تشارك تركيا في عدد من الاشتباكات العسكرية في المنطقة، ويتساءل عديدون حول ما إذا كان اقتصادها قادراً على مواصلة هذا النشاط.

الخارجية التركية
الخارجية التركية (AA)

أثارت السياسة الخارجية النشطة لتركيا في الشرق الأوسط والقوقاز جدالاً بشأن ما إذا كانت سياساتها مستدامة. وسلط عديد من النقاد الضوء على انخفاض قيمة الليرة التركية، والانتكاسة الاقتصادية بسبب فيروس كورونا، وادعاءات بأن المشاركات العسكرية لتركيا ليست مستدامة.

وادعى آخرون أن الاقتصاد لن يردع تركيا عن السعي وراء أهدافها الجيوسياسية ومصالحها الوطنية، لكنهم يجادلون بأنه على المدى المتوسط، سوف يصير الاقتصاد الثقلَ الذي يبطئ خطى تركيا. ومع ذلك، جميعهم مخطئون. إذ إن المشاركة العسكرية التركية في سوريا والعراق وليبيا، ومساعدة تركيا لأذربيجان، لا تشكل عبئاً اقتصادياً بالنسبة لتركيا.

ابتداءً من الصراع الحديث في أذربيجان، يأتي دعم تركيا لأذربيجان بلا كلفة اقتصادية تتكبدها أنقرة. فالدعم التركي لأذربيجان في أرض المعركة مقصورٌ على مبيعات الأسلحة، وأبرزها الطائرة المسيرة بيرقدار تي بي 2 تركية الصنع.

وبالحديث من منظور اقتصادي، استفادت تركيا من دعمها لأذربيجان. فقد صارت أذربيجان مورّد الغاز الرئيسي إلى تركيا، وصارت الحدود بين تركيا وأرمينيا مغلقة بسبب احتلال أرمينيا أراضي أذربيجان.

أما على صعيد الصراع الليبي، كان النهج التركي ناجحاً وناجعاً من حيث التكلفة. وبينما دفع داعمو أمير الحرب خليفة حفتر مبالغ ضخمة من المال وأمدوه بعديد من أنظمة التسليح المتطورة، كانت تركيا أكثر فعالية من ذلك. نظراً إلى أن الديناميكيات الاجتماعية في ليبيا لم تكن في صالح حفتر، اضطر مؤيدوه لزيادة الدعم بالتبعية. وبدلاً من حرق الأموال مثلما يحدث مع الإمارات، تحقق تركيا الكثير مقابل عطاء أقل بكثير. وبهذه الطريقة، تعد الحالة الليبية مثالاً نموذجياً على العمل بذكاء واستهلاك موارد أقل.

بينما كانت تكلفة استدعاء المرتزقة الروس والأوروبيون باهظة، لم يكن المرتزقة السودانيون والتشاديون مكلفين بنفس القدر، لكنهم كانوا أقل خبرة وعانوا من انخفاض الروح المعنوية. والسوريون الذين جلبهم الروس للقتال في صف أمير الحرب، لم يكونوا مفيدين للغاية لأنهم لم يمتلكوا أي حافز للقتال.

اقرأ أيضاً:
مشاريع شرق أوسطية قيد الصراع والتشكل.. من يربح المستقبل؟

على الجانب الآخر، امتلك السوريون الذين يقاتلون مع قوات الحكومة الليبية حافزاً وروحاً معنوية، نظراً إلى أنهم يقاتلون عدواً مشتركاً، بجانب أنهم كانوا من بين أعتى المقاتلين المتمرسين في القتال في العالم. يرى هؤلاء أن ليبيا قضية في إطار الربيع العربي الأكبر، ويرون أن الليبيين إخوانهم في الكفاح ضد ديكتاتور آخر مثل الديكتاتور السوري.

يضاف إلى هذا أن الدول التي تدعم حفتر، وأبرزها روسيا والإمارات، ينظر إليها كذلك على أنها من أعداء الشعب السوري.

علاوة على أن شراء الحكومة الليبية طائرات بيرقدار تي بي 2 وأنظمة التسليح التركية الأخرى، ولّد فائضاً اقتصادياً لتركيا. مع الوضع في الحسبان أن تركيا حصلت على صفقات اقتصادية مربحة في ليبيا، مما حقق لها انتصارات جيوسياسية شديدة الأهمية، وأنقذ الحكومة الشرعية في ليبيا -حليفتها- وبذلك سنجد أن المشاركة العسكرية التركية في ليبيا كانت انتصاراً اقتصادياً لتركيا.

استمراراً مع العمليات العسكرية التركية في سورياً، نجحت تركيا إجمالاً في الحد من تكاليف العمليات. إذ إن العمليات العسكرية المشتركة مع الجيش الوطني السوري لم تمهد الطريق أمام الانتصارات التركية فحسب، بل خفضت التكاليف كذلك بدرجة هائلة.

ومع أن تقديم المساعدات إلى السكان في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة يحمل بعض التكاليف، فإنه أقل كلفة من استضافتهم لاجئين داخل تركيا. إضافة إلى أن هذه العمليات خفضت التكاليف التي تسببها العمليات الإرهابية في تركيا. في الماضي، عانى الشعب التركي والاقتصاد التركي أكثر بكثير من الهجمات الإرهابية التي ينفذها تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وحزب PKK الإرهابي.

برغم أن العمليات التركية في العراق يمكن أن تُرى مكلفة للوهلة الأولى، بمقارنتها بعمليات مكافحة الإرهاب على مدى الـ40 عاماً الماضي، سنجد أنها ليست كذلك. في الماضي، كانت تركيا تتعامل مع حزب العمال الكردستاني داخل حدودها، لكن القتال يستعر الآن في الجبال الواقعة شمال العراق وتملك تركيا دعم قوات البيشمركة الكردية. يبدو هذا النهج مختلفاً بشكل ملحوظ، وأكثر نجاعة، وذا كلفة اقتصادية أقل.

بالإضافة إلى أن تركيا بينما كان عليها في الماضي أن تنفذ ضربات جوية مكلفة بطائرات F-16، صارت هذه المهمة توكل جزئياً إلى الطائرات المسيرة المسلحة. يُنظر إلى القتال ضد حزب العمال الكردستاني على أنها مسألة مستمرة في السياسات الأمنية لتركيا، ولكن بفضل الطائرات المسيرة المسلحة والنجاح العسكري في السنوات الأخيرة، انخفضت كلفة عمليات مكافحة الإرهاب انخفاضاً شديداً.

لتلخيص الأمر، أثبت النهج التركي أنه مستدام وناجع من حيث التكلفة. وعلى عكس ما يحدث مع خصوم تركيا، أنفقت تركيا إنفاقاً أقل وجنت الكثير. ولا سيما إذا قارن المرء الدمار الذي حدث في اليمن والكلفة الاقتصادية الضخمة للعمليات العسكرية مقابل تحقيق انتصارات قليلة. لذا ما هو سر هذه الطريقة ناجعة التكلفة؟

يتجسد الجواب المختصر في الدعم الشعبي والصناعة العسكرية المحلية القوية.

كانت العمليات العسكرية التركية دائماً تحظى بدعم شعبي في الدول الأجنبية المحددة. عندما تعلق الأمر بليبيا، كانت الحكومة الليبية مدعومة من الأمم المتحدة.

في سوريا، يتمتع الجيش الوطني السوري والحكومة السورية المؤقتة بدعم الشعب السوري وليس لديهم نقص في الطاقات البشرية. في العراق، تعمل تركيا مع الحكومة الكردية الإقليمية المنتخبة ديمقراطياً ضد حزب العمال الكردستاني الإرهابي.

في أذربيجان، تقاتل أذربيجان لتحرير أراضيها المعترف بها دولياً من الاحتلال. إذ إن الوقوف على الجانب الصحيح من التاريخ يتيح لتركيا كسب حلفاء محليين بكل إصرار.

ثانياً، تعد الصناعة العسكرية المحلية عنصراً مهماً في إنتاج أسلحة مصممة خصيصاً لاحتياجاتها. أتاح هذا لتركيا أن تكون مستقلة، وتقلل التكاليف، وأن يكون لديها أنظمة تسليح أكثر فعالية.

برغم نجاحات الطائرات المسيرة المسلحة، وتحديداً تضرب الطائرتان أنكا إس وبيرقدار تي بي 2 خير مثال عليها، فإن ذخيرة MAM-L الذكية التي تستخدمها وأنظمة الحرب الإلكترونية (KORAL) التي تدعمها، أو المركبات المدرعة التي أنتجتها تركيا، جميعها تشكل جزءاً من وصفة أشمل للنجاح بتكاليف اقتصادية منخفضة.

بل وثمة تأثير جانبي يتمثل في اهتمام دول مثل أوكرانيا وصربيا وقطر ودول أخرى، بشراء منتجات دفاعية تركية أثبتت جدارتها في المعارك.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي