الرئيس الإيراني المنتهية ولايته حسن روحاني  (Reuters)

يعتبر روحاني المولود في محافظة سمنان عام 1948 من الشخصيات التي لعبت دوراً قيادياً في النظام منذ الأيام الأولى من عمر الثورة وحتى الآن.

أسهم قربه من الخميني قبل الثورة وعلاقته بهاشمي رفسنجاني الرجل المتنفذ في النظام في تسلمه مناصب مهمة بعد انتصار الثورة، فقد دخل مجلس الشورى للمرة الأولى عام 1980، واحتفظ بمقعد فيه لمدة عشرين عاماً، وشغل مناصب قيادية في المعارك في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وعُين ممثلاً للمرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي منذ تأسيسه، وتولى مسؤولية الأمانة العامة فيه لمدة 16 عاماً، وقاد من هذا الموقع المفاوضات النووية مع الغرب حتى عام 2005.

كما عُين عضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام منذ عام 1990 وما يزال عضواً فيه، وشغل كذلك منصب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام، وانتخب مرتين عضواً في مجلس خبراء القيادة.

الطريق إلى قصر باستور

في عام 2009 كان روحاني الذي تغيرت توجهاته مع تقدم عمر الثورة من "الأصولية" إلى "الاعتدال" يعتزم الترشح لمنصب الرئاسة، لكنه عدل عن قراره بعد ترشح الزعيم الإصلاحي ميرحسين موسوي. انتظر أربع سنوات ليتقدم بطلبه مجدداً، وكاد أن ينسحب حين تقدم رفسنجاني بطلبه للترشح لولا إصرار الأخير على بقائه.

مهّد رفض مجلس صيانة الدستور طلب رفسنجاني وانسحاب مرشح التيار الإصلاحي الضعيف محمد رضا عارف الطريق له للحصول على دعم رفسنجاني والتيار الإصلاحي في الانتخابات.

تمكّن روحاني الذي يتميز بفصاحة اللسان والقدرة على التأثير في المخاطب، من خلال إطلاق وعود وشعارات ركزت في الغالب على تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، من بث الأمل في نفوس الإيرانيين وإقناعهم بأنه يمثل الخيار الأفضل للخروج بالبلاد من أزماتها، فحصل على 51 بالمئة من أصواتهم في انتخابات عام 2013.

حقق روحاني الذي أطلق على حكومته اسم "حكومة التدبير والأمل" في ولايته الأولى إنجازاً بإخراج البلاد من العزلة التي كانت تعاني منها في عهد سلفه أحمدي نجاد، وتمكن بضوء أخضر من المرشد وعبر فريق تفاوضي محترف من التوصل إلى الاتفاق النووي الذي عاد بنتائج إيجابية كبيرة على إيران، كان من أبرزها إلغاء العقوبات الأممية المفروضة عليها، والإفراج عن عشرات مليارات الدولارات من أموالها المجمدة في البنوك العالمية، وتدفق استثمارات بعشرات مليارات الدولارات.

نتيجة لذلك نجح إلى حد ما في تحسين الأوضاع الاقتصادية، لكن منجزاته على بقية الصعد كانت متواضعة. ورغم ذلك حاز على 57 بالمئة من الأصوات في انتخابات عام 2017.

تآكل شعبية الرئيس

يعتبر الاتفاق النووي أهم منجزات روحاني على الإطلاق، لذلك شكّل فوز ترمب بالرئاسة في الولايات المتحدة وخروجه من الاتفاق في مايو/أيار 2018، وفرضه حزماً متتالية من العقوبات في إطار ما يُعرف بسياسة الحد الأقصى من الضغط، ضربات موجعة للرئيس الذي خطط لكل مشاريعه اعتماداً على هذا الاتفاق.

كان وقع العقوبات قاسياً جداً على الحكومة التي تعتمد في مواردها على تصدير النفط بشكل أساسي، وجعلها تواجه تحدياً كبيراً في القدرة على إدارة شؤون البلاد في ظل ضعف الموارد المالية، حيث أدى إلى انسحاب عشرات الشركات الأجنبية من البلاد، وحرم خزينة الدولة ممَّا يقارب خمسين مليار دولار سنوياً، إضافة إلى تجميد مليارات الدولارات من أموالها في الخارج.

إثر ذلك ارتفعت نسبة التضخم وانخفضت قيمة العملة المحلية إلى مستويات غير مسبوقة، وظهرت مخاوف جدية من انهيار البلاد اقتصادياً.

يعزو روحاني الأزمة الاقتصادية في البلاد إلى العقوبات ويصفها بالحرب الاقتصادية، ويزعم أن حكومته قدمت أداء ممتازاً ينبغي شكرها عليه، لأن الهدف من العقوبات كان دفع المواطنين إلى الشوارع لمواجهة النظام، ويرى أن حكومته تمكنت من الحيلولة دون خضوع البلاد للفصل السابع وإعادة فرض عقوبات أممية عليها.

لا شك أن للعقوبات أثراً كبيراً في تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، لكن القول بأنها هي المتسبب الرئيسي في الأزمة بعيد عن الواقع، لأن معظم المشاكل التي تعاني منها إيران تعود إلى أسباب داخلية تتعلق بضعف الأداء الإداري وعدم الكفاءة، والفساد الممنهج والمحسوبيات وغيرها، ولا يتجاوز تأثير العقوبات والعامل الخارجي 30 بالمئة بحسب بعض الخبراء.

لم تكن الظروف الاقتصادية السيئة السبب الوحيد لذوبان شعبية روحاني، فقد أسهم تعامل الحكومة مع الاحتجاجات في بداية عام 2018 ونهاية 2019 ومقتل مئات المحتجين على يد القوى الأمنية، إضافة إلى إخفاء حقيقة إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية على يد الحرس الثوري، وكذلك التخبط في التعامل مع وباء كورونا والتبعات الناجمة عن انتشار الوباء، في تراجع شعبيته إلى مستويات غير مسبوقة.

بالإضافة إلى ما تقدم هناك اتهامات لروحاني بالتراجع عن الكثير من وعوده الانتخابية، ولا يعود السبب في ذلك إلى عدم قدرته على الإيفاء بها وقلة الصلاحيات الممنوحة له، بل لعدم إيمانه بها وعدم اعتقاده بضرورة تحقيقها. ويُعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية في عزوف غالبية الإيرانيين عن التصويت في الانتخابات الأخيرة، وتوجه بعض الشرائح المعروفة بدعمها للتيار الإصلاحي لدعم المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي، يعود إلى الإحباط من تراجع روحاني عن وعوده وضعف أداء حكومته.

مستقبل روحاني

بعد التوقيع على الاتفاق النووي، شعر روحاني الذي كان يرى نفسه الأجدر بخلافة المرشد، بفائض من القوة وبدأ مواجهة لفظية مع المرشد لم يعهدها الشارع الإيراني من قبل، حيث عبر علانية عن آراء تتعارض مع المرشد وإن لم يذكره بصريح العبارة.

واستمر على هذا النحو حتى خروج الولايات المتحدة من الاتفاق، حينها بدأ يفقد أوراق قوته، فلجأ منذ ذلك الحين إلى محاولة كسب ود المرشد والحلقة المقربة منه، حتى إنه كان أول المهنئين بفوز الرئيس الجديد.

من الواضح أن روحاني لا يريد أن ينهي ولايته على خلاف مع مؤسسة "بيت المرشد"، ويخشى من مصير مشابه للرؤساء السابقين الذين تم إقصاؤهم عن المشهد السياسي وتعريتهم من مصادر القوة.

يعتقد بعضهم أن النظام سيقدر لروحاني خدماته ولن يقصيه عن المشهد، بل من الممكن أن يرقيه المرشد من عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام إلى رئاسة المجمع أو يعينه مستشاراً له.

لكن معظم المؤشرات تشير إلى أن مصيره لن يختلف كثيراً عن أسلافه، حيث سيتم منعه من التأثير في الحياة السياسية في البلاد رغم المناصب الشكلية التي قد توكل إليه.

يدرك روحاني أن الظروف ليست لصالحه، ولذلك من المتوقع أن يؤثر الابتعاد عن المشهد السياسي ويكتفي بالمناصب الشكلية، ويقضي وقته بكتابة مذكراته ورياضته المفضلة تسلق الجبال. ومن المستبعد جداً أن يحذو حذو أحمدي نجاد الذي بات أقرب للمعارضة من خارج النظام منه إلى الصراع داخل أجنحة النظام.

أما في ما يتعلق برصيده الشعبي، فمن المتوقع أن يستعيد بعضاً منه بعد ابتعاده عن الأضواء، لا سيما إن لم يتمكن الرئيس الجديد من تقديم أداء أفضل منه.


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي