يرى كثيرٌ من المشتغلين في الحقل الثقافي أن عصرنا الحالي شهد أفول "النظرية النقدية" الأدبية، لصالح "القراءة الثقافية" للأدب.

بمعنى أن القراءة النوعية التي تتوسّل التعرّف على الخصائص الفنية للعمل الأدبي، وطريقة بناء بلاغة النص من استعارات وكنايات، وقراءة النص كمجموعة دوال فنيّة وأدبية بالدرجة الأساس. كل ذلك تراجع لصالح قراءة ما يعنيه النص الأدبي في السياق الاجتماعي والسياسي، وفي حقل الأفكار بشكل عام.

ومن دون التفصيل والغوص العميق في هذه الجزئية، يمكننا الإشارة المختصرة إلى تأثير تيارات ما بعد الحداثة، والدراسات الثقافية، التي من أعلامها البارزين الراحل إدوارد سعيد، الذي كانت رسالته للدكتوراه تطبيقاً عملياً لقراءة آليات الاستعمار وخطابه في رواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد في العام 1966.

التطبيقات العملية لقراءات كهذه تميل إلى التعامل مع العمل الأدبي كوثيقة اجتماعية سياسية ثقافية، وهي، بطبيعة الحال، قد تكون وثيقة مهمة بسبب جودتها الفنية، لكن "هذه القراءات الجديدة" لا تركّز على الجودة الفنية بقدر الرسائل المبطّنة سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

ثم إننا دخلنا عصر وسائل التواصل الاجتماعي، وعلو كعب الاستهلاك وصوت الفاعلين الاجتماعيين من خارج دائرة النخبة التقليدية التي كانت مسيطرة على عمليات صنع الخطاب في عقود سابقة، فصار كلّ فرد صانعاً للخطاب، له منصّة إنتاج ومستهلكون، ولم يعد الأمر محصوراً بأفراد قلائل من النخبة، اكتسبت سلطتها سابقاً من التعليم العالي والعمل النوعي.

في هذا الفضاء الجديد صار الضغط أكثر على العمل الأدبي لتحويله إلى مجرد وعاء لمضامين اجتماعية وسياسية وثقافية، وتراجع الانتباه إلى البناء الخاص للعمل الأدبي والفني، والطبيعة المجازية الأساسية له. كما إن هذا الجمهور العام صار صوته مسموعاً أكثر من ذي قبل، وصار يطالب بـ"الوضوح" و"المباشرة"، ويتأفف وينزعج من الغموض والتركيب، ويعطي ايحاءً للكتّاب الجدد بأن عصر المغامرات الأدبية قد انتهى، وما عليهم سوى أن يسايروا حاجة الجمهور العام للاستهلاك السريع، والغموض يعيق هذه الاستهلاك.

صار "القابل للاستهلاك جماهيرياً" يفرض نفسه كأولوية على صانعي الكتاب والمنتجات الإبداعية بشكل عام، ولم يأت هذا بمعزل عن المتغيرات الكبرى في السياسة والاقتصاد، فبعد أن كانت الدولة في العالم العربي راعية للمشروع التنويري، وتطرح نفسها كأداة للتحديث والتنوير، صار عصر الاستهلاك ما بعد الحداثي هو المتسيّد، وصارت صناعة الكتاب والموسيقى وغير ذلك خارج صلاحيات الدولة، ومتروكة للقطاع الخاص وقيم العرض والطلب في السوق، التي يحدّدها بطبيعة الحال حجم ونوع جمهور المستهلكين.

في واقع الحال صار حجم القراءة أكبر، ومبيعات الكتب أكثر، ولكن بنظرة قريبة فاحصة سنرى نوع هذه الكتب وما تصدّره من محتوى، وكيف أن الغلبة فيها هي للكتب التي تساير الوعي العام، ولا تصدمه بمحتواها، أو بطبيعة لغتها.

كان الكاتب العربي في عقود سابقة يرى نفسه جزءاً من ماكينة التحديث والتنوير، التي تسيطر عليها دولة مركزية بقبضة حديدية، تدفع المجتمع دفعاً باتجاه التحديث، أو هكذا تدّعي.

ومن آليات هذه المركزية في التحديث أن ثمة احتكاراً لصناعة الخطاب، فهناك قنوات تلفزيوية وإذاعية وصحف تسيطر عليها الدولة بشكل من الأشكال، هي المنصّات الوحيدة التي يتمرأى ويظهر عليها صانع الخطاب، وهناك حاجز حديدي ما بين صانع الخطاب وجمهور المستهلكين. وحتى يرتفع واحدٌ من المستهلكين إلى مرتبة صانع خطاب فإنه سيمر بمفازات وطرق وعرة كثيرة، ويكون ملزماً بالحصول على مباركة "النخبة المسيطرة" على صناعة الخطاب، حتى تعترف به واحداً منها.

كل هذا انتهى مع عصر الوسائط المرئية ومواقع التواصل الاجتماعي. ولم تعد "النخبة المسيطرة" قادرة على السيطرة فعلاً، هذا إن لم تتفتّت من جذورها، بسبب صعود الواقع الافتراضي وتحوّله الى واقع موازٍ ثقيل، وفي بعض الحالات، واقع أعلى من الواقع الفعلي. ما جعل النخبة السابقة تجتمع في الواقع الافتراضي أكثر من اجتماعها في المقاهي والنوادي وغرف تحرير الصحف، كما كانت في السابق. وهو اجتماع يزاحمهم فيه كل جمهور المستهلكين السابق، ولا يستطيعون الحفاظ فيه على خصوصيتهم أو "أعلويتهم" وتميّزهم.

في هذا الواقع الافتراضي المزاحم للواقع الفعلي يتعرّض الأدب وما يمكن أن نسميه "أعراف وأخلاقيات القراءة" إلى تغييرات عميقة. وما عادت النخبة السابقة قادرة على فعل شيء للوقوف في وجه هذه التغيّرات. ومنها ما نراه اليوم من كمّ هائل من المقتبسات المنتشرة في الإنترنت لكتّاب وفنانين وقادة عسكريين، الكثير منها ملفّق ومزيّف، ولكن الجمهور العام يتعامل معها كحقائق مسلّم بها.

انتشرت، مثلاً، قبل سنوات صورة لغاندي مع عبارة: لقد حطّمتكم بأخلاقي!

وهو تعبير ساخر عن حجم الحكم والمقولات المزيّفة المنسوبة لغاندي في مواقع الفيسبوك وتويتر. كذلك فإن من يجمع المقولات المنسوبة لهتلر سيظنّ أنه أمام حكيم يوناني وليس ديكتاتوراً دموياً خلّف الملايين من الضحايا.

صورة أخرى من صور الاستهلاك المشوّه هو "الاختزال". حيث تتحوّل العروض المختصرة عن الروايات والكتب إلى بديل عن هذه الروايات والكتب نفسها. فرغم الفائدة الكبيرة التي تقدمها هذه العروض للتعرّف على نوع الكتب المفضّلة، إلا أنها تختزل كثافة العمل الأدبي، وتعطي إيحاءً بأن هذه الملخّصات المختصرة هي جوهر الكتاب.

ومع زيف إمكانية أن تختزل كتاباً بفكرة، فإن جوهر القراءة باعتبارها "رحلة تعرّف" يجري التخلّي عنها لصالح الخلاصة.

شيء آخر يحصل في عالم الاستهلاك هو إعادة إنتاج صورة الكاتب وكتبه على وفق متطلبات الاستهلاك ومعايير ورغبات الفاعلين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يمثّلون نخبة جديدة هلامية لا رأس لها.

من أشهر الأمثلة على ذلك ما يتعرّض له كاتب كبير مثل غسّان كنفاني من اختزال وتشويه كبير، وتحوّله إلى مجرد "مغازل" لغادة السمّان، وانتشار مقتبسات من رسائل غرامية يوجهها غسّان إلى غادة.

لقد اختفت المجلدات الكبيرة لروايات وقصص ومقالات ودراسات غسّان كنفاني، التي هي من أهم المتون الأدبية والثقافية العربية، لصالح نصوص تافهة تمثّلها رسائل شخصية، لم يطلقها الكاتب للنشر بالأساس.

كذلك الأمر مع كافكا وديستويفسكي وغيرهما الكثير. وبدل أن تكون مواقع التواصل مفيدة في تحديد بوصلة للقارئ الجديد يتعرّف من خلالها على الكتب الجديدة، وعلى ما يراه جمهور القراء كتباً مهمة، تتحوّل الى منصّة بديلة عن رفوف الكتب نفسها.

إنهم يعرفون الكثير من الأسماء وعناوين الكتب، ويستطيعون الاقتباس منها، ولكن من دون أن يمسكوا بهذه الكتب فعلاً أو يتصفّحوها.

أسوأ ما يتعرّض له الأدب اليوم بسبب هذا "الواقع الجديد" هو أن القارئ العام يبحث عن صوت المؤلف داخل كتابه، وكأن الكتاب مجرد صفحة فيسبوك أخرى للمؤلف.

إن الكاتب يختفي خلف أقنعة شخصياته والعالم الخيالي الذي يصنعه من جذاذات العالم الواقعي. لكن القارئ ذا العقل المقولب على "ثقافة" مواقع التواصل الاجتماعي، يريد وجه المؤلف نفسه، كشخص، ويتبرّم من الوجه المجازي أو الاستعاري الذي ينسجه الكاتب من مصادر متعدّدة.

كل ما تقوله شخصيات الرواية ينسبها هذا القارئ العجول فاقد الصبر إلى لسان المؤلف.

ـ أنت قلت ذلك في روايتك..!
ـ لا.. لست أنا.. إنها الشخصية من قالت ذلك.
ـ نعم، ولكن الشخصية أنت ألفتها.. هذه أفكارك إذن..؟!
ـ لا.. هذه أفكار الشخصية.

هذا الحوار الافتراضي العقيم حصل لمرّات عديدة بين مؤلف وقارئ. وبسببه وبسبب العوامل الأخرى المذكورة في هذا المقال فإن الكاتب يجد نفسه مدفوعاً للسيطرة على "مقولة" الكتاب. أو ذلك السطر الذي يمكن أن يختزل روايته كلّها. فبدل أن يترك هذا الأمر لمغامرات القراءة غير مضمونة النتائج، يحرص الكاتب على "تلقين" مقولته بشكل واضح للقارئ، ويعطّل التأويلات المضادة التي يمكن أن تظهر عند القارئ بعد قراءة الرواية مثلاً.

كل ذلك يشكل واقعاً ضاغطاً يشبه حلبة ترويض طويلة النفس لمغامرة الكتابة، فكسب ودّ القارئ صار مقدّماً وسابقاً على فكرة "تغيير وعي القارئ".

لا يندرج كلّ الكتاب في هذا السياق طبعاً، وليس هو في جوهره خطيئة، فالرواية الحديثة منذ بداياتها كانت مرتبطة بجمهور المستهلكين، وبقاؤها وانتعاشها مرتبط بوجود مستهلكين أساساً، ولكننا ندفع اليوم دفعاً باتجاه التسطيح والمباشرة و"الكتابة الآمنة" التي لا تخدش قناعات القارئ ولا تزعزع شيئاً من أفكاره حول نفسه والعالم.

هناك كثير من الكتّاب من دون شكّ يقاومون هذا الواقع، أو يحاولون خلق توازنات ما بين أعراف القراءة الشعبوية والحاجات التعبيرية الخاصة وحسّ المغامرة في الكتابة. لكننا في كلّ الأحوال "نتكيّف" شئنا أم أبينا مع عصر الوسائط ومواقع التواصل، ولا نعرف ما أشكال التكيّف القادمة المفروضة على الكتابة الإبداعية مع التقدّم التقني، وكم سيخسر الكاتب من مغامرته الخاصة لصالح واقع جديد يفاجؤه في كلّ مرّة بمعطياته، ويجبره على إعادة النظر بالمسلّمات التي ينطلق منها. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي