المنتخب الألماني في أول مبارياته في مونديال قطر (Others)
تابعنا

انتظر العالم الحدث الكروي الأبرز بشغف، وما إن بدأ العدّ التنازلي لافتتاح مونديال قطر 2022 حتى تحرّكت في ألمانيا ودول أوروبية حملة مفاجئة نادت بمقاطعته بذرائع "قيمية" و"حقوقية"، وسعت إلى تسديد هجوم استعراضي ضدّه بحجج "أخلاقية".

برزت الحملة فجأة بعد أن تراخى المنخرطون فيها منذ فوز الدوحة عام 2010 باستضافة نهائيات كأس العالم وباشرت التهيُّؤ الدؤوب للحدث العالمي.

أعفت الحملة شركات ألمانية وأوروبية من النقد والمساءلة طوال تلك السنين، وقد تربّحت من أعمال الإنشاء والتطوير والتقنية والخدمات في قطر، وحظي بعضها بتعاقدات ضخمة في بلدان خليجية تسري فيها مواصفات متشابهة في ظروف التشغيل والثقافة الاجتماعية.

جِيءَ في منصّات إعلامية وحسابات شبكية ألمانية بمزاعم لاذعة متأخِّرة زمنياً ضدّ استضافة هذا المونديال تحديداً، مع الزهد في التحقُّق والتثبُّت، فتحدّث منخرطون في الحملة، مثلاً، عن عزمهم على مقاطعة "مونديال مُشترَى" بالمال! قِيلَ هذا في البلد الأوروبي الذي حوكمت قياداته الرياضية الأبرز، على رأسهم فرانس بيكنباور رئيس اتحاد الكرة الألماني السابق، بتهمة دفع رشى للاتحاد الدولي لكرة القدم لضمان استضافة مونديال 2006 في ألمانيا.

لا ينقطع العجب من بعض المواقف الألمانية، فمن جانب أظهرت وزيرة الداخلية نانسي فايزر غطرسة خلال ظهورها في مدرجات كأس العالم في الدوحة، بعد أن تَودَّد المستشار أولاف شولتز لقطر عندما زارها قبل أسابيع معدودة من افتتاح المونديال.

وأظهرت صور صحفية نائب المستشار وزير الاقتصاد روبرت هابك وهو يحني رأسه بإجلال فوق العادة عندما استقبله وزراء في الحكومة القطرية في مارس/آذار 2022.

سعت برلين منذ ذلك الحين في تدبير مصالحها الملحّة من إمدادات الغاز ولم تنطق بأي تحفُّظات متعلِّقة بـ"الحقوق" أو "التنوّع"، وغابت ألوان الطيف وشارات "الحُبّ" أيضاً.

تحرّكت حملة مقاطعة مونديال 2022 في ألمانيا على أساس مزاعم حقوقية و"جندرية"، فيما استمرّ النبذ السياسي والإعلامي لحملات مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي التي تتحرّك لنصرة الحقوق والعدالة. سجّل "البوندستاغ" سابقة برلمانية أوروبية عندما أدان في سنة 2019 نداءات مقاطعة الاحتلال بعد جلسة مزايدات طالبت بالتضييق عليها.

تلاحقت المواقف مع انطلاق الحدث الكروي الأبرز، فبعد أن ألزم المنتخب الألماني لاعبيه إظهار الاستنكار لرفض وضع شارة الألوان، أقدم هؤلاء على تغطية الفم في صورة المونديال التذكارية.

أثار هذا السلوك استهجان جماهير رأت فيه إهانة بالغة واعتبرته كناية عن عدم احترام ثقافة البلد المضيف وعالمه.

هوى رصيد "المانشافت" الجماهيري، وما إن خرج من دور المونديال الأوّل حتى كشفت خيْبته في الميدان عن بهجة جماهيرية بخسارته المدوِّية.

استدعى بعضهم حينها تصريحاً أوحى بالغطرسة، قال فيه هانز فليك مدرِّب "المانشفات"، إنّ المنتخب لن يحتفل بفوزه بكأس العالم في قطر إنْ ربح البطولة. ممّا يثير العجب أن فليك تَذرَّع بدوافع أخلاقية رغم أنه عندما كان مدرِّب بايرن مونيخ احتفل في الدوحة بفوزه بكأس العالم للأندية الذي أُقيمَ في قطر سنة 2020، دون إظهار تحفُّظات "حقوقية" أو اعتراضات "أخلاقية" حينها.

استنتجت الجماهير العربية أنّ الحملة حاولت إفساد الحدث الكروي العالمي الأوّل من نوعه لمجرَّد أنه يُقام في المنطقة العربية، فمزيج الذرائع التي سِيقَت ضدّ دولة عربية مسلمة قابل للاستدعاء الميسَّر في مواجهة عموم الخليج والدول العربية والإسلامية الأخرى.

وكما هي عادة المعارك المتذرِّعة بالقيَم، فإنّ بعض المبادئ والالتزامات يتساقط بلا اكتراث تحت عجلاتها، مثل أولوية الاحترام والوئام، والترحيب بالتعددية الثقافية في عالم متنوِّع، والدعوة إلى حماية الأسرة مثلاً، والمناداة بحوار إنساني يتجاوز المركزية الأوروبية-الغربية.

لكنّه المسلك المعهود مع القيم والمبادئ، إذ تُستعمَل انتقائياً كما حصل في مواسم سابقة من الاستقطاب والتسخين.

فبعد أن استُدعيَت "حرية التعبير" في أوروبا سنين عدداً لتسويغ خطاب الكراهية والازدراء الذي طارد المسلمين واستهدف مقدّساتهم، أظهرت جولة الملاعب استعمالاً جارفاً لقيَم "التنوّع" و"الحبّ" في مقام الإملاء القيمي وإظهار التعالي الأخلاقي، مع احتكار التأويل الخاص بهذه القيم في خدمة توجّهات محدّدة.

أقدمت مسؤولات أوروبيّات على سلوك استعراضي في المدرّجات وتنصّلن من اللباقة في تمثيل بلادهن أو منتخباتهنّ، فتصرّفن كناشطات شغب ميداني عندما أخفيْن الشارة المحظورة عند المدخل ثم استعرضنها فجأة في المدرجات.

تأججت هذه المواقف الحانقة ضد وجهة عربية مسلمة استضافت الحدث الضخم بدعوى شارة "الحُبّ"، لكنّ نزعات التحدِّي والمشاكسة والمقاطعة توارت حتى عن دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي استضافتها بكين في سنة المونديال ذاتها رغم سجلّها في مجال الحقوق.

ولم يكن منع الصين والجهة المنظمة إظهار عصبة الألوان وشاراتها باعثاً على إثارة زوابع رغم استماتة لوبي الألوان في محاولة إثبات حضوره، وهذا ما جرى من قبل مع أحداث رياضية أخرى منها مونديال روسيا سنة 2018 أيضاً الذي أقيم تحت مظلّة بوتين بعد أن قضم القرم.

بل إنّ ألمانيا ذاتها لم تنجح في إضاءة استاد ميونخ بألوان الطيف خلال مباراة منتخبَيْ ألمانيا والمجر في أثناء بطولة أمم أوروبا لعام 2021، ذلك أنّ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "ويفا" اعتبر طلب رئيس بلدية ميونخ هذا "خطوة سياسية" تتنافى مع معايير الاتحاد.

يحتجّ القوم بأنّ إبراز ألوان الطيف يعود إلى حرصهم على "التضامن" مع فئات معيَّنة، ويتجاهلون المسلك الترويجي المكرّس لرؤى أحادية ومذاهب اجتماعية لا يتوفّر لها إجماع إنساني أو توافق أممي. يجرّ هذا على أوروبا تساؤلات حرجة عن مدى الترحيب بالتضامن مع فئات وقضايا اجتماعية وإنسانية أخرى ملحّة.

لا تقوى حالة الانهماك في الوعظ القيمي على النظر النقدي في المرآة، ولا تحتمل الإقرار بقيود مفروضة على حرية التعبير حتى في ألمانيا، أو الإنصات إلى صيحات كالتي أطلقها الفنان الصيني العالمي آي ويوي في أغسطس/آب 2019 عندما أعلن أنّ "ألمانيا بلد منغلق" وتُنتهك فيها حرية التعبير بطرق غير ملحوظة ثمّ غادرها ساخطاً بعد أن كانت منفاه الاختياري.

رصدت بعض الأصوات الناقدة مدى الجموح والتناقض في مواقف النخب والجمهور في بلد تصدّر حملة مناهضة المونديال، كما جاء مثلاً في مقالة ألان بوسينير في صحيفة "دي فيلت" البرلينية (24 نوفمبر/تشرين الثاني 2022)، أو كما فعل كريم الجوهري، مراسل وسائل إعلام بارزة في المنطقة الناطقة بالألمانية، الذي واكب المونديال ونقض مزاعم ساذجة بشأنه.

وتَصدَّى محسوبون على المصالح الاقتصادية الألمانية لحمّى شيطنة قطر ومناهضة المونديال، كما فعل سيغمار غابرييل، الذي قدّم رؤية معاكسة لنهج المقاطعة واستهجن "الغطرسة الألمانية إزاء قطر".

وبعد أن انشغلت التقارير الإعلامية الألمانية بشعارات "التنوّع" و"حُبّ واحد"، اضطُرّت إلى رصد انقلاب الموجة صوب تضامن جماهيري جارف مع فلسطين عبر شارات ورموز وأعلام حاضرة بشكل غير مسبوق. ما كان لشارات التضامن مع الحقوق في فلسطين أن يُسمح بها حسب معايير "حرية التعبير" في بلدان أوروبية، كما اتّضح خلال مباراة ودية في فرنسا بين تونس والبرازيل يوم 27 سبتمبر/أيلول 2022، عندما تَدخَّل عناصر الأمن ونزعوا علم فلسطين بالقوّة من أيدي الجماهير.

من الواضح أنّ الحملة المضادة لمونديال 2022 استفزّت العالم العربي والإسلامي، واستنفرت تعبيرات الغطرسة والرعونة التي تخلّلتها أوساطاً عريضة من الجماهير والنخب رأت فيها محاولة أوروبية جديدة للإملاء الثقافي وفرض الوصاية الأخلاقية وإظهار الهيمنة القيمية على الأمم والمجتمعات بصفة فوقية متعالية، مع استبعاد أي فرصة للحوار متعدِّد الأطراف، أو الإنصات إلى الآخرين واحترام مرجعيّاتهم وثقافاتهم وتصوّراتهم في عالم متنوِّع.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي