أحد صواريخ المقاومة الفلسطينية الموجه نحو إسرائيل رداً على اعتداءتها على المصلين في المسجد الأقصى المبارك  (Jack Guez/AFP)

على مدى أيام شهر رمضان المبارك نجح المقدسيون في صد التمدد الصهيوني في القدس، والذي أطلقته صفقة القرن.

فكان النجاح الأول في باب العامود حينما تراجع الاحتلال تحت ضغط صمود أهل القدس وتحديهم بأجسادهم العارية لمحاولات إغلاق الساحة عليهم تمهيداً لفتحها للمستوطنين، ثم بعد ذلك أفشلوا احتفال المتشددين بمناسبة ما يسمونه توحيد القدس، واضطرت الشرطة الإسرائيلية إلى إلغاء الاحتفال مخافة تفجر مواجهات عنيفة على أبواب الأقصى.

وحتى إن اقتحام ساحات ومصليات الأقصى، ورغم ما أسفر عنه من إصابات في صفوف الفلسطينيين، فإن الاحتلال عاد وتراجع عنه أمام صمود المقدسيين وتوافد الآلاف من الضفة وأراضي الـ48 دعماً لصمودهم.

واضطر الاحتلال كذلك إلى تأجيل النظر في قضية إخلاء المنازل الفلسطينية في حي الشيخ جرّاح لنفس التخوفات السابقة، في جملة من التنازلات فرضها صمود وتحدي أبناء بيت المقدس.

إلا أن الاحتلال الماكر، وفي ظل أطماع نتنياهو بالحكومة متحالفاً مع زمرة متشددين متطرفين، لا يزال يستبيح ساحات ومصليات الأقصى ويستمر في محاولات إخلاء منازل الشيخ جرّاح وتسليمها للمستوطنين، الأمر الذي استدعى تدخلاً جراحياً ومدروساً من المقاومة في غزة، لتوصيل رسالة إلى الاحتلال (وقد وصلت بالصواريخ) بأنه لن يسمح له بالاستفراد بأهل مدينة القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

وقد يصف البعض ما فعلته مقاومة غزة بأنه انتحار أو انسياق عاطفي للأحداث، ولكنه بالمقاييس الوطنية والسياسية أبعد ما يكون عن ذلك، فهو يؤكد أن المعادلة تغيرت منذ اللحظة التي دكت فيها الصواريخ مدينة القدس رداً على جرائم الاحتلال في المدينة.

جنود قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء اقتحامهم لباحات المسجد الأقصى  (AA)

فمن الآن فصاعداً، فإن الرسالة البليغة التي أرسلتها المقاومة للاحتلال هي أن استهدافه لأي فلسطيني في أي بقعة من الأرض الفلسطينية، سيعرضه لردود فعل قوية من كل الأراضي الفلسطينية، ولن يتمكن الكيان من الاستفراد بغزة أو بالقدس أو بالضفة كما كان يفعل في السابق.

لقد خطت المقاومة مرحلة جديدة ومهمة في الصراع مع الكيان، تجعل من الأراضي الفلسطينية وحدة واحدة لا تتجزأ، تتكامل في قوتها بعضها مع بعض ليس فقط في مقاومة الاحتلال وإنما أيضاً في آمال شعبنا وتطلعاته ونهجه ونضاله الوطني، وهذا يشكل مدخلاً مهماً لانطلاق انتفاضة فلسطينية ثالثة تشكل حاضنة حقيقية للمقاومة.

وقد وجه ذلك ضربة حقيقية لكل الجهود التي بذلها الاحتلال في السابق لتقسيم وتفتيت الأراضي الفلسطينية، والاستفراد بكل جزء منها على حدة تسهيلاً لمخطط الهيمنة والسيطرة.

إعادة ترتيب الأولويات

إن ما جرى ويجري من هبات القدس وتفاعل غزة معها والمقاومة في الضفة يستدعي تحركاً يعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية، ويستجمع القوة التي أبرزتها هذه الأحداث.

ولا بد أن يرتكز هذا التحرك على محورية وأولوية المقاومة في مواجهة الاحتلال، بما يتطلب تجاوز سلطة هيمنت على القرار الفلسطيني ورهنت نفسها للاحتلال، وحاربت أي تحرك للمقاومة الفلسطينية لفك الارتهان له تحت حجة أن هذه الأفعال تضرب المشروع الوطني الفلسطيني، الذي تآكل على يديها وتحول إلى عملية استجداء مذلة للاحتلال أغرته بالمزيد من قضم حقوق الشعب الفلسطيني، وأغرت دولاً عربية لفتح باب التطبيع مع الكيان.

إن ما جرى يؤكد عبثية التعويل على الانتخابات لإنهاء الانقسام وإنجاز شراكة وطنية تكون مقدمة للاتفاق على برنامج وطني مشترك قائم على المقاومة الشعبية، وإنهاء ذيول الانقسام وفك الحصار عن غزة.

فقد وأد عباس تجربة الانتخابات في مهدها، مظهراً عدم الجدية في تطبيق ديمقراطية حقيقية تؤدي إلى مشاركة سياسية في السلطة أو تنافس حقيقي على الرئاسة، ويؤكد ذلك عدم صواب التعويل عليه وجعله مرجعاً لمراسيم الانتخابات وللقضايا التي تم تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات التشريعية.

كما أظهر ذلك أن رجالات السلطة التي وجِدت مع اتفاق أوسلو وكرست نفسها لخدمة الاحتلال وارتبط مصيرها به، لا يمكن أن تتخلى عن مكاسبها أو تقبل الشراكة مع آخرين في مكاسب هذه السلطة!

كان بإمكان السلطة أن تتكامل مع الموقف الشعبي في القدس، وتصر على الانتخابات في القدس وتحدي الاحتلال، غير أنها أبت إلا أن تستمر في نهجها المتساوق مع الاحتلال ضاربة عرض الحائط بمطالب الشعب والقوى والقوائم الانتخابية مجتمعة.

البرنامج السياسي أولاً

ولا مناص للفلسطينيين، في ضوء ما أفرزته الأحداث الأخيرة، من الالتقاء على برنامج سياسي يحدد مسار النضال الوطني وآلياته في ظل عظم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.

إذ تأكد من جديد أن أي مسار لا يسبقه اتفاق وطني على برنامج سياسي لا يمكنه النجاح والتقدم في ظل التباين الكبير بين برنامجين سياسيين، أحدهما يتبنى المقاومة والآخر يصر على المفاوضات والتسوية طريقاً وحيداً للحصول على الحقوق من الاحتلال.

لم يقبل عباس ولا رجاله حتى بالتعايش مع المقاومة واعتبارها عاملاً مساعداً لإنجاز تسوية سياسية قد تحقق الحد الأدنى من تطلعات الفلسطينيين. حصل هذا التعايش لمرحلة محدودة عام 2000 عندما لم يتمكن الرئيس الراحل ياسر عرفات من تحصيل الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية من الاحتلال عبر المفاوضات التي وصلت إلى طريق مسدود في كامب ديفيد، فأطلق يد الانتفاضة والمقاومة للضغط على الكيان، فكانت النتيجة محاصرته في 2002 واغتياله في 2004.

ولذلك فإن البديل الأفضل للفلسطينيين هو التوصل إلى برنامج سياسي بين القوى الفلسطينية التي تقبل بالمقاومة بمعناها الواسع بما في ذلك المسلحة.

وبالإضافة إلى الطيف الواسع من القوى الفلسطينية التي يمكن أن تشارك في التشكيل الوطني الجديد، فقد أفرزت الانتخابات الفلسطينية انقسامات في حركة فتح، تدفع إلى الأمل في إمكانية انضمام بعض القوائم أو الشخصيات، ومنها تلك المنشقة عن حركة فتح، إلى برنامج سياسي قائم على الثوابت وعلى رأسها المقاومة.

وربما يشكل ذلك قوة للتشكيل الوطني الجديد الذي سيعمل بمعزل عن السلطة والتيار المرتبط بعباس في حركة فتح، مع تجنب الدخول معهما في معركة أو تحدٍّ، وترك قضية تمثيل الشعب الفلسطيني لمرحلة لاحقة.

دمج الشتات

ومن أبرز ما ينبغي الاتفاق عليه في التحرك الفلسطيني المشترك هو دمج الشتات في التركيبة السياسية الفلسطينية المستقبلية، لاستكمال الإنجاز الذي تحقق في هبة القدس وتفاعل غزة والضفة معها. وسيؤدي ذلك إلى تجاوز اتفاق أوسلو الذي وضع قضية اللاجئين الوطنية على الرف.

وربما كان الاتفاق على أولوية إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني بالانتخابات حيثما أمكن والتعيين في المناطق التي تتعذر فيها الانتخابات، هو أحد أهم الأولويات لذلك بدلاً من إضاعة الوقت في انتخابات تحت سقف أوسلو لم ولن تنجح في توحيد الشعب الفلسطيني.

المرحلة القادمة ستكون حساسة ومصيرية، فما يجري في القدس تحديداً يشكل بؤرة وبذرة لنضال فلسطيني متجدد لم يتوقف يوماً ما، وهو نضال إن قُدّر له الاستمرار والتجذر سيمسح عار مرحلة أوسلو بكل ما جرته من ويلات على القضية الفلسطينية.

كما أن هذا النضال سيبدد أوهام الاحتلال بإنجاز عملية تطبيع شاملة مع الدول العربية، معتقداً أنه أجهز على قضية الشعب الفلسطيني وعزلها عن محيطها العربي، في ظل انحطاط بعض الأنظمة العربية التي ستجد أنها أصبحت معزولة وغير قادرة على إتمام ما بدأت به من خيانات.

TRT عربي