تابعنا
تستغني فنون التنصّت اليوم عن صحيفة مثقوبة يتوارى وجه المُخبِر خلفها، أو عن استراق السمع عبر الحائط أو باستعمال وصلة مثبّتة على خط هاتف تقليدي أو عن زرع كاميرا مراقبة في حجرة، فالسلطات المحسوبة على ديمقراطيات الحاضر تمارس ما هو أوسع من ذلك باحتراف.

ينتصب مبنى كبير لا تخطئه العين على رأس شارع نورمانن شتراسه في برلين، يحتوي فنون مراقبة من زمن الأنظمة الأوروبية الشمولية. إنه "متحف شتازي" المقام في المقرّ التابع لوزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية، الذي يُتيح لزائريه معاينة أدوات التلصّص والتنصّت المعتمدة في ذلك الوقت، لكنّها تثير التندُّر اليوم.

لو أن تلك الأنظمة البائدة عمّرت إلى يومنا لاستغنت عن تلك الوسائل العتيقة باللجوء إلى خيارات رقمية غير مرئية تفتح الشهية السلطوية لتعقّب المواطنين. كان سيتعيّن على تلك الأنظمة أن تردع مواطنيها بالطبع عن توظيف أجهزتهم المحمولة في رصد ما تفعله السلطة ذاتها وأن تمنعهم من نشر ممارساتها وانتهاكاتها على الملأ.

تستغنى فنون التلصّص والتنصّت اليوم عن صحيفة مثقوبة يتوارى وجه المُخبِر خلفها، أو عن استراق السمع عبر الحائط أو باستعمال وصلة مثبّتة على خط هاتف تقليدي أو عن زرع كاميرا مراقبة في حجرة، فالسلطات المحسوبة على ديمقراطيات الحاضر ذاتها تمارس ما هو أوسع من ذلك باحتراف في أوروبا ذاتها، وتطمع بمزيد من الصلاحيات في هذا الاتجاه من دون أن تُعدَم الحجج والمبرِّرات، وإن ظلّت التطبيقات محصورة في أوساط مَن تشتبه بهم حسب ما هو مُعلَن.

تشهد أوروبا تطورات مهمة في هذا الشأن. فقد ضغطت بعض سلطاتها خلال السنوات الماضية لانتزاع مزيد من الصلاحيات لصالح الشرطة والمخابرات، كي لا تكون فضاءات التواصل الخاصة بين المواطنين عقبة دونها. ثمّ جرى تتويج هذا المسعى بمقررات أصدرها اجتماع وزراء الداخلية الأوروبيين في 14 ديسمبر/كانون الأول 2020 لمنح السلطات في دول الاتحاد صلاحية فكّ ترميز تطبيقات التواصل المرمّزة، على الرغم من انتقادات الشركات والمختصين والمجتمع المدني.

يَسْهُل على المواطنين في ظلّ الخوف أن يتنازلوا عن أقساط من حرياتهم الشخصية ومكتسبات من خصوصياتهم المحميّة. فما كان بالوسع اقتحام عقبة كبرى كهذه على المستوى الأوروبي لولا استثمار السلطات في أجواء القلق الأمني بعد اعتداءات جرت في فرنسا والنمسا وألمانيا، فقادت بعض الحكومات هذه المطالب على المستوى الأوروبي.

تجد السلطات في المبرِّرات الأمنية ما يمنحها جرأة غير مسبوقة على الدفع باتجاه سنّ قوانين واتخاذ إجراءات قد تتسبّب في انتهاك الخصوصيات أو تقييد حريات المواطنين، مع تجاوز فرص النقاش المجتمعي المتوازن في هذا الشأن الحسّاس.

أفصحت النزعة السلطوية عن ذاتها في حالات أخرى موضعية، منها مشروع "قانون الأمن الشامل" الذي أثار سخطاً عارماً في فرنسا بخريف 2020، بخاصة بشأن ما ورد في مادته 24 التي تنتهك حرية الصحافة وتُضيِّق على الجمهور في التوثيق المصوّر.

اقترحت المادة في أصلها تقييداً لنشر صور ضبّاط الشرطة أثناء عملهم، وفرض عقوبة سجن لمدة سنة وغرامة مقدارها 45 ألف يورو على من ينشر صور ضابط شرطة أو درك يتبيّن معها وجهه أو أي علامة تعريفية عنه. أشعل مشروع القانون جدلاً في فرنسا التي اهتزّت من بعد على واقعة اعتداء وحشي نفّذه عناصر من الشرطة على المنتج الموسيقي الأسمر ميشال زيكلير في باريس، ولولا كاميرات المراقبة في المكان ونشر التسجيل المصوّر لما استطاعت الصحافة كشف سلوك الشرطة ومدى تلفيق عناصرها في ملف الواقعة المفزعة.

لهذه التطوّرات أواصر وثيقة مع موسم كورونا المديد الذي أكسب النزعة السلطوية في أوروبا والعالم ثقة زائدة بالنفس على ما يبدو. فسلوك الحكومات التحكّمي بتصرّفات الجمهور -حسب مقتضيات الجائحة- ساهم في ترويض أذهان المواطنين وتكييف استجاباتهم مع أوامر مركزية تقتضي توسيع صلاحيات الشرطة وعناصر المراقبة في تعقّب السلوك الفردي والجماعي في هذا الشأن وإيقاع المخالفات على غير المنضبطين بالتعليمات. يُلاحظ هنا مثلاً ما أوردته تقارير عن أنّ ذريعة تعقُّب المنتج الموسيقي زيكلير ثم الاعتداء عليه ارتبطت في البدء بعدم ارتداء كمامة.

قرّرت الحكومات مدوّنات سلوك اجتماعي في زمن الجائحة، شملت الإغلاقات ومنع التجمّعات واللقاءات وحظر التجوال وفرض الكمامات وغير ذلك، وتعيّن على أجهزة تطبيق القانون بالتالي أن تتخلّل الجمهور وتراقبه للتحقّق من الانضباط وردع المخالفين. إنها خبرة مستجدة بالنسبة إلى جمهور الديمقراطيات الأوروبية في تلقِّي التعليمات الفوقية التي تفرض قيوداً صارمة حتى على اجتماع الأقارب والأصدقاء في مواسم الأعياد، وقد حفّز هذا المنحى حالات تمرّد جماهيري شهدتها بعض الدول الأوروبية على "تعليمات كورونا"، كما تجلى في مظاهرات ألمانية غفيرة.

يحفِّز موسم كورونا شغف النزعة السلطوية من وجوه أخرى أيضاً. فتعليمات "التباعد الاجتماعي" وتعطيل مرافق الاجتماع والحياة الجامعية والنقابية من شأنها إضعاف قدرات الجماهير والمجتمع المدني على التواصل البيني والاعتراض والاحتشاد، وهذا لا يخدم التوازن الاعتيادي بين الحكومات والشعوب في المحصِّلة. كما أدّى الضغط على موارد المجتمعات إلى مخاوف محقّة بشأن ضمان تمويل المنظمات المدنية والحقوقية والمبادرات المستقلة التي يُفترَض بها أن تتعقّب السياسات بالملاحظة والنقد. ويواجه بعض الناقدين في الحياة الثقافية والفنية والأدبية صعوبات معيشية غير مسبوقة مع تعطُّل موارد أرزاقهم بسبب أزمة هذه القطاعات والخسائر التي لحقت بالمشتغلين منهم بالأعمال الثقافية الحرّة أيضاً.

فوق هذا كلِّه يتضاءل الاكتراث نسبياً بشواغل الحريات وحماية الخصوصية، مع هيمنة الأولويات الصحية والاقتصادية في موسم كورونا من جانب وتضخُّم الهواجس الأمنية في بعض الدول من جانب آخر التي تُستعمَل بمهارة لتمرير مشروعات قوانين ما كانت لتحظى بفرص نجاح في ظروف سابقة، علاوة على فرض ما يشبه إجراءات طوارئ أحياناً كما تجلّى في الحالة الفرنسية.

لا ينبغي للشهية الرقابية المفتوحة أن تتجاهل الاحتمالات المتزايدة لصعود أقصى اليمين إلى الحكومات الأوروبية بما قد يضع هذه الصلاحيات بين يديه. وقد تولّى حقائب الداخلية في بلدان أوروبية معيّنة مثل إيطاليا والنمسا شخصيات من أقصى اليمين بالفعل خلال السنوات الأخيرة، علاوة على صدور مواقف متشنِّجة عن صقور وزارة الداخلية الفرنسية في السنوات الأخيرة في الشأن الإسلامي بصفة خاصة، وهو ما يعبِّر عنه الوزير الحالي جيرالد دارمانان بالأحرى. وإن كان على أجهزة الأمن أن تتعقّب المواطنين بوسائل متعددة فإن هذه الأجهزة ذاتها ليست بمنأى عن اختراقات من قد يتلاعبون ببياناتها، ومثل هذا لم تنجُ منه مؤسسات أمريكية كبرى. ووثّقت تقارير ألمانية رسمية في صيف 2020 وجود شبكات لليمين المتطرف داخل السلطات الأمنية في الجمهورية الاتحادية بعد أن أشارت إلى ذلك تقارير إعلامية متعددة عبر سنين.

قد تتساهل الشعوب مع التوسّع في صلاحيات الرقابة عندما يقع تبريرها بضرورات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، لكنّ مفعول اتساع الصلاحيات هذا يسري في التطبيق على المواطنين عموماً بدرجة أو بأخرى من خلال انتفاء حماية الخصوصية على الأقل وقدرة موظفي الحكومة على الوصول إلى مراقبة السلوك الشبكي والتواصلي لأي فرد في المجتمع وبأثر رجعي أيضاً.

مما يُغري بالتساهل أن يُحسَب أنّ بعض الخطوات التشريعية والتنفيذية المثيرة للجدل إنما تستهدف فئات هامشية أو أقليات معيّنة، كما يجري مع المسلمين في بعض الدول الأوروبية مثلاً، على الرغم من أنها في الواقع قد تنتقص من التزامات مقررة بموجب القيم الدستورية والمبادئ العامة، إنْ وقع المساس خلال ذلك بالحريات الشخصية والمساواة وتكافؤ الفرص.


جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً