وقّعت دولة الإمارات على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2020 مدشّنة بذلك سلسلة مع اتفاقيات التطبيع لدول عربية أخرى كالبحرين والسودان والمغرب.

لقد استطاعت دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ قيامها على الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة أن تجد طريقة للتعامل مع الأنظمة العربية، سواء بالحرب والخديعة بدايةً، أو بالسلام وبالتطبيع لاحقاً. كانت باكورة اتفاقيات السلام مع مصر 1978، ثم الأردن 1991 فاتحة عهد جديد من العلاقة مع إسرائيل. ومع أن الاتفاقيتين كامب ديفيد ووادي عربي قد قامتا بتهدئة الجبهتين الجنوبية والشرقية لدولة إسرائيل، فإنهما لم تصنعا سلاماً دافئاً.

فسرعان ما ظهر أن السلام المتوقع ما هو إلا سلام بارد. فعندما حاولت إسرائيل اغتيال خالد مشعل على الأراضي الأردنية بالسم على سبيل المثال، هدد حينها الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال بأنه سوف يمزق اتفاقية السلام إذا لم ترسل إسرائيل الترياق لعلاجه، وهو ما رضخت له إسرائيل بالفعل، وأطلقت أيضاً بعض المعتقلين الفلسطينيين كشرط أردني إضافي،كان من ضمنهم مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين.

ولكن ما نشهده اليوم من اتفاقيات عربية للتطبيع مع إسرائيل يأخذ منحىً مغايراً. فإذا كانت إسرائيل تريد من خلال اتفاقيات السلام السابقة تحييد أعدائها التقليديين كمصر والأردن، فإنها باتفاقيات التطبيع الحالية تريد أن تكسب الأصدقاء.

وقد فعلت، فالإمارات العربية المتحدة لا تشكل مجرد دولة قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل لتهدئة جبهة نزاع أو قتال، بل من أجل بناء صداقة وطيدة، وتحالف مشترك. وهنا يبرز في نظري مكمن الخطر، إذ إننا في مواجهة نموذج مختلف تماما عن النماذج السابقة في التعاطي مع إسرائيل سواء بالحرب أو بالسلام.

يمكن رصد تمظهرين رئيسيين في ما يتعلق بهذا النموذج الجديد الذي يحاول أن يرسّخه كل من الإمارات وإسرائيل. يتعلق التمظهر الأول بتعزيز صورة الصداقة على مستوى العلاقات الثنائية، ووحدة الأجندات في السياسة الخارجية.

في ما يتعلق بالتمظهر الأول حرصت الدولتان منذ البداية على إظهار مدى قوة العلاقة بينهما من خلال تجاوز البروتوكولات السياسية والدبلوماسية في اتفاقيات كهذه، لتذهب أبعد من ذلك بكثير من خلال تعزيز الشراكات المجتمعية والشعبية.

فقُبيل توقيع اتفاقية التطبيع بين البلدين في البيت الأبيض برعاية الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترمب، انبرى عديد من الإعلاميين والأكاديميين والمؤثرين الإماراتيين أو المحسوبين على الإمارات بالترويج للعلاقة مع إسرائيل، وتصويرها على أنها دولة طبيعية في المنطقة وتتمتع بميزات لا توجد في غيرها من ناحية النظام السياسي والتقدم التكنولوجي والاقتصادي. كان الخطاب يرتكز على إضفاء الشرعية على العلاقة مع إسرائيل من خلال استجلاب بعض الموروثات أو الحكايا الشعبية القديمة. وهنا يبرز على سبيل المثال مسلسل أم هارون الذي عرضته شبكة MBC في شهر رمضان الفائت.

اكتسب هذا التوجه زخماً واضحاً بعد اتفاقية التطبيع بين البلدين. وقد انسحب التعبير عن مدى الصداقة بين البلدين من خلال عديد من اتفاقيات التطبيع القطاعية، أي بين القطاعات الحكومية والمدنية من الجانبين.

حاز قطاع السياحة على اهتمام واسع، إذ سارعت الإمارات إلى تفعيل تأشيرات سياحية لمواطني إسرائيل بشكل مؤقت إلى حين التصديق على اتفاقية الإعفاء المتبادل من متطلبات التأشيرات للبلدين. وبالفعل، فقد زار ما لا يقل عن 50 ألف سائح من إسرائيل الإمارات، حضروا احتفالات عيد الأنوار اليهودي، المعروف بعيد «حانوكا»، وذلك حسب تصريحات وزيرة السياحة الإسرائيلية أوريت فركاش هكوهين.

هذا فضلاً عن التطبيع الرياضي، ففي 3 سبتمبر/أيلول الماضي، دعا نادي هبوعيل (بئر السبع) الإسرائيلي لكرة القدم فريق شباب النادي الأهلي الإماراتي لإقامة مباراة ودية بينهما، بمناسبة تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدولة الخليجية. وفي 9 سبتمبر/أيلول، انطلقت مفاوضات إماراتية مع إدارة نادي "بيتار القدس" الإسرائيلي للاستحواذ على ملكيته، وفق قناة "i24news" الإسرائيلية. وذكرت القناة العبرية أن المفاوضات تتم بين مستثمرين إماراتيين ومالك النادي موشيه حوجج، "وفي حال تم إبرام الاتفاق، فسيكون أول استثمار إماراتي في مجال الرياضة بإسرائيل".

هذا فضلاً عن التعاون في المجال التقني، سواء في مكافحة فيروس كورونا المستجد، أو من خلال برمجيات التجسس الإسرائيلية التي باتت الإمارات تعتمد عليها بشكل كبير وعلى رأسها برنامج التجسس "بيغاسوس" الذي طورته الشركة الإسرائيلية المتخصصة في التكنولوجيا NSO. وقد كان هذا البرنامج هو السبب في ملاحقة واعتقال العديد من الناشطين والمعارضين، سواء داخل الإمارات أو خارجها، وعلى رأسهم الناشط الإماراتي أحمد منصور الذي حوكم لعشر سنوات بسبب تغريداته على تويتر.

التمظهر الثاني في النموذج التطبيعي الجديد هو وحدة الأجندات في السياسة الخارجية، وقد أخذ هذا التمظهر شكلاً راديكالياً عندما أصبحت الإمارات تظهر كأنها عميل لدى إسرائيل في إقناع وتسهيل أطراف عربية أخرى للحذو حذوها في التطبيع معها. لم تكن مملكة البحرين بعيدة عن هذا المسار وهي القريبة كل القرب من الإمارات. أما السودان فقد بدا واضحاً حجم المال الإماراتي في إقناع صناع القرار في الخرطوم من أجل الذهاب نحو التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. طبعاً هذا لا يُلغي أن صناع القرار في الخرطوم قد اغتنموا هذه الفرصة أيضاً من أجل رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية التي يرون فيها خطوة جوهرية نحو النهوض بالسودان اقتصادياً.

وقُبيل توقيع المغرب اتفاق التطبيع مع إسرائيل، كانت الإمارات قد سارعت وفتحت لها قنصلية في منطقة الصحراء الغربية، كأنها إشارة، أو تعبير عن اتفاق ضمني بأن سعي المغرب نحو التطبيع سوف يضمن لها اعترافاً أمريكياً على سيادتها على الصحراء الغربية، وهو ما تَحقَّق لاحقاً من خلال إعلان الرئيس ترمب اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء مقابل التطبيع المغربي مع إسرائيل.

ويبدو أن مساعي الإمارات لتسوّق التطبيع والعلاقة مع إسرائيل عربياً لم تبدأ منذ توقيع اتفاق التطبيع بينهما، بل يمتدّ في التاريخ إلى أسبق من ذلك. ففي مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" حمل عنوان "إسرائيل والإمارات هما أفضل أصدقاء الشرق الأوسط الجدد" وترجمت أجزاءً منه صحيفة "القدس العربي"، أشارت الصحفية أنشال فوهرا، التي أعدت المقال، نقلاً عن مقاتلين في الجبهة الجنوبية من سوريا، أن "الإمارات ربما دعمت المصالح الإسرائيلية في مرحلة معينة من الحرب الأهلية السورية. وتَلقَّى أبو مرية، المقاتل من القنيطرة، الأسلحة من مركز العمليات العسكرية في الأردن الذي أدارته الولايات المتحدة وبريطانيا والإمارات العربية المتحدة والسعودية، و"طلب منه القيام بمهمتين: هزيمة الجهاديين، ونشر الكلام الطيب عن إسرائيل”.

وأضاف، حسب المقال: "كانت الإمارات تصدر تعليمات إلى قادة الفصائل في الجنوب لمديح إسرائيل أمام المدنيين". أما أحمد، المتطوع في الخوذ البيضاء الذي تدرب على الإسعافات الأولية في "ميدي ريسكيو فاونديشين" بعمان، فقد قال: "قدّمت الإمارات دعماً إنسانياً لنفس الجماعات التي دعمتها إسرائيل عبر الحدود، ولا شيء يحدث مصادفة هنا بالمنطقة". واستدرك قائلاً: "كان هناك دعم من أطراف أخرى، لكن القرى قرب الحدود (مع إسرائيل) تلقت الدعم بشكل كامل من الإمارات".

هذا ما تَكشَّف حتى الآن، ولا ندري على وجه الدقة ما الذي يجري خلف الأبواب المغلقة بين الجانبين، ولكن من المؤكد أن الإمارات قد نجحت حتى الآن في ترسيخ نموذج جديد لها في التطبيع مع إسرائيل، وهو نموذج لا يبدو أنه سوف يتوقف عند الحدود التي وصل إليها حتى الآن، ما لم تحدث متغيرات جوهرية في الإقليم تُجبِر جميع الأطراف على مراجعة حساباتها السابقة من جديد.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً