فمن سياسات الإسلاموفوبيا (رُهاب الإسلام) التي أدخلتها حكومة ماكرون في فرنسا تحت ستار مواجهة "الانعزالية"، إلى الحكومة النمساوية التي استغلت تداعيات الهجوم الإرهابي في فيينا كفرصة لمهاجمة المسلمين، كانت هذه فترة أخرى من الهجوم الشديد.

يأتي كل هذا فيما نقترب من نهاية "شهر التوعية بالإسلاموفوبيا"، الأسابيع الأربعة التي كان ينبغي قضاؤها في مواجهة التعصب المُوجَّه ضد المسلمين وتعزيز التضامن.

بالمثل، لم تُظهِر حملة الترصُّد الأخيرة ضد كوثر بوشاليخت، وهي مرشحة شابة للبرلمان عن "حزب اليسار الأخضر" في هولندا، إلا مدى الجرأة التي صار عليها اليمين.

يجري تشويه الناشطة والصحفية وقريباً السياسية صاحبة الـ26 عاماً في عموم الصحافة الهولندية على خلفية مزاعم لا أساس لها بأنَّها مرتبطة بالإخوان المسلمين، وبالتالي يُفتَرَض أنَّها متعاطفة مع التطرف.

وتجري إدانة بوشاليخت لدورها كنائبة لرئيس "منتدى الشباب وجمعيات الطلاب المسلمين في أوروبا" (FEMYSO)، وهي مجموعة تُوصَف باعتبارها واجهة أخرى للإخوان المسلمين.

ولا يهم وسائل الإعلام والسياسيين والخبراء أنَّ كوثر تنفي عن نفسها كونها عضوة بجماعة الإخوان المسلمين، أو أنَّ "منتدى الشباب وجمعيات الطلاب المسلمين في أوروبا" فعل الأمر نفسه، أو أنَّ بوشاليخت لديها بالفعل تاريخ طويل من المشاركة في الحركات الاجتماعية التقدمية في البلاد والحشد لها.

ما يهم، على نحو يرتبط بالإسلاموفوبيا تمام الارتباط، هو الاستمرار في ترويج السردية الكاذبة التي تلتصق بسهولة بسيدة من صاحبات البشرة الملونة وترتدي الحجاب.

والمرأة المسلمة، كالعادة، هي الهدف الأسهل. فنادراً ما تكون هناك مساءلة مُتوقَّعة، إن كان هناك مساءلة أساساً، لمن ينشرون السم العنصري والجنساني ضد النساء أمثال بوخاليشت، لماذا ينبغي إذن أن يؤثر الغياب التام للأدلة على أولئك الذين يصدرون المزاعم؟ فهي بالفعل مذنبة بحكم ولادتها امرأة مسلمة.

مع ذلك، لا تتألَّف المعارضة الكبيرة لترشُّحها من أولئك المنتمين لليمين المتطرف في البلاد فقط، بل تستغل الدولة أيضاً هذه الحملة بغرض شرعنة حربها المستمرة ضد الفضاءات السياسية للمسلمين –في ظل حالة من الاحتفاء من جانب المُعلِّقين الليبراليين- وتحصل على مزيد من الفرص للدفع بسياسات تحد من الحريات المدنية للجميع دون أن تواجه انتقادات.

وهولندا ليس بلداً قريباً حتى من وجود توافق آراء به على حقيقة أنَّ تسويد الوجه بمستحضرات التجميل ممارسة عنصرية يجب حظرها، وهو مؤشر جيد لمدى تخلُّف هذا البلد، المُفتَرَض أنَّه تقدُّميّ، في ما يتعلَّق بالخطاب بشأن العرق.

ومن ثَمَّ، لا يُعَد رد الفعل السلبي هذا تجاه امرأة مسلمة على منصة سياسية رئيسية مفاجئاً. لكن سيكون من الخطأ حصر تلك المشكلة على الحدود الهولندية فقط.

فليس من قبيل الصدفة أن يجري استهداف "منتدى الشباب وجمعيات الطلاب المسلمين في أوروبا" من خلال الاعتداءات السياسية على بوشاليخت عقب الدعوات لحظر منظمات إسلامية مثل "التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا" من جانب وزير الداخلية الفرنسي.

تحاول هذه الأشكال من الهجمات المُنسَّقة تجميع كل منظمة وحركة وحتى أيديولوجيا مرتبطة بالمسلمين حول العالم تحت مظلة التطرف. وفي هذا المناخ من تصاعد الإسلاموفوبيا لا يوجد تمييز حين يتعلَّق الأمر بالمسلمين، فجماعة الإخوان المسلمين –التي قد يجدر تذكُّر أنَّها ليست محظورة أو مُتَّهمة بارتكاب أي مخالفات قانونية- هي على قدم المساواة مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وفقاً لهم.

لا شيء من هذا يتعلَّق بما إن كان المرء يدعم الإخوان المسلمين أم لا، بالنظر إلى أنَّ بوشاليخت قد أوضحت أنَّها ليست حتى عضوة بالجماعة! بل يتعلَّق الأمر برفض الدول الغربية، التي تسمح بانتقاء واختيار مجموعات سياسية من جنوب العالم، ونزع الشرعية عنها حين يناسب ذلك احتياجاتها السياسية، لتوجُّه معين.

لكن في الداخل، لا يُثَار حتى نقدٌ كهذا للأحزاب السياسية المحافظة. ويذهب هذا الأمر في هولندا أبعد حتى من ذلك ليتحول إلى تطبيعٍ متنامٍ مع اليمين المتطرف في ظل دعوة العديد من أحزاب اليمين المتطرف بانتظام إلى النقاشات والبرامج الحوارية، وفي ظل وصف السياسات العنصرية والجنسانية ورُهاب المثليين جنسياً بأنَّه حديثٌ نيابةً عن "الأغلبية الصامتة".

ولا شك أنَّ كوثر بوشاليخت توقعت هذه المعارضة العنيفة. ففي مقابلة مع مجلة Glamour، قالت: "إنَّهم يميلون لربط ديني بالإرهاب والسلبية. وللأسف، الكثيرون في هولندا لا يزالون ينظرون إلى المسلمين باعتبارهم يمثلون الآخر، وكثيراً ما يُشَار في الإعلام إلى المسلمين بهذا الشكل.. ودعم أحزاب اليمين المتشدد المتطرفة التي تنشر الإسلاموفوبيا في ازدياد".

تهديدٌ متنام

لكنَّ هذه المعايير المزدوجة لن تبقى مُوجَّهة باتجاه الفضاءات السياسية للمسلمين فقط. فبمجرد أن تُطبِّق الدول هذه "الاستثناءات" على مجموعة دون أن تواجه أي ضغوط، ستلاحق في نهاية المطاف كل المعارضة، أي اليسار.

ففي المملكة المتحدة، حين بدأت الحكومة إدراج المجموعات الإسلامية على القائمة السوداء، حذَّر العديد من النشطاء من أنَّ الدولة في نهاية المطاف ستلاحق كل مَن يعارضها في حال لم يُشكَّل دفاع جماعي واسع.

وللأسف، لاقت هذه الدعوات المبكرة للتضامن القليل من الدعم. فضحَّت الحكومة البريطانية بمنظمات مثل "CAGE" –المنظمة الوحيدة في المملكة المتحدة التي تمثل أولئك المسلمين المستهدفين بالحرب على الإرهاب، بما في ذلك في معتقل غوانتانامو- تحت ستار "الأمن"، فيما كثَّفت القوانين المتشددة.

وتبقى تكتيكات "فرِّق تسُد" الاستعمارية على حالها، إذ ظلَّت المؤسسات الإسلامية الأخرى التي لم تكن في مرمى النيران في المملكة المتحدة صامتة. وفي نهاية المطاف، كانت المنظمات الأكثر اعتدالاً سياسياً مثل "MEND" –وهي منظمة تحارب الإسلاموفوبيا- هي مَن هُوجِمَت أيضاً.

وبالمثل، أُضِيفَت الموضوعات والمجموعات اليسارية، مثل النشطاء المناهضين لاستخراج النفط والغاز الصخريين، والعمل التضامني مع فلسطين، والنشاط المناهض للرأسمالية هي الأخرى إلى قائمة ما يُسمَّى بالتطرف غير العنيف، واستهدفتها الدولة.

يقضي هذا الأمر برمته على الوهم الذي لا يزال مستمراً بين الكثيرين في مجتمعاتنا، بأنَّ كون المرء مواطناً نموذجياً يكفي لتسليط ضوء إيجابي على المسلمين وإعفائنا من العنصرية التي ابتُلينا بها.

ويُعَد الملف السياسي لبوشاليخت مثيراً للإعجاب. فهي ليست غريبة عن عمليات التعبئة الجماهيرية منذ أيام نشاطها الطلابي، حين كانت تقود فعاليات انسحاب جماعية احتجاجية (من ندوات أو مؤتمرات مثلاً) في أنحاء البلاد. ونظَّمت الآلاف للانضمام إلى "مسيرة المناخ في أمستردام"، وكوَّنت تحالفات واسعة بين النقابات العمالية والطلاب ونشطاء المناخ. وأثارت قدرتها على إشراك مجموعة متنوعة من الفئات في قضايا المناخ والعدالة الاجتماعية إعجاب الكثيرين. واستخدمت كذلك منصتها، غير آسفة، لتسليط الضوء على كيف أنَّ دينها كان مصدراً مهماً لإلهام جهودها السياسية، وأساس نضالها من أجل المساواة والاستمرارية. وهذا يجعل منها تهديداً كبيراً.

وأوضحت د. ميريام أوراغ، وهي أكاديمية وناشطة مشهورة مناهضة للعنصرية تحارب صعود اليمين المتطرف في هولندا، أنَّ هذا أيضاً يتعلَّق بـ"ارتباطها باليسار". ومن ثَمَّ فإنَّها تمثل "تهديداً ثلاثياً" لكونها يسارية، ومسلمة، وامرأة من صاحبات البشرة الملونة.

وأضافت أوراغ أنَّ ما ترمي إليه الهجمات هو "تأديب" بوشاليخت -والحركات المرتبطة بها- و"إعادتها إلى دربهم".

ومن الواضح أنَّ كوثر بوشاليخت تشعر بضغوط كبيرة، وبلا شك من جانب قاعدتها أيضاً.

فكثيراً جداً ما تسهم نفس الأحزاب السياسية التي تريد الاستفادة سياسياً من الارتباط بشخصيات عامة مثل بوشاليخت في دعم الهجمات من اليمين بمجرد أن تفرض نفسها، بدلاً من رفض المشاركة في ما يمثل بوضوح محاولة لإضعاف الحركات التقدُّمية.

فقد أدان زعيم حزب اليسار الأخضر، يسي كلافر، بالفعل واحدةً من مشاركاتها التي ألقت فيها كلمة خلال فترتها في منتدى الشباب وجمعيات الطلاب المسلمين في أوروبا.

رددت بوشاليخت منذ ذلك الحين هذا الموقف في مقابلة في عطلة نهاية الأسبوع، مُتراجِعةً عن رفضها الشجاع السابق الانجرار إلى هذا الجدل. وهذا خطأ لأنَّه يضفي شرعية على الهجمات ضدها.

فالاستسلام لا يجعل الهجمات تختفي أبداً. بل يمنح المُشوِّهين مصداقية أكبر في المرة القادمة ويسمح لهم بالإشارة إلى أنَّهم كانوا مُحقِّين في دقِّ جرس الإنذار. وسيستمر تبنّي هذا النهج ضد أي شخصية سياسية أو ناشط أو حركة يسارية أو مناهضة للعنصرية أو مناهضة للاستعمار.

إنَّ الدفاع القوي والرفض الكامل للاغتيال العنصري للشخصية هو السبيل الوحيد للصمود في مواجهة عاصفة كهذه. فإذا أقررنا بأنَّ استهداف الفضاءات السياسية للمسلمين استراتيجية سياسية يتبعها اليمين، يتعين أن نرفض التورط في تيار الإدانة والاعتذارات المتوقعة لكنَّها لن ترقى في نهاية المطاف إلى أي شيء يقترب من كونها "جرى تقبُّلها" أو أنَّ الهجمات مرَّت بسلام.

هذه هي الخلاصة. لذا، يتعين أن تكون مقاومتنا، لاسيما في هذه الأوقات، قوية ومبنية على تحالفات واسعة للمقاومة مثل التحالف الذي تشكَّل دعماً لبوشاليخت، بدءاً من منظمة "Fossil Free Feminists" النسوية المعنيّة بقضايا المناخ وصولاً إلى حملة "Kick Out Zwarte Piet" المناهضة للعنصرية.

وتمثل التجارب التي تلاقيها عنصراً واحداً ضمن هجوم أوسع على كل حرياتنا السياسية، وحقنا في المعارضة، وإمكانية النضال من أجل عالم عادل. ولابد أن تطالب كل حركة تقدُّمية في المجتمع بدعم بوشاليخت في وجه هذه الهجمات الخسيسة، شأنَّها شأن الكثير للغاية من النساء المسلمات اللاتي يرتفع صوتهن سياسياً في عموم الغرب. وإلا فإنَّ تلك الحركات أيضاً ستواجه في نهاية المطاف نفس الانتقادات.


هذا الموضوع مترجم عن موقع TRT World


TRT عربي