إن الدعم التركي لحكومة شرعية يمثلها السراج، كان بمثابة رسائل إلى جهات متعددة ومختلفة الموقف من الصراع الليبي، فالدعم التركي الذي سحق قوات حفتر المنتمية للثورة المضادة أراد أن يقول لكل الأطراف المتدخلة بالشأن الليبي، إن تركيا دولة ذات رؤية استراتيجية.

الأمر يتعلق بميزان قوى على الأرض، وقبل تحقيق رجحان هذا الميزان لمصلحة ثورات الربيع العربي، ينبغي إدراك أن هذه الثورات لم تحدث في مناطق خارج مجال التجاذب الدولي، وخارج اصطفافات قوى محلية، وإقليمية، ودولية، ولهذا يمكن قراءة ما يحدث في ليبيا في هذه المرحلة ضمن هذا السياق.

إن ثورات الربيع العربي لو قيّض لها أن تنجز برامجها في التغيير والتنمية البشرية والاقتصادية، كانت ستغيّر بدون شك موازين القوى على الصعيد الاقتصادي والسياسي في عموم المنطقة العربية، ولهذا انبرت حكومات وأنظمة سياسية عربية، متحالفة مع قوى دولية، على تخريبها بأكثر من وسيلة وطريقة.

ولعل الدعم العسكري وغير العسكري، الذي قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة، ونظام عبد الفتاح السيسي، لحليفهما على الأرض اللواء المتقاعد خليفة حفتر، يمثّل تصميم الأنظمة العربية المعادية لثورات الربيع العربي على إجهاض هذه الثورات.

إن ثورات الربيع العربي لو قيّض لها أن تنجز برامجها في التغيير والتنمية البشرية والاقتصادية، كانت ستغيّر بدون شك موازين القوى على الصعيد الاقتصادي والسياسي في عموم المنطقة العربية.

أسامة محمود آغي

 وبالتالي فإن المستهدف القريب هو الثورات بذاتها، والمستهدف البعيد هو المشروع النهضوي التركي الحديث، الذي يقلق أنظمة تقف بوجه تنمية المنطقة العربية، وتنمية شعوبها، من أجل ألا يشكّل أنموذجاً صالحاً تهتدي به الشعوب العربية.

إن التنسيق بين حكومة الوفاق الوطني، التي يقودها فايز السراج، وهي حكومة معترف بها دولياً، مع الحكومة التركية، هو تنسيق يندرج في هذا المسعى الاستراتيجي، فسقوط الثورة الليبية في معقلها طرابلس سيخدم بالضرورة استراتيجية قوى الثورة المضادة، التي يمثلها اللواء حفتر الحالم بإعادة بناء ديكتاتورية جديدة، تشكّل حلقة أخرى من حلقات صدّ الربيع العربي.

وفق هذه الرؤية، يمكن فهم النتائج، التي حدثت مؤخراً في ليبيا كوقائع على الأرض، حيث استطاع الدعم التركي لوجستياً وعسكرياً تغيير معادلة حصار طرابلس إلى هزيمة ملموسة واندحار صريح لقوات حفتر وداعميه من الإمارات ونظام السيسي وغيرهما.

يمكن في هذا السياق، القول إن الدعم التركي لحكومة شرعية يمثلها فايز السراج، كان بمثابة رسائل إلى جهات متعددة ومختلفة الموقف من الصراع الليبي، فالدعم التركي الذي سحق قوات حفتر المنتمية للثورة المضادة للربيع العربي، أراد أن يقول لكل الأطراف المتدخلة بالشأن الليبي، إن تركيا دولة ذات رؤية استراتيجية مشتقة من برنامجها التنموي الكبير، وهي لن تسمح بإجهاض الثورة الليبية، لأن ذلك يضرّ بمستقبل تنميتها وعلاقتها بمحيطها الحيوي، وليبيا إحدى ركائز هذا المجال الحيوي الاستراتيجي.

ولكن على المستوى السياسي، يمكن القول إن تركيا بعد دعمها لحكومة الوفاق الوطني، وقدرة هذه الحكومة على إلحاق الهزيمة بقوات حفتر وطردها من قاعدة الوطية ومطار طرابلس الدولي، إضافة إلى إعادة سيطرتها على مدن ترهونة وبني الوليد وكل مدن الغرب الليبي، باتت تمتلك مفاتيح حل الصراع في هذا البلد، وإن هذا الحل الذي يثبّت شرعية حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، سيمنع مشروع الثورة المضادة الذي مثّله اللواء حفتر من الحياة مجدداً.

الانتصارات العسكرية لحكومة الوفاق، قادت قواتها إلى مشارف مدينة سرت، وهذا يعني انهيار قوات حفتر، وبالتالي انهيار مشروع ثورته المضادة لربيع ليبيا الثوري، هذا الانهيار قلب طاولة ميزان القوى العسكري لمصلحة الحكومة الشرعية، وهو أمر دفع بالقوى الدولية المنخرطة بالصراع الليبي إلى محاولة التقاط الأنفاس، للعمل من جديد لأجل كسر النجاحات العسكرية.

لقد وجدت روسيا نفسها بمواجهة عسكرية لا تعمل لمصلحتها في ليبيا، وهذا يعني فشلها في استعادة موقعها السابق الذي خسرته بسقوط نظام معمر القذافي، مما دفعها لمحاولة إيجاد تفاهمات مع تركيا لم تتبلور بعد بصيغة سياسية تخدم الشعب الليبي وثورته.

إن هزيمة اللواء خليفة حفتر تعني ببساطة هزيمة مشروع إجهاض التغيير والتنمية، وهذه الهزيمة في حال اكتمالها على مساحة ليبيا، ستفتح الباب باتجاه هزائم أخرى في بلدان عربية.

أسامة محمود آغي

نتائج معارك طرابلس وامتدادها نحو معاقل حفتر الأخيرة في الشرق الليبي، دفع نظام عبد الفتاح السيسي إلى إطلاق مبادرة غايتها إنقاذ حفتر من الهزيمة النهائية، حيث أعلن السيسي خلال مؤتمر صحفي في القاهرة، جمعه مع عقيلة صالح رئيس برلمان طبرق، ومع اللواء خليفة حفتر، "أن اتفاق القاهرة يهدف إلى ضمان تمثيل عادل لأقاليم ليبيا الثلاثة كافة، في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة، وإلزام كافة الجهات الأجنبية بإخراج المرتزقة الأجانب من الأراضي الليبية كافة، وتفكيك المليشيات وتسليم أسلحتها".

هذه المبادرة لا تعني جدية في الموقف المصري المساند والداعم عسكرياً وسياسياً لحفتر، بل تعني محاولة التقاط الأنفاس لمعاودة الهجوم مجدداً على طرابلس وإسقاط حكومة الوفاق الوطني.

هزائم حفتر أرعبت حكومة الإمارات، فهذه الدويلة كانت تريد استثمار جهدها الداعم لحفتر بإجهاض الثورة الليبية، لسببين واضحين، أولهما منع الشعب الليبي من تشكيل دولة ذات سيادة وبناء وطني ديمقراطي تداولي السلطة، تحت حجة أن حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً تمارس الإرهاب، وتشكل خطراً على المنطقة العربية.

وثاني الأسباب أن حكومة الإمارات يهمها السيطرة على ثروات الليبيين عبر استثمارها العسكري بدعم حفتر بالأسلحة والخبراء وحتى بالأموال.

إن هزيمة اللواء خليفة حفتر تعني ببساطة هزيمة مشروع إجهاض التغيير والتنمية، وهذه الهزيمة في حال اكتمالها على مساحة ليبيا، ستفتح الباب باتجاه هزائم أخرى في بلدان عربية، تشهد ثورات مضادة مدعومة من الأنظمة العربية المعادية لتطور بلدانها وتحرر شعوبها، كالحلقة السورية، والحلقة اليمنية.

سقوط مشروع حفتر في ليبيا يعني ببساطة سقوط حلقة أساسية من حلقات الثورات المضادة للربيع العربي، وهذا السقوط يعني بالمعنى الاستراتيجي خسارة جهد وقوة من جانب الثورات المضادة، وكسب جولة مهمة من جولات الصراع لصالح ثورات الربيع العربي.

لقد نظرت الإمارات وفرنسا ومصر وروسيا وهم (داعمو حفتر) إلى انتصارات جيش حكومة الوفاق في طرابلس نظرة المتيقن من أن هزيمة حفتر في محيط طرابلس وانتقال المعارك إلى سرت يعني انحسار مشروعهم في السيطرة على ليبيا وتقاسم النفوذ فيما بينهم، ولعل إعلان الولايات المتحدة تأييدها للموقف التركي، أسقط بيد هذه الدول، عدم قدرتها على تجديد محاولتها في تبديد انتصارات حكومة الوفاق المدعومة تركيّاً.

بقي أن نقول إن التهديد الذي ستحدثه انتصارات حكومة الوفاق، يتمثل بأمل لدى قوى التغيير في مصر، وهذا وحده يشكّل رعباً لدى نظام السيسي وداعميه الإماراتيين، مما يعني بدء زمن التغيير في العالم العربي.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي