صور من احتفال المقدسيين بانتصارهم على قوات أمن الاحتلال عند باب العامود في مدنية القدس المحتلة  (Ahmad Gharabli/AFP)

إن ما جرى يؤكد من جديد أن القدس هي لبّ الصراع، وهي أهم ساحة للمواجهة المباشرة مع العدو،خصوصاً بعد أن وقفت السلطة الفلسطينية في الضفة سداً منيعاً أمام التحام الجماهير مع الاحتلال أو مقاومته والتصدي لمخططاته.

وكشفت القدس الفجوة بين الممكن الفلسطيني والواقع المتردي المَعيش في الضفة، في ظل استمرار قطاع غزة في تأدية دور مهم في الصراع مع الكيان.

وفي المجمل أكدت الهبّة، كما غيرها من الهبّات السابقة، قدرة الإنسان الفلسطيني على مواجهة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة بين يديه، وأنه لا تنقصه الإرادة اللازمة لذلك ما دام لم يُحل بينه وبين الاحتلالكما يجري في الضفة، الأمر الذي يستدعي العمل على تغيير دور السلطة، أو الاتفاق الوطني على تجاوزه وتجريم التعاون الأمني باعتباره عائقاً أمام تحقيق التطلعات الوطنية بالاستقلال والتحرير.

أبدع فلسطينيو القدس في ابتكار الوسائل والأساليب في مواجهة المحتل وقطعان مستوطنيه، وذلك من الصفعات والركلات والمواجهات المباشرة مع قوات الاحتلال، مروراً بالطعن بالسكين والدهس بالسيارات وصولاً إلى استخدام الأسلحة النارية. فإذا كانت هذه وسائل عامة الشعب في المقاومة، فإن المواجهة ستكون أكثر فاعلية مع تدخل التنظيمات وإطلاق مقاومة مسلحة يحسب لها الاحتلال ألف حساب.

وباتت بوصلة أهل القدس واضحة ضد التهويد والاستيطان، بالاشتباك مع جنود الاحتلال ومستوطنيه ومحاولة وقف مخططاته أو فرملتها.

ومع عشرات مقاطع الفيديو الواردة من أرضنا في القدس نستطيع التأكيد أن هناك روحاً جديدة تدب في صفوف شعبنا،تعبّر عنها الجرأة غير المحدودة في التصدي للمستوطنين والاحتلال، والتي تقف وراءها همّة عالية وجاهزية كبيرة لأبناء شعبنا الفلسطيني في مواجهة القوة الاحتلالية الغاشمة. فهذا الشعب لا تنقصه القوة ولا الشجاعة والإقدام في التصدي للمحتلين.

كما تكشف وتؤكد من جديد هشاشة الاحتلال وضعفه أمام شعب مصرّ على استعادة حقوقه المنهوبة.

لقد انقلب السحر على الساحر، فأصبح الفلسطيني يطارد ويلاحق المستوطنين وجنود الاحتلال بالضرب واللطم، وبإحراق سياراتهم والتصدي لهم في الشوارع والساحات، لدرجة دفعت المحتلين إلى اللجوء إلى الحوار مع المتظاهرين ومحاولة إقناعهم لتهدئة الوضع.

ومن المرجح أن تستمر هذه المواجهات كموجات متلاحقة وصولاً إلى الحشد الأكبر للمستوطنين في رأس العامود في 28 رمضان.

كان الجدال الفلسطيني يتركز حول مشاركة أهل القدس في الانتخابات وليس أي شيء آخر، في ظل الأجواء التي خلقها المسار المثير للجدل للفصائل الفلسطينية، فجاءت هبة رأس العامود لتذكّر الجميع بما نسوه أو تناسوه أن الأولوية الفلسطينية هي لمواجهة الاحتلال وتداعياته على الأرض وسعيه الحثيث لتهويد القدس، وليس استجداء العدو للسماح لأهلها بالانتخاب!

الضفة في القلب

من زاوية أخرى، فإن محورية القدس في الصراع على المستويات الفلسطينية والإسلامية والدولية، تعزز أهمية السعي لإدامتها وجعلها حراكاً شعبياً دائماً ضد الاحتلال لا مجرد هبّات زمنية.

ولا بد للفلسطينيين من استثمار هذه المحورية لتشكيل غطاء مهم لتحركات شعبية وانتفاضية في الضفة الغربية، وإشراك قطاع غزة ضمن هذه المعادلة، بما يشكل ضغطاً حقيقياً ومركّباً على الاحتلال ويفرمل مخططاته على الأرض الفلسطينية.

ويجب أن لا ينسى أحد أن صفقة القرن مطبّقة على الأرض من خلال مشروع الضم والتطبيع بين دول عربية والكيان، وأن تفعيل المواجهات في القدس وبقية الأراضي الفلسطينية هو الاستراتيجية الأكثر فعالية في إحباط وإضعاف أثر هذه المخططات.

ونذكر في هذا السياق أنه منذ الاتفاق على ما يُسمَّى "المقاومة الشعبية" والعمل ضد صفقة القرن وخطة الضم، لم نر شيئاً على أرض الواقع أمام الانشغال بالانتخابات الفلسطينية وما أفرزته مؤخراً من خلاف حول آلية التعامل مع رفض الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس.

جرت في الضفة مسيرات سلمية للتضامن مع القدس، وشهدت بعض مناطقها اشتباكات مع جنود الاحتلال، وليس منّة من السلطة أن تسمح بها أو أن يُقال إن أجواء الانتخابات سمحت بذلك، فهذا هو الجهد المطلوب للتوحد مع القدس (وليس مجرد التضامن). ذلك أن رفع سوية الصراع يتم بالمواجهة الشعبية المباشرة مع العدو، فهي وحدها القادرة على رفع كلفة الاحتلال وتشجيع المقدسيين للاستمرار في التصدي له، وتهيئة الأجواء لانتفاضة جديدة عنوانها القدس.

ولا شك أن غزة شاركت وتشارك في مقاومة الاحتلال، وهي تشكل الظهير الأقوى للعمل الشعبي في الضفة والقدس، وذلك بصرف النظر عن حجم وشكل الدعم الذي يمكن أن تقدمه، وما إذا شمل ذلك ردوداً عسكرية أم لا.

انقسام الانتخابات وحتمية المقاومة

قبيل الهبّة كان هناك من يسعى لوقف الانتخابات بذريعة عدم تكريس الاحتلال لها، فيما هو بالأساس قد يكون متخوفاً من نتائجها ومآلاتها، في المقابل كان هناك من يصر على إجرائها ومقارعة الاحتلال إذا حاول تعطيلها لتعزيز مبدأ المقاومة الشعبية الذي لم يطبق على الأرض أبداً.

وكان هناك طرف ثالث يريد الاستمرار فيها وفرض الانتخابات بوسائل سلمية مختلفة في القدس.

إلا أن تحرك أهل القدس قلب الأولويات، وضيّق الخيارات على الفلسطينيين، وأعاد البوصلة إلى اتجاهها الصحيح. ولكن العبرة تظل في مدى تأثير ذلك على توجهات الانتخابات القائمة.

وربما تكون الهبّة خدمت عباس في توجهه المحتمل إلى إلغاء الانتخابات، ولكن من المحتمل أيضاً أن يتم استيعاب ما يجري من خلال موافقة إسرائيل على شكل من أشكال إشراك المقدسيين في الانتخابات. غير أن احتدام الصراع في المدينة مع استمرار محاولات تهويدها وفرض الإجراءات فيها، سيضع الجميع على المحك في الطريق الأمثل للتعامل مع الاحتلال.

والانتخابات عموماً لا يمكن أن تساهم في تصعيد الصراع مع العدو، بل ستشغل الساحة الفلسطينية بمكاسبها ومغانمها، كما أنها لن تساهم في إنهاء الانقسام، بل ستعززه وترسخه، ولن تكون هي المدخل لشرعية المقاومة والانتفاضة كما يأمل البعض أو يتمنى.

وإذا كان من درس تعلمناه من هبّة القدس فإنه لا يمكن إجراء انتخابات حقيقية تحت الاحتلال، وأنها ليست المدخل لحل الانقسام (القوى انقسمت حول التعامل مع رفض الاحتلال الانتخابات في القدس).

وفي المجمل أرسلت هبّة القدس رسالة واضحة للفصائل، فإمَّا أن تتحرك على كل الأرض الفلسطينية وتتخلص من عجزها أو انشغالها بالانتخابات، وإمّا أنها ستتحول إلى مجرد ظاهرة صوتية تكتفي ببرلمان وحكومة تحت هيمنة الاحتلال دون أن يكون لها قدرة حقيقية على مواجهة الاحتلال في الميدان.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي