بعد أن كن ضحايا للانصياع عنوة لإرادة التنظيم، أصبحت نساء داعش عرضة للتهميش المجتمعي والابتزاز الممارس عليهن من القوات النظامية. 

انتهت العمليات العسكرية الدولية التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة “داعش”في العراق وسوريا، لكن معاناة ضحايا التنظيم من النساء لم تنتهِ حتى الآن، فالآثار الجسدية والنفسية التي تخلّفها عمليات الاعتداء والاستغلال الجنسي هي الأكثر وقعاً والأطول أثراً من بين ما تخلفه الحروب والنزاعات المسلحة من آثار.

مجرد الالتحاق بالمؤسسة الاجتماعية والأهلية لداعش يصبح الانفصال عنها أشبه بالمهمة الانتحارية

أماني السنوار

الكثير من التقارير الدولية تحدثت عن عشرات آلاف الضحايا من النساء والقاصرين تم استغلالهم جسدياً خلال الأعوام السبع الأخيرة في سوريا والعراق سواء على يد داعش - أو النظام السوري والمليشيات العراقية والسورية المسلحة - ليس فقط عبر الاختطاف والإكراه، حيث أن بعضهم تمّ تضليله واستدراجه طوعاً للالتحاق بالمؤسسة الاجتماعية والأهلية التي رعتها داعش، والتي بمجرد الالتحاق بها يغدو الانفصال عنها أشبه بالمهمة الانتحارية. 

بعد انتهاء المعارك ضد غالبية معاقل التنظيم منتصف العام الجاري، كان مصير رجاله إما القتل أو الاعتقال أو الفرار، لكنهم خلفوا وراءهم كارثة جديدة عُرفت لاحقاً بملف“نساء وأطفال داعش”، في الإشارة إلى مجموعات من النساء والأطفال يقدّرون بالآلاف كانوا جزءًا من المؤسسة الأهلية والأسرية للتنظيم. فئة قليلة من تلك النساء تورطن في أعمال قتالية أو غير قتالية لصالح التنظيم، أما النسبة الأكبر فكنَّ مجرد مرافقات لأزواجهن الذين التحقوا بالتنظيم من داخل المنطقة أو هاجرن إليها من الخارج استجابة لأوهام العيش في الجنة التي روّجت لها آلة التنظيم الاعلامية، وقد تم التوافق ما بين التحالف الدولي والقوات المحلية على التحفظ عليهن  ضمن مخيمات لجوء مؤقتة تحولت إلى ما هو أشبه بمراكز الاعتقال.

مازال العديد من نساء داعش رهائن للاحتجاز التعسفي والاستغلال الجنسي ولا بدو أن هناك افق لحل أزمتهن

أماني السنوار

تشير عدة تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية إلى تعرض هؤلاء النساء وأطفالهن إلى جملة من الاعتداءات وعمليات الابتزاز الجسدي من قبل الجنود المحليين والمليشيات التي تطبق الحصار على تلك المخيمات في الأراضي العراقية، ولا يبدو أن هناك حل في الأفق يقضي بالإفراج والترحيل أو حتى تقديمهن لمحاكمات عادلة، مما يعني أنهن ما زلن رهائن للاحتجاز التعسفي والاستغلال الجنسي حتى اليوم، لكن الكارثة أن هذه الجرائم ترتكب بحقهن ليس على يد داعش، إنما على يد قوات نظامية أو مليشيات تعمل لصالحها، وعلى مرأى وموافقة قوات التحالف الدولي التي جاءت للعراق تحت شعار إنقاذ المدنيين من سطوة داعش.

إن تفكيك مشكلة نساء داعش يتطلب تفكيك عجز المنظومة الدولية والمحلية عن اقتلاع جذور انتهاكات حقوق الإنسان

أماني السنوار

هذه الازدواجية طالما عاشتها شعوب المنطقة، ليس التجلي الوحيد لها هو الانكباب العالمي على تسليط الضوء على ضحايا داعش من النساء - لاسيما من الأقليات - بينما يغض النظر عن ضحايا آخرين لمجرد أن جلادهن مرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة في خدمة مصالح التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وفي الحقيقة فإن تفكيك مشكلة من هذا النوع يتطلب تفكيك عجز المنظومة الدولية والمحلية عن اقتلاع جذور انتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما ضد النساء، بدل التركيز الأعمى على المعالجة الظرفية لأعراضها.

هناك شبه إجماع دولي على كون النساء أكثر ضعفاً من الرجال أمام الأخطار في ساحات النزاع المسلح، ووفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، فهذا الضعف لا يُقاس على أساس جندري،إنما يتم تبريره وتحديد مداه وفقاً للاحتياجات الفيزيولوجية والصحية الخاصة بالنساء، أو الاحتياجات المتعلقة بدورهن كأمهات وراعيات للأسرة، كما أن هذه الاحتياجات تعتمد على الظروف المعيشية الهشة التي تعتري الأفراد والأسر والمجتمعات، مما يعني بالمحصلة أن المرأة التي تعاني أصلاً من وضع اجتماعي وثقافي واقتصادي هش هي بالضرورة الأكثر انسحاقاً أمام الظروف القاسية للحروب.

ولتبسيط الصورة، نجد مثلاً أن المرأة التي تتعرض للاعتداء الجنسي خلال النزاعات، قد تحظى في بعض المجتمعات بآليات تضامن وإعادة تأهيل تبدأ من الأسرة وتنتهي بالمجتمع المدني أو دولة ما بعد الحرب. في حين أنهن قد يوصمن بالعار في مجتمعات أخرى فيضطررن للفرار أو العزلة أو الارتهان للجناة تماماً كما اضطرت مئات النساء منضحايا الاستدراج والتضليل الذي مارسته المليشيات المسلحة، إذ بات الاستسلام لجحيم داعش وغيرها أخف وطأة من مواجهة أحكام المجتمع.

ما زالت القوى الغربية تتعامل مع قضايا حقوق المرأة في الشرق الأوسط بنمط المعالجة السريعة والمحدودة لبعض الانتهاكات وضمن محددات خاضعة للأجندة السياسية

أماني السنوار

ولا يقتصر الأمر على ضحايا الاعتداءات الجسدية، إنما ينسحب الأمر إلى زوايا أكثر عمومية تطال جميع النساء في زمن الحرب، حيث أن المجتمع الذي يهمّش النساء اقتصادياً تعاني المرأة فيه من قسوة تبدّل الأدوار الاجتماعية أكثر من غيرها حين يغيب المعيل المادي للأسرة، وكذلك بالنسبة للمجتمعات التي تحرم النساء من التعليم أو تترسخ فيها عقلية التفوق الذكوري، حيث تجد المرأة نفسها ولأول المرة أمام قائمة من الأعباء والمسؤوليات ضمن بيئة طاردة وتمييزية، إلى جانب قلة الخبرات والثقة الذاتية التي تدفعهن للركون لمن يمارس العنف بحقهن أو يهدد بممارسته.

لا يجب أن يُنظر إلى تمكين المرأة في أوقات السلام والاستقرار كنوع من الترف الاجتماعي، إنما كحاجة ملحة من أجل تحصين المجتمع

أماني السنوار

وإن كانت القوى الغربية والمؤسسات الدولية ما زالت تتعامل مع قضايا حقوق المرأة في الشرق الأوسط بنمط المعالجة السريعة والمحدودة لبعض الانتهاكات وضمن محددات خاضعة للأجندة السياسية، يزداد العبء على المؤسسات والفواعل المحلية في إحداث التغيير في الموروث والتصورات الداخلية المكبّلة لدور المرأة وقدرتها على الصمود والتكيف في مجتمعي السلم والحرب، إذ لا يجب أن يُنظر إلى تمكين المرأة في أوقات السلام والاستقرار كنوع من الترف الاجتماعي، إنما كحاجة ملحة من أجل تحصين المجتمع -برجاله وأطفاله أيضاً- وتقوية مناعته ضد التفكك أمام هزات الحرب والنزاعات فيمنطقة دائمة الاشتعال.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأيكتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي