المشبوه فيها، وتدخلاتهم التي أفشلت الثورة في سوريا وجعلتها فريسة لنظام الأسد وداعميه الروس والإيرانيين.

يريد هؤلاء ومعهم الكيان الصهيوني إبعاد تركيا عن مسرح التأثير في المنطقة لأن وجودها يعطل خططهم لإجهاض ما تبقى من ثورات العرب، ولجعل الفلسطينيين فريسة سهلة للاحتلال الإسرائيلي، في تواطؤ غير مسبوق في التاريخ العربي يهدف لتمكين الاحتلال من تحقيق أهدافه والضغط على الفلسطينيين للقبول بخريطة الطريق والضم.

ويهدف التحرك المشبوه لهذه الأنظمة العربية إلى إضعاف تركيا كقوة سنية إقليمية، في ظل سعيها لتثبيت صمود الفلسطينيين في القدس وإسناد موقفهم السياسي برفض الصفقة والضم.

الفعل الفلسطيني سيقود المواجهة

إن محاولة استبدال العداوة مع إسرائيل بالعداوة مع تركيا وإيران مع اختلاف التوجهين، واستحضار الاستعمار للتحشيد ضد تركيا لن تتوفر له فرص النجاح شعبياً ولا حتى رسمياً مع وجود بعض الدول العربية التي لم تتساوق مع المخطط الذي بدأ يواجه انتكاسة كبيرة في ليبيا. وسيتسبب ذلك في المدى المنظور في تفتيت الموقف العربي وإضعافه، وإطلاق رصاصة الرحمة على الجامعة العربية المرتهنة لقرار دولتين عربيتين فقط.

للمزيد حول الموضوع، اقرأ:

ما الجديد في المشروع "الإسرائيلي" لضم الضفة والأغوار؟

وإذا كان نجاح مخطط نتنياهو يعتمد على الموقف الأمريكي المنحاز والتواطؤ العربي والموقف الفلسطيني الهزيل، فإن الفلسطينيين بصمودهم ومقاومتهم سيشكلون السد المنيع أمام نجاح هذا المخطط، وقد يشكل ذلك فرصة تاريخية لانتفاضة ثالثة تستنهض المكنون الشعبي العربي، وتضعف الأنظمة المتآمرة وتفرمل مخططاتها ضد قضايا الأمة، وقد تشكل انبعاثاً آخر للربيع العربي.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي