للطفل الحق في الحياة. (AA)

‏يسعى قانون تكساس ‏المناهض للإجهاض لعام ٢٠٢١م إلى تمكين المواطنين العاديين لا السلطات المحلية الحكومية من إقامة دعوى قضائية ضد كل من يساهم أو يساعد في عمليات الإجهاض للأجنة التي عمرها ‏أكثر من ستة أسابيع، مما عُد احتيالاً قانونياً يتجاوز قرارات المحكمة الفيدرالية العليا الداعمة لحق المرأة في الإجهاض.

‏لقد جاء قرار “رو ضد ويد “إبطالاً لقرارات ولاية تكساس وجورجيا ‏السائدة سابقاً قبل عام ١٩٧٣م المانعة للإجهاض ‏إلا في حالات نادرة، مثل الحفاظ على حياة الأم ‏في حال تعرضها للخطر بسبب الحمل. ‏وكما دعمت المحكمة الفيدرالية العليا ‏حق المرأة الأمريكية في الإجهاض في قضية ‏أخرى مرفوعة في العام نفسه وهي قضية "دو ضد بلتون"‏ رداً على دعوى قضائية مقدمة ضد حكومة ولاية جورجيا التي كانت ‏تشترط موافقة طبية ‏مسبقة قبل السماح بإجراء عملية الإجهاض، مما اعتبرته المحكمة الفيدرالية العليا إجراء غير قانوني يعيق من حرية المرأة في التصرف بحملها وفقاً لرغبتها الشخصية، ‏لذا قررت المحكمة الفيدرالية العليا في "دو ضد بلتون" منع حكومات الولايات من سن تشريعات أو تبني سياسات تعيق وصول النساء إلى خدمات صحية تسمح لهن بإجراء عمليات الإجهاض.

‏ بنت المحكمة الفيدرالية العليا سابقتها القانونية “رو ضد ويد" على مبدأ المحافظة على الخصوصية للمرأة الأمريكية وفقاً للتعديل الدستوري الرابع عشر. ‏ولقد حاول المعارضون لقانون الإجهاض ‏بناء اعتراضهم على حق الجنين ‏في الحياة كما حدده الدستور الأمريكي في التعديل الرابع عشر حيث نص على أنه "لا يجوز لأية ولاية أن تحرم أي شخص من الحياة أو الحرية". ‏اعترضت المحكمة الفيدرالية العليا على تعريف الجنين بأنه مواطن أمريكي ينطبق عليه التعديل الدستوري الرابع عشر ‏الذي جرت المصادقة عليه بعد نهاية الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر حماية لحقوق العبيد السابقين في المواطنة والحياة والحرية والعيش الكريم. ‏كما قررت المحكمة الفيدرالية العليا آنذاك في "رو ضد ويد “ صعوبة تحديد معنى بداية الحياة ‏ قانونياً في الجنين ‏قبل ولادته.

‏ ‏إن ترسيخ مبدأ حرية الإجهاض يدل على تغير الحياة الاجتماعية الأمريكية كثيراً بعد ظهور وتمكين الحركات النسوية

‏ورغم قرارات المحكمة الفيدرالية العليا ‏التي تعتبر نهائية لا تقبل الاستئناف، إلا أن المحافظين اليمينيين الأمريكيين لا ‏يألون جهداً في السعي إلى إلغاء قرار “رو ضد ويد " الذي يعدونه تعدياً على القيم الدينية ‏والأسرية التي بنيت عليها الولايات المتحدة. ‏وتتخذ هذه التيارات المحافظة اليمينية عدة وسائل لإلغاء قرار “رو ضد ويد " ‏منها الدفع بترشيح ‏أعضاء في الكونغرس الأمريكي يؤمنون بحق الجنين في الحياة ويعملون لإصدار تشريعات تحد من آثار “رو ضد ويد “، ‏وكذلك ترشيح قضاة للمحكمة الفيدرالية العليا يؤمنون بحق الأجنة في الحياة، وهنا تكتسب قرارات المحكمة الفيدرالية العليا أهمية قصوى في ‏هندسة المجتمع الأمريكي.

تتكون المحكمة الفيدرالية الأمريكية العليا من تسعة قضاة ‏يخدمون مدى الحياة يختارهم الرئيس الأمريكي ‏ويوافق على ترشيحهم مجلس الشيوخ الأمريكي، ‏ويحرص كل الرؤساء الأمريكيين على ترشيح قضاة للمحكمة العليا يعكسون الفلسفة القانونية التي يتبناها هؤلاء الرؤساء. لقد نجح الحزب الجمهوري الذي كان يسيطر على مجلس الشيوخ إبان فترة رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إيصال ثلاثة قضاة محافظين إلى المحكمة العليا ‏معززاً بذلك من سيطرة التيار المحافظ فيها، بواقع ستة قضاة محافظين ‏مقابل ثلاثة قضاة ليبراليين ‏مما يزيد من فرص تبني قرارات ترسخ القيم الأمريكية المحافظة.

محتجة ضد الإجهاض. (AA)

وقد ‏بلغت عدد حالات الإجهاض في الولايات المتحدة حسب بعض الإحصائيات منذ تطبيق قانون" رو ضد ويد " لعام ١٩٧٣م أكثر من ٦٠مليون حالة، وبلا ‏ شك أن هذا العدد الكبير ‏ المؤسف حقاً يشكل فشلاً أخلاقياً ‏وقلقاً اجتماعيا ‏عارماً في الولايات المتحدة، حيث يتظاهر ‏بعض المواطنين الأمريكيين في ‏الكثير من أيام السنة أمام مراكز الإجهاض الصحية المنتشرة في كثير من المدن الأمريكية ‏منددين يزهق أرواح الأجنة، ‏كما يقوم بعض الأفراد المتطرفين من قبل اليمين المحافظ ‏في حالات نادرة بمهاجمة مراكز الأبحاث الصحية وأحياناً ‏قتل بعض الأطباء الذين يجرون عمليات الإجهاض. تكمن المشكلة الأساسية في زيادة حالات الإجهاض العالية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى كون أكثر من نصف حالات الحمل غير مخطط لها مسبقاً ‏وعادة تكون خارج إطار العلاقات الزوجية.

تشكل قضية الإجهاض قضية مركزية اجتماعية في الانتخابات الأمريكية منذ عقد السبعينيات حين سعى الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى استمالة أصوات الأمريكان الكاثوليك بتبني ‏سياسة مناهضة للإجهاض، وكذلك اتبعه الرئيس الأمريكي الأسبق ‏رونالد ريجان في ريادته للتيار المحافظ في الولايات المتحدة الذي أوصله إلى سدة الحكم في البيت الأبيض مرتين في عقد الثمانينيات من القرن الماضي.‏

لا شك أن قرار المحكمة العليا الفيدرالية العليا حول قانون تكساس لمناهضة الإجهاض ستكون له آثار اجتماعية وسياسية بعيدة المدى، ‏فهو إما أن يرسخ لقانون حماية حقوق المرأة في الإجهاض وبالتالي يعد نصراً للتيارات الليبرالية والحركات النسوية في الولايات المتحدة أو ‏يحدث ثغرة قانونية في قانون “رو ضد ويد “تمهيداً لإلغائه مستقبلاً.

‏ ‏إن ترسيخ مبدأ حرية الإجهاض يدل على تغير الحياة الاجتماعية الأمريكية كثيراً بعد ظهور وتمكين الحركات النسوية في الستينيات من القرن الماضي، والتي تبنت الكثير من السياسات مستهدفة ‏المفهوم التقليدي للأسرة الأمريكية التي كانت تشبه كثيراً ‏مثيلاتها من الأسر في ‏العديد من البلدان الأخرى.

‏ يغلب ‏على هذه الحركات النسوية هيمنة النساء البيض اللائي أصبحن أكثر قوة وجرأة في الحياة السياسية الأمريكية و‏يسعين دوماً إلى تصدير مفاهيم المرأة البيضاء الأمريكية إلى نساء العالم الثالث من خلال دراسات الجندر ودعم الحركات النسوية هناك ‏وتبني قيم أخلاقية غريبة على هذه المجتمعات تستهدف في المقام الأول مفهوم الأسرة التقليدية ‏الذي تعتبره العائق الأول لتحرير المرأة في هذه المجتمعات ‏المحافظة. ‏لا شك أن ريادة المرأة البيضاء للحركات النسوية العالمية إجحاف بحقوق النساء غير البيض والادعاء ‏الضمني بتفوق المرأة البيضاء الثقافي وحقها أن تكون المتحدث الرسمي باسم نساء العالم.‏

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي