الرئيس الأمريكي جو بايدن يعود إلى واشنطن من مطار سينسيناتي / شمال كنتاكي الدولي (Jonathan Ernst/Reuters)

فقد وُقّع الاتفاق في سبتمبر/أيلول 2020 بين إسرائيل ودولتين الإمارات والولايات المتحدة، مؤذناً ببداية مسار جديد من التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية. وكان من المفترض أن يقوم الموقعون على الاتفاق بتمويل الصندوق، إلى جانب بعض الدول الأخرى التي كان من المفترض أن تنضم لاحقاً، وذلك من أجل تمويل مشاريع اقتصادية كان يُرجى لها أن تمنح الاتفاق جانباً مغرياً للانضمام في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعانيها دول المنطقة.

يأتي هذا التجميد لصندوق تمويل اتفاق أبراهام ضمن خطوات متلاحقة لإدارة الرئيس بايدن لوقف مسار السلام في الشرق الأوسط ضمن رؤية الرئيس السابق دونالد ترمب وصهره جاريد كوشنر. فوزارة الخارجية الأمريكية لم تسمِّ الاتفاق باسمه، وإنما استعاضت عنه بمصطلح "اتفاقيات التطبيع" في الشرق الأوسط، كما لم تعين إدارة بايدين بديلاً من الحاخام أرييه لايتستون الذي كان يرأس الصندوق منذ بداية إطلاقه، إذ استقال في شهر يناير/كانون الثاني، أي بعيد خروج ترمب من البيت الأبيض، وأخيراً وليس آخراً محاولة إدارة الرئيس بايدن إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، وهو ما استثار حفيظة إسرائيل وخصوصاً التيار اليميني المتطرف فيها.

مع تجميد الذراع الاقتصادية لاتفاق أبراهام يكون الاتفاق قد دخل في حالة موت سريري، خصوصاً أن الجانب العسكري منه كان قد أصابه الشلل سابقاً مع فشل الناتو العربي-الإسرائيلي، في الوقت الذي يترنح فيه جانبه الدبلوماسي، فبعد كل من المغرب والسودان لم تدخل أي دول عربية في الاتفاق حتى الآن، هذا فضلاً عن أن العلاقة بين الموقّعين لا تجري على أحسن حال، ففي حماسة رجال الأعمال الإماراتيين، على سبيل المثال، ضمور واضح في الانخراط في أعمال تجارية مع نظرائهم الإسرائيليين.

جريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب (يسار) مع الحاخام أرييه لايتستون الذي ترأس صندوق اتفاق إبرهام (Others)

في السابق سعى مهندسو اتفاق أبراهام لأن يكون اتفاقهم محاولة منهم لإعادة تجربة حدثت في السابق بُعيد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة. في تلك الفترة كانت الولايات المتحدة بحاجة ماسَّة إلى استراتيجية شاملة لمنع تمدد الاتحاد السوفييتي، ومنع سقوط مزيد من الدول في الفلك الشيوعي، خصوصاً دول أوروبا الغربية. ومن هنا انبثقت استراتيجية الاحتواء في بعديها، العسكري متمثلاً بتشكيل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والاقتصادي متمثلاً بمشروع مارشال الذي هدف إلى إعادة عجلة الاقتصاد إلى دول أوروبا الغربية التي دمرتها الحرب، من أجل منع الأحزاب الشيوعية من استغلال حاجة الناس وبالتالي التوجه إلى أحضان المعسكر الاشتراكي الذي كان يعِدُهم بالمن والسلوى في ذلك الوقت.

نجحت استراتيجية الاحتواء في عديد من الاختبارات الجوهرية التي واجهتها، ففي غضون أقلّ من عشرين سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية، كان اقتصاد دول غرب أوروبا في قمة اقتصادات العالم، وقد شكّل النموذج الألماني استثناء تُضرب به الأمثال. أما الناتو، فقد استطاع عبر التدخل العسكري المباشر منع تمدُّد الجيش الأحمر، ليس في غرب أوروبا وحسب، بل أيضاً في دول شرق آسيا من خلال حرب كوريا التي منعت الجزيرة أن تكون لقمة سائغة في يد الشيوعيين.

على غرار هذا النموذج كان مهندسو اتفاق أبراهام يسيرون مع تغير اللاعبين وظروفهم بطبيعة الحال. فهذه المرة لم يكن الاتحاد السوفييتي من تحتاج الولايات المتحدة إلى احتوائه، بل إيران، ولذلك راج هناك الكثير من التسريبات عن عزم إدارة الرئيس دونالد ترمب تشكيل تحالف شبيه بالناتو من دول شرق أوسطية لوضع حد للنفوذ الإيراني في المنطقة، يتضمن إسرائيل ودول الخليج على رأسهم السعودية ومصر والأردن.

في السياق ذاته كان صندوق أبراهام. وهو محاولة لنسخ تجربة مشروع مارشال من خلال ضخّ مئات الملايين في اقتصاديات دول المنطقة من أجل تدوير عجلة الاقتصاد فيها ومنعها من السقوط لُقمَة سهلة في أحضان الدول المناوئة، على رأسها إيران التي باتت تتمتع بنفوذ اقتصادي كبير في كل من سوريا والعراق ولبنان. هذا فضلاً عن محاولة وضع حد للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عبر النافذة الاقتصادية من خلال بثّ وعود بحياة رغيدة للفلسطينيين في حال قبلوا بالاتفاق واستسلموا للأمر الواقع الذي تحاول إسرائيل فرضه هذه المرة بقوة الدولار وليس الـF-16.

فشل اتفاق أبراهام، أو هو في طريقة للفشل، في حين نجحت استراتيجية الاحتواء. ويأتي هذا الفشل جراء العديد من الأسباب الموضوعية، ولكن أبرزها هو أن هذا الاتفاق لم يكن مدعوماً بإجماع من قبل دوائر صنع القرار في واشنطن على عكس استراتيجية الاحتواء التي بقيت على مدار أكثر من سبعين سنة السياسة الرئيسية وربما الوحيدة في تعامل الإدارات الأمريكية مع الاتحاد السوفييتي.

لا يحتاج الواحد منا إلى عميق انتباه لكي يلحظ غياب عنصر الإجماع عن اتفاق أبراهام، فهناك إلغاء صندوق التمويل من ناحية، وعودة الرئيس بايدن إلى فكرة حلّ الدولتين كأساس لعملية السلام في المنطقة لا السلام الاقتصادي كما كانت تريد الإدارة السابقة، وعودة العلاقة مع الفلسطينيين من خلال إعادة فتح ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن من ناحية أخرى.

ولكن الأكثر أهمية من كل ذلك هو أن سياسة إدارة بايدن تجاه إيران بدأت تأخذ شكلاً مغايراً عما كانت عليه إدارة الرئيس ترمب، فقد أعادت واشنطن التفاوض المباشر مع إيران حول مشروعها النووي، وأزالت أي شروط مسبقة، وأبدت استعدادها للعودة إلى الاتفاق النووي السابق في حال التزمت إيران مقتضيات الاتفاق، وقامت باتخاذ إجراءات كافية لبناء الثقة.

ليس هذا وحسب، بل قامت السعودية بإسقاط الفيتو عن عودة الاتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، وهو الأمر الذي وضع إسرائيل في زاوية حرجة، ودفع الكثير من المحللين إلى اعتبار إسرائيل في موضع فقدت فيه أوراق القوة لديها للضغط والتأثير في مجريات الحوار مع الإيرانيين في فيينا.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي