مواطن فلسطيني يلوح بالعلم الفلسطيني في وجه أحد الجنود الإسرائيليين (Hazem Bader/AFP)

كتب دافيد بن غوريون، أوّل رئيس وزراء إسرائيلي، في مذكراته: "في كل هجوم يجب إيقاع ضربة حاسمة تؤدي إلى هدم البيوت وطرد السكان". ويذكر يئير لبيد عضو الكنيست عن حزب "هناك مستقبل" ورئيس الوزراء المُكلَّف، أن "الحد الأقصى من اليهود على الحد الأقصى من الأرض مع أقصى قدر من الأمن والحد الأدنى من الفلسطينيين".

لقد قامت الصهيونية ولا تزال على هدفين: الاستيلاء على الأرض بالقوة وهذا تحقق بالقوة العسكرية، بدءاً من عام 1948 حتى عام 1967. وإنهاء الوجود الفلسطيني البشري عبر التطهير العرقي كما جرى عام 1948 وجزئياً عام 1967 وحتى يومنا هذا بدعاوى كثيرة ومتعددة منها "أمن إسرائيل" والحفاظ على "يهودية الدولة".

ومن منطلق الدفاع عن النفس، قامت الصهيونية في فلسطين، وتحت ستار وجود أمة يهودية ودولة يهودية يتم تطبيق نظام استعماري-استيطاني يحتلّ بطبيعته السكان الأصليين (الفلسطينيين) ويسعي بحكم طبيعته تلك لمحو وجودهم وثقافتهم الأصلية بدءاً من الفصل العنصري باعتباره وسيلة لذلك، وصولاً إلى الإبادة الجماعية، كما يفعلون منذ عام 1948 حتى انتفاضة القدس 2021، إذ يسعون بالقوة لطرد السكان من بيوتهم.

برز الحديث مجدداً عن إمكانيات المقاومة في إحباط عمليات تجسس وتَعَرُّف الخطط الإسرائيلية لاستهداف الفصائل ومحاولة منعها (AA)

قال الصحفي والكاتب البريطاني جوناثان كوك في صحيفة الميدل إيست آي: "إن الاحتلال الإسرائيلي خسر معركة إخفاء صفته كنظام فصل عنصري"، فمنذ 13 أبريل/نيسان الماضي حتى ليلة وقف إطلاق النار من جانب واحد فجر يوم 21 مايو/آيار 2021، تفجرت الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جراء اعتداءات "وحشية" ترتكبها شرطة إسرائيل ومستوطنوها في مدينة القدس المحتلة، بخاصة المسجد الأقصى وحيّ الشيخ جراح، في محاولة لإخلاء 12 منزلاً فلسطينياً وتسليمها لمستوطنين.

وزادت جرائم قوات الاحتلال في العاشر من مايو/آيار الماضي بدعوى "حق الدفاع عن النفس" بشنّ عدوان بالمقاتلات والمدافع على الفلسطينيين في قطاع غزة أسفر عن استشهاد 232 فلسطينياً، بينهم 65 طفلاً، و39 سيدة، و17 مسنّاً.

ليس ما حدث في فلسطين هذه الأيام من الانتفاضة الشعبية في القدس وداخل الخط الأخضر وفي غزة وليد اللحظة، فقبل انفجار الوضع كانت منظمة بيتسليم الإسرائيلية في تقريرها الأخير في أبريل/نيسان الماضي لخّصت الوضع بالقول إن "مواصفات نظام الفصل العنصري تحققت بعد الأخذ بالاعتبار مجموع السياسات التي انتهجتها إسرائيل والقوانين التي سنّتها لكي تكرّس هيمنتها على الفلسطينيين".

ما حدث ولا يزال منذ اتفاقيات التسوية بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال، جعل الحركة الصهيونية تعاني معضلة كبيرة بالهدفين الرئيسيين، وهما الاستيلاء على الأرض بالقوة العسكرية، وإنهاء الوجود الفلسطيني البشري عبر التطهير العرقي كما يجري منذ تأسيس الكيان الصهيوني بأشكال وأنماط متعددة. هذا بجانب عديد من الإشكاليات التي تواجه الدولة العبرية نفسها، منها على سبيل المثال تآكل المنظومة المجتمعية داخلها، وزيادة عدد النازحين إلى خارج إسرائيل التي تقارب 700 ألف إسرائيلي عادوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العقد الحالي، وفقاً للوكالة اليهودية التي رأت صعوبة إقناعهم بالعودة، لذا وضعت خطة طارئة في أكتوبر/تشرين الأول 2019 لإعادتهم.

وعلى الرغم من اعتماد قانون يهودية الدولة في عام 2018، فإن دولة الاحتلال فشلت في وضع نظرية الإجماع الوطني وتحديد ماهية الدولة اليهودية، ففي وثيقة هيئة السكان والهجرة التابعة لوزارة الداخلية الإسرائيلية التي نُشرت في يديعوت أحرنوت في عام 2019، أفادت الهيئة بأن من بين 180 ألف مهاجر إلى إسرائيل عام 2012 وحصلوا على جنسيتها، 14% فقط يحملون الديانة اليهودية.

لا يقتصر الأمر على القوانين الداخلية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة العبرية ولا على السياسات العنصرية والإجراءات الاستحواذية على الأرض التي تشكّل معالم لانهيار الصهيونية وبالتالي انتهاء دولة الاحتلال، بل في العمل على تعديلات العلاقات الدولية ومنها إعادة تعريف "إسرائيل" في الأمم المتحدة، وابتزاز الدول الغربية وشعوبها تحت ذريعة معاداة السامية.

يرفض الشعب الفلسطيني في كل مناطق فلسطين التاريخية منذ عام 1948 حتى يومنا هذا ترك أرضه، ورغم موجات الهجرة الممنهجة لليهود إلى أرض فلسطين فإن عدد الفلسطينيين على كامل أرض فلسطين التاريخية يتجاوز عدد اليهود الإسرائيليين بزيادة تقدر بـ166 ألف فلسطيني، أي بنسبة 56% للشعب الفلسطيني مقابل 44% للسكان اليهود.

ورغم محاولات دولة الاحتلال بكل الطرق استمرارها في سياسات التطهير العرقي، لا عن طريق الإبادة الجماعية الواسعة كما تريد ولكن عبر احتواء العنصر الديموغرافي كفصل غزة عن الضفة، واحتواء الفلسطينيين في الداخل بـ"أسرلتهم"، واحتواء الضفة الغربية من خلال الحكم الذاتي الهزيل تحت السيطرة "الإسرائيلية"، كل تلك الأشكال أفشلتها انتفاضة القدس الحالية.

فالقدس ملتحمة بغزة، والضفة تكمل غزة في نضالها، وفلسطينيو الداخل يلتحمون بفلسطين التاريخية، وأعلنت الانتفاضة الحالية سقوط خيارات التسوية وخيار الدولتين الذي فُرض على الفلسطينيين منذ التسعينيات وثبت فشله عمليّاً.

لم تعُد في آخر النفق شمعة، لأنَّ النفق صار مضاءً بالصدور العارية التي تتجاوَزُ الخطوط الحمر كلها، فالفلسطينيون أعلنوا اليوم أن لا حل إلا بعودة "فلسطين"، ولا يوجد أمام الحركة الصهيونية للخروج من مأزقها ومعضلتها، ليست الأخلاقية فحسب بل القانونية، إلا واحد من حلّين: إما أن تُنهي احتلالها بشكل فوري وتلبي حقوق الشعب الفلسطيني بالداخل فوراً، وإما أن تكون على كل أرض فلسطين دولة واحدة ديمقراطية، للفلسطينيين فيها كل حقوقهم، مع إسقاط كل عناصر النظام العنصري الإسرائيلي.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي