تقترب الجزائر على مسافة شهر من أكثر المواعيد الانتخابية أهميّة في تاريخها المعاصر، ولا يزال الشارع الجزائري بنخبه منقسماً بين مؤيّد لها ومعارض.

ولكلّ فريق حججه التي تتحكّم في موقفه ذاك، والمبنية أساساً على تجارب سابقة أو سلوكات قائمة يُبديها صنّاع القرار الحاليون عبر مؤسّسات الدولة والقضاء، والإعلام خصوصاً.

إلا أنّ الأمر المثير للاستغراب بالنسبة إلينا هو تلك الأحكام الحاسمة النهائية التي تبديها النخب الجزائرية المثقفة -فضلاً عن الجماهير- تجاه صنّاع القرار الحاليين تأييداً أو معارضةً، فالمؤيّد يُبدي مواقف حاسمة بأنّ صنّاع القرار داخل المؤسّسة العسكرية يخوضون حرب تطهير طاحنة ضدّ الفساد الداخلي وأذرع العصابة من جهة، وضدّ التربّصات الخارجية بالأمن القومي للبلاد من جهة أخرى.

لذا فإنّ الذهاب إلى انتخابات الثاني عشر من ديسمبر المقبل يُعدّ تأييداً قويّاً لمساعي الإصلاح الجذرية التي تقودها المؤسّسة العسكرية على ضوء هذه الأوضاع الصعبة التي تشهدها البلاد.

في المقابل، يُظهر المعارض مواقف حاسمة أيضاً بأنّ صنّاع القرار الحاليين ما هم إلا امتداد للنظام السابق، ومِن ثَمَّ فإنّ هدفهم الأساسي لن يكون إلّا محاولة تجديد هذا النِّظام، واستبعاد القوى الديمقراطية والمدنية والاحتكار المستمرّ للسُّلْطة لصالح الفاعل العسكري. أمَّا بقية التفاصيل فهي في نظره مجرّد آلاعيب سلطوية تستهدف تخدير الشعب والالتفاف على مطالبه المشروعة التي رفعها منذ بداية الحراك على الأقلّ.

الإشكال هنا هو التالي: كيف يُمكن لهؤلاء المؤيّدين أو المعارضين أن يتبنّوا مواقف حاسمة كهذه وبهذه السهولة، والأكثرية الساحقة منهم لا تُدرك من يصنع القرار بالضبط؟ أو كيف يُصنع القرار داخل المؤسَّسة العسكرية؟ ومن الشخصيات الأكثر نفوذاً هناك؟ والأهمّ من ذلك كلّه، ما طبيعة القيم والأفكار والتصوّرات والمُدرَكات وحتّى المصالح التي تتحكّم في سلوكات هؤلاء والتي يُمكن البناء عليها ليكون الموقف سليماً، والتنبؤ بنيات وسلوكات هؤلاء ممكنا في المستقبل المنظور؟

هذا ما يمكن التعبير عنه بجحيم النيات المجهولة.

في ستينيات القرن الماضي نشر الباحث الأمريكيّ غراهم أليسون كتابه الأشهر"نماذج مفاهيمية وأزمة الصواريخ الكوبية"، الذي يُعَدّ أكثر المراجع الكلاسيكية أهميَّة في معرفة الكيفية التي يُصنع بها القرار داخل النظم السياسية، لا سيما ما يتعلّق بالسياسة الخارجية للدول، إذ يُقدَّم في هذا الصدد ثلاثة نماذج أساسية،يركّز أحدها (نموذج السياسة الحكومية) على الدور الفاعل الذي تلعبه القيادة والذي يتطلّب بالضرورة معرفة القيم، والآيديولوجيا، والتصوّرات، والمصالح، والمُدرَكات والأفكار التي تؤمن بها نخب هذه القيادة والتي تتحكّم لا محالة في سلوكاتها وقراراتها النهائية، والتي قد تكون بالمناسبة قيماً وتصوّرات متباينة، بل ومتنافسة في كثير من الأحيان.

وما دامت الدولة الجزائرية منذ الاستقلال ارتبطت في سلوكاتها أو تطوُّرها بعنصر القيادة لا المؤسّسات والبيروقراطيات الراسخة، فإنّنا نرى في هذا النموذج قدرة كبيرة على الإجابة عن المستقبل الذي ينتظر الجزائر ما بعد 12 ديسمبر المقبل.

لكن المشكلة تكمن هنا في المحدودية الضيقة جدّاً للوصول إلى هذه القيادة، ومعرفة أكثر أفرادها تأثيراً، وتَعرُّف أفكارها وتصوُّراتها حول الكيفية التي ينبغي التعامل بها مع المشكلات الداخلية أو طبيعة مُدرَكاتها لثنائية الصديق والعدو على المستوى الخارجي، وذلك نظراً إلى ميزة النِّظام الجزائري المغلق على نفسه بإحكام، الأمر الذي يجعل من إمكانية الحكم على نيات المؤسّسة العسكرية بحسم كما يفعل أغلب المؤيدين أو المعارضين الآن شيئاً غاية في الصعوبة، بل والسذاجة أحياناً.

يلجأ كلّ من المؤيّدين والمعارضين في تحديد مواقفهم تجاه ما يريده صنّاع القرار إلى الحاضر المتمثّل في مجموعة السلوكات الحالية التي يُظهِرها هؤلاء، على الأقل منذ سقوط بوتفليقة، أو إلى مختبر التاريخ الذي يعرض جملة السلوكات والمواقف التي تبنّتها المؤسّسة العسكرية خلال السنوات الماضية، إلا أنّ الحاضر والتاريخ لا يقدّمان في نظرنا إجابات قطعية عن المستقبل أبداً، ما لم يتمكّن المؤيّد أو المعارض من معرفة الطريقة التي تفكّر بها نخب القيادة كما وضحنا قبل قليل.

فضلاً عن أنّ كثيراً من الجزائريين يستندون إلى تصرّفات آنيَّة لصنّاع القرار مرتبطة بظروف داخلية وأخرى خارجية قائمة كعلامات تجعلهم يطلقون حكماً حاسماً بأنّ النِّظام القائم ما هو إلا امتدادٌ لسلفه، متجاهلين مسألة جوهرية هي التغيّرات الطارئة على مستوى "عالَم أفكار" النخب المسيطرة داخل القيادة العسكرية.

فبحكم عامل البيولوجيا على الأقل فإنّ النخب التي ستلعب دوراً فاعلاً داخل المؤسّسة العسكرية خلال السنوات القليلة القادمة ستكون منتميةً إلى جيل غير الجيل القديم الذي شهد الثورة الجزائرية أو المرحلة التي أعقبتها. فضبّاط كثيرون من الجيل الحديث سيعرفون ترقيات عسكرية عالية المستوى تمكّنهم من المساهمة في صنع القرار الجزائري بعد سبع سنوات على أكثر تقدير، بمعنى أن القيادة ستعرف لا محالة نُخَباً جديدة تحمل تصوُّرات ومُدرَكات وقيماً متقاربة جدّاً مع القيم التي يؤمن بيها أغلبية جيل الشباب الذي يملأ الساحات الجزائرية رافعاً مطالب الحرية والازدهار.

بل وحتّى على مستوى "السياسة العليا" من المرجَّح أن تعرف السياسة الخارجية والأمنية الجزائرية تَغيُّرات لافتة في طريقة تعاطيها مع القضايا الإقليمية والدولية، بل وفي طبيعة نظرتها إلى مكانة الجزائر بين الأمم أيضاً. تَغيُّراتٌ من شأنها أن تتماشى مع متطلّبات العصر التي يُدركها جيّداً جيل شباب اليوم أكثر من الأجيال القديمة المهترئة التي لا تزال حبيسة مقاربات كلاسيكية جدّاً تنتمي إلى حقبة الحرب الباردة في إدارة الدولة داخليّاً وخارجيّاً.

إنّ إطلاق الأحكام السريعة والحاسمة بخصوص الأهداف التي يريدها صنّاع القرار الحاليون أمرٌ بحاجة إلى مراجعةٍ وتَأَنٍّ أو على الأقلّ إلى تأجيل الحسم فيها بعد عامين من "الانتخابات المريضة" المقبلة، فالنيات تبقى غاضمة، بل وقابلة للتغيُّر، في نظام لا نعرف كيف يفكّر فاعلوه المركزيون.

إنّها دعوة إلى المتخصّصين لبذل مزيد من الجهد في تَقَصِّي "عالَم أفكار" نخب القيادة ودراسة التغيُّرات التي عرفتها هذه القيادة منذ الاستقلال، وكيف أثّرت هذه التغيُّرات على طبيعة النِّظام السياسي وسلوكات فواعله.

كما أنّها دعوة إلى القيادة الحالية لأنّ تكسر بعضاً من الحواجز بينها وبين الدارسين الجزائريين على الأقلّ حتّى تتجنّب جحيم النيات المجهولة ومعضلة سوء الإدراك والتقدير التي يقع فيها الجميع، وقد تتسبّب في القضاء على روابط الثقة بين الحاكم والمحكوم نهائيّاً، وهي الروابط الأساسية التي من شأنها أن تبني دولاً قويَّة أو تُسقِط أنظمة وتخرِّب مجتمعات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي.

المصدر: TRT عربي