من بواعث الانزعاج الأوروبي من عملية نبع السلام التركية الحرص على إبقاء الشمال السوري نسخة جديدة من غوانتانامو باحتجاز آلاف الأوروبيين المحسوبين إجمالا وبدون تدقيق على تنظيم داعش، ومن بينهم نساء وأطفال، عبر دور وظيفي غير قانوني تقوم به مليشيات YPG.

صور ومقاطع وشهادات صادمة تتسرّب من مراكز احتجاز بائسة للغاية، لكنّ أوروبا الرسمية تعتبر ما تقوم بها مليشيا مسلّحة مدعومة غربياً في شمال شرق سوريا مجرّد "احتجاز آمِن" ينبغي الحفاظ عليه والحذر من إنهائه، فهل هي النسخة الأوروبية المفضلة من غوانتانامو؟

تعود الحكاية إلى سنة 2002 عندما قررت الولايات المتحدة في عهد جورج بوش الابن إقامة معسكر اعتقال للمعتقلين الأجانب في أفغانستان الذين قبضت عليهم بعد غزوها. كان المطلوب إخراجهم من نطاق دولة القانون، والتذاكي بحرمانهم من أي تعريف معتمد وعزلهم عن تصنيفات السجناء السياسيين أو الأمنيين أو الجنائيين أو حتى أسرى الحرب، فأولئك مجرد "أعداء إرهابيين" وأريد لهم أن يكونوا صنفاً مستقلاً كي لا تشملهم أي حقوق تنصّ عليها المواثيق والتشريعات.

لم تختر الولايات المتحدة سجنهم فوق أرضها كي لا يسري قانونها عليهم بقيوده والتزاماته. ثمّ تسرّبت صور وتقارير وشهادات صادمة من معسكر "إكس راي" في غوانتانامو، حيث الرقعة التي بدت مثالية آنذاك لاحتجازهم وتجاوز القانون بلا رقيب أو ضوابط، فهي مقتطعة من كوبا لكنها ليست ضمن الولايات المتحدة وإن خضعت لسيطرة الجيش الأمريكي.

صارت ممارسات غوانتانامو عبئاً أخلاقياً على صورة أمريكا، فتعهّد باراك أوباما بالتخلّص من الوصمة، وإغلاق معسكر الاعتقال الذي أثار سخط العالم، ثمّ انتهى عهده كاملاً وبقي غوانتانامو على حاله.

تطوّرت بعد غوانتانامو خبرات التعامل الدولي مع محتجزين أو أسرى حرب "منبوذين"، بمحاولة تشجيع طرف ثالث على القيام بالوظيفة الكريهة. ومنذ انطلاق "التحالف الدولي ضد داعش"، خرج أحياء من بين الأشلاء والأنقاض مع كل رقعة خسرها التنظيم في العراق وسوريا، فتمّ احتجازهم وتصنيفهم جماعياً ضمن عناصر "داعش" وأتباعها. نشأت صيغة جديدة من "احتجاز المنبوذين"، بتكديسهم في سجون لا يتبع بعضها دولاً أو سلطات رسمية أساساً؛ وإنما مليشيات مسلّحة تقوم بالدور مقابل مكتسبات معيّنة، علاوة على احتجاز أعداد غفيرة من أسر الموصومين بالارتباط بالتنظيم في مخيمات بائسة.

تشكّلت على هذا الأساس في شمال شرق سوريا حالة احتجاز كبرى غير مسبوقة في طبيعتها، تتولى أمرها مليشيات "قسد" المتطرفة المدعومة أمريكياً وأوروبياً. تتسرّب صور ومقاطع وشهادات عن ظروف الاحتجاز تبدو غوانتانامو إزاءها ترفاً. بين هؤلاء آلاف الأوروبيين الذين تنبذهم دولهم ولا ترغب برؤيتهم مجدداً حتى في سجونها، علاوة على أوروبيات مع أطفالهن محتجزات بأعداد غفيرة في مخيمات مزرية تحت سيطرة المليشيا ذاتها وبدعم دولي.

تتصدّر فرنسا الأطراف الأوروبية المنشغلة بالشمال السوري، لاعتبارات لا تقف عند حدود اهتمام باريس التقليدي بالشام. فمن بواعث الاهتمام بهذه الرقعة يأتي ملف المحتجزين في النسخة السورية الرديئة من غوانتانامو، ونسبة الفرنسيين منهم قد تكون الأعلى بين الأجانب منهم.

توسّعت المليشيات المتطرفة المدعومة غربياً منذ ضمِّها إلى "التحالف الدولي ضد داعش" في تكديس ألوف مؤلّفة من البشر الموصومين بالتبعية للتنظيم في ظروف غير إنسانية. كان خروج هؤلاء من هذه الجغرافيا سيدفع بعضهم إلى العودة إلى بلادهم الأوروبية، وقد يسعى آخرون من غير الأوروبيين إلى التخفِّي بين أفواج اللاجئين للعبور نحو القارة. إنه سيناريو الرعب كما تشي بذلك مداولات سياسية وإعلامية ساخنة شهدتها أوروبا خلال السنوات الماضية، وأوْحت النقاشات بأنّ بعضهم يأمل باختفاء هؤلاء إلى الأبد تحت الأنقاض بعد غارات "التحالف الدولي"، أو أن تذوب قصصهم في ظروف احتجاز بائسة في شمال شرق سوريا. يجوز الافتراض بأنّ أدوار الوكالة التي نهضت بها المليشيات المتطرفة التي تدير مراكز الاحتجاز البائسة تلك تفسِّر بعض الدعم الغربي الذي تلقّته.

لدى باريس ما تقوله في هذا الملف، كما جاء في سياق موقفها المتحفّظ على حملة "نبع السلام" التركية قبيل انطلاقها نحو الشمال السوري، وهو موقف مشفوع بقلق بالغ من عواقبها المحتملة، خاصة في مسألة المحتجزين هؤلاء. قالت الخارجية الفرنسية إنّ "المقاتلين الإرهابيين المحتجزين، بمن فيهم المقاتلون الأجانب، يجب أن يخضعوا للمحاكمة في المناطق التي ارتكبوا فيها جرائمهم. وتُعَدّ محاكمتهم وعملية احتجازهم الآمِن في شمال شرق سوريا ضرورة أمنية حتمية لتجنّب إسهامهم في دعم الجماعات الإرهابية". ترى الخارجية في بلاغ رسمي أنّه "يجب تفادي كل مبادرة من شأنها تقويض هدف الإبقاء على المحتجزين حيث هُم".

لا تتحدّث الديمقراطيات الأوروبية في هذه السردية عن ضمان إجراءات "دولة القانون" بحق هؤلاء، فهم محتجزون لدى مليشيا خارج نطاق الدولة أساساً، بما يُثير تساؤلات شائكة حول منطق الخطابات الرسمية الأوروبية في هذا الصدد.

ما تتحدّث عنه هذه الخطابات لا يتجاوز "الاحتجاز الآمِن"، بينما تغيب أي مواصفات أو ضمانات أخرى تنسجم مع المواصفات الدولية المتعلقة بضمان حقوق الإنسان وكرامة البشر، مع تجاهُل اشتراط العدالة في المحاكمات المطلوبة؛ بينما لا سلطة شرعية لهذه المحاكمات أساساً.

تُغري هذه الأحجية باستنتاج أنّ المقصد في جوهره هو إبعاد آلاف المحتجزين عن أوطانهم الأوروبية وإبقاؤهم بمعزل عن الأنظمة العقابية والإصلاحية الأوروبية التي تكفل ضمانات مقرّرة بموجب دولة القانون والتعامل مع المتّهمين والقصّر، بما يقضي بتجاهلهم تماماً وإن كانوا مواطنين أوروبيين.

علت الانتقادات والتحذيرات الحقوقية منذ البدء من أن ممارسات الاحتجاز الجماعي والتكديس البشري في شمال شرق سوريا المدعومة أوروبياً وأمريكياً، لا تحتكم إلى أي مرجعية قانونية يُعتدّ بها أساساً، وقد تخالطها نزعات ثأرية نمطية معروفة في بؤر الصراع، لكنّ المسؤولين الأوروبيين يتحاشون في هذا الملف التلفّظ بمفردات العدالة وحقوق الإنسان وكرامة البشر ودولة القانون.

رصدت منظمات حقوقية مستقلة في تقارير تعاقبت على مدى سنوات عدّة، وقوع اعتقالات تعسفية على خلفية الرأي والانتقادات وعلى أساس الشبهة الجزافية، ووثّقت انتهاكات مركّبة تمارسها سلطة الأمر الواقع التي تدير مراكز الاحتجاز تلك في شمال شرق سوريا، وحذّرت "العفو الدولية" في هذا الصدد منذ سنة 2015 من أنه لا يجوز لتلك القوات "أن تتذرّع بقتالها ضد الإرهاب كمبرِّر لانتهاك حقوق الأفراد في المناطق التي تخضع لسيطرتها".

لا يقتصر هذا الملف الإنساني الشائك على احتجاز آلاف الأشخاص في مراكز اعتقال خارج نطاق الدولة، فالأبعاد تتضخّم لدى النظر في واقع المحتجزين تحت سلطة المليشيات ذاتها في مخيمات بائسة في شمال شرق سوريا، وأعداد هؤلاء تقدّر بمائة ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال الموصومين بأنهم "أهالي عناصر داعش"، ومن بينهم كثير من الأوروبيين.

تكشف مشاهد ومقاطع مرعبة جوانب من ممارسات الإذلال وامتهان الكرامة الإنسانية التي تمارسها المليشيات المسلّحة مع المحتجزين تحت سلطتها، لكنّ ذلك لم يستوقف داعمي الحالة في أوروبا والعالم. ومن ذلك صور نشرتها "سي بي إس نيوز" الأمريكية في 17 سبتمبر/أيلول 2019، ثمّ مقاطع نشرتها "التايمز" اللندنية في الـ30 من الشهر ذاته. تفضح الصور والشهادات واقع الزنازين المكتظة بحشود الرجال مثل علب السردين، وتشمل الممارسات احتجاز أطفال وفتية معاً في ظروف غير إنسانية، ومن بينهم فرنسيون وبريطانيون وبلجيكيون وأمريكيون لا تعبأ بهم دولهم.

سلّطت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير لها يوم الثلاثاء 8 أكتوبر/تشرين الأول الأضواء على واقع مغيّب خلف ستار التجاهل الأوروبي والدولي، بينما أكد الصحفي في "التايمز" أنطوني لويد أنه شاهد أكثر من 450 محتجزاً في القسم الطبي بأحد مراكز الاحتجاز، منهم أطفال في الثانية عشرة من العمر، وأنّ العديد من المرضى لم يتلقوا الرعاية المناسبة، وأنّ بعضهم توفي متأثراً بجراحه في مركز الاحتجاز، وقال: "بُترت أعضاء متعددة للعديد من المرضى وشاهدت أحدهم تتدلّى أمعاؤه تحت ضمادة مضرجة بالدماء. كان الوضع بائساً للغاية وكان هناك أطفال".

هذا غيض من فيض ما تقضي به "عقيدة غوانتانامو الجديدة" التي تقوم على تحميل كل هذه الأوزار على كاهل طرف ثالث يستعدّ للقيام بالوظيفة، وهو ما نهضت به مليشيات متطرفة في شمال شرق سوريا على أتمّ وجه لقاء دعم تتلقّاه.

لكنّ الممارسات تقع في قسط منها على مواطنين أوروبيين، وتخنق مستقبل أطفال وُلدوا لأسر أوروبية تتجاهلهم دولهم على أساس تصنيف والديهم، بما سيُحرج أوروبا يوماً ما. تمتدّ الأسئلة الحرجة إلى حقيقة أنّ بعض الأوروبيين المحتجزين في شمال شرق سوريا كانوا في سنّ المدرسة عندما تغيّبوا عن بيوتهم فجأة، ومن بينهم تلميذات مدارس أيضاً، ثمّ أدركت أسرهم أنهم طاردوا سراب حياة حالمة انتهت بهم إلى القتل تحت القصف أو إلى هذا الاحتجاز المزري. أغفلت المداولات السياسية والإعلامية الأوروبية بشأن هذا الملف الحسّاس احتمال اعتبار هؤلاء ضحايا محتملين يستحقون المساندة والإرشاد، فوصمة الإرهاب التصقت بهؤلاء جميعاً تلقائياً وستطارد من يعود منهم حيّاً إلى الأبد، دون محفِّزات لإعادة التأهيل أو محاولات لإعادة الإدماج الاجتماعي.

سيبقى ملف المحتجزين الأوروبيين المحسوبين على "داعش" ضاغطاً على أوروبا سنوات مديدة؛ أو عقوداً لاحقة على الأرجح. فالقضية تتعلّق بأفواج من الشباب الأوروبي الذي لم يجد ذاته في بيئاته المحلية على ما يبدو وقرّر التوجّه بألوف مؤلّفة إلى سوريا ضمن ملابسات متعددة، ووقع بعضه تحت إغراء دعاية "داعش" التي وعدت بتمكينه من "تحقيق الذات" حسب أسلوبها الخاص بمجرّد أن ينفلت أحدهم من البوابة الخلفية بتذكرة سفر.

من التعسّف افتراض أنهم جميعاً كانوا من عناصر التنظيم المتوحِّش أو أتباعه أو مزاولي الإرهاب، ومع ذلك ظلّ الانضمام إلى "داعش" وصمة فضفاضة للغاية لحقت بعموم الأوروبيين الذين وصلوا سوريا، وبعضهم كان في سنّ المدرسة وقتها. قد يكون بعض المحتجزين من الناشطين الذين تطوّعوا في مهام مدنية وإنسانية لصالح الأهالي والنازحين كما توحي بذلك بعض الشهادات، ثم وجدوا أنفسهم لاحقاً "في المكان الخطأ والتوقيت الخطأ"، فاقتيدوا إلى احتجاز جماعي مُهين يقبعون فيه بلا أفق. لكنّ "التذرّع بأن هؤلاء المحتجزين يُشتبَه بانتمائهم إلى داعش لا يعطي دولهم الأصلية مبرراً لتجاهلهم"، كما تؤكد "هيومن رايتس ووتش".

تبدو "غوانتانامو الجديدة" أذكى من سابقتها، فالانتهاكات منسوبة إلى طرف ثالث يمارس الاحتجاز غير القانوني والتكديس البشري المزري للمحتجزين تحت سلطته العسكرية، لكنّ حقيقة أنّ بعضهم مواطنون أوروبيون وضمنهم فتيات وأمهات وأطفال، سيمثِّل خبرة حرجة للغاية للديمقراطيات الغربية قياساً بذاكرة غوانتانامو المحدودة.

ثمة تواطؤات متعددة الأطراف أفضت إلى ما قد يُطلَق عليه يوماً ما "غوانتانامو أوروبية"، وها هو دونالد ترمب قرّر من بيته الأبيض البوح المفاجئ بما سكتت عنه أوروبا الرسمية طويلاً. قال الرئيس الأمريكي في سياق تبرير قرار الخروج من سوريا ضمن تغريدات أطلقها يوم الاثنين 7 أكتوبر/تشرين الأول: "اعتقلنا الآلاف من مسلحي التنظيم، معظمهم من أوروبا، لكنّ أوروبا لا تريد عودتهم، وقالوا لنا احتفظوا بهم! لكنني رفضت وقلت لهم أسديْنا لكم خدمة كبيرة والآن تريدون منّا وضعهم في سجون أمريكية بتكلفة هائلة! هُم لكم، خُذوهم وحاكموهم".

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي