العلم الإيراني أمام مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (Leonhard Foeger/Reuters)

خصوصاً بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرضها عقوبات غير مسبوقة على إيران واغتيال شخصيات إيرانية عالية المستوى وتخريب منشآت نووية حساسة. ومع تسلم الإدارة الجديدة ذات النزعة العدائية للغرب مهامها اكتسب هذا التوجه زخماً جديداً.

انقسام حول حيازة السلاح النووي

كما في معظم القضايا الرئيسية لا توجد نظرة موحدة إزاء البرنامج النووي داخل إيران، ويمكن الحديث عن ثلاثة توجهات بهذا الخصوص:

يذهب فريق إلى أن حيازة السلاح النووي هي الطريقة الوحيدة لضمان الأمن القومي للبلاد والحفاظ على كيان الدولة وجلب الاستقرار لها والخروج بها من أزماتها ومواجهة التحديات المستمرة التي تواجهها. ويرى هؤلاء أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيوفر لها قدرات ردع شاملة ويمنع أعداءها وخصومها تهديدها. ولا يخفون دعوتهم للخروج من معاهدة انتشار الأسلحة النووية والبروتوكول الإضافي للاتفاق النووي في الوقت المناسب.

يضم هذا التيار طيفاً من أساتذة جامعيين وأعضاء سابقين في مجلس الشورى فضلاً عن نشطاء سياسيين ذوي توجهات قومية يقيمون في أوروبا وأمريكا.

على سبيل المثال يرى أحمد بخشايش أردستاني العضو السابق في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى أن الطريقة المثلى لإنهاء الضغوط والعقوبات التي تتعرض لها البلاد هي حيازة السلاح النووي. ويدعو أبو محمد عسكرخاني أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة طهران للاقتداء بالصين والهند وعدم الجلوس على طاولة التفاوض مع الغرب قبل إكمال صناعة قنبلة نووية ويقول "إن لم تحصل على السلاح النووي فمصيرك الهلاك" وإذا أردت السلام فعليك الاستعداد للحرب.

إبراهيم رئيسي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية  (AA)

لا يؤيد الفريق الثاني حيازة السلاح النووي في ظل الظروف الحالية، لكنه يؤكد أهمية اكتساب المعرفة النووية والتكنولوجيا والأدوات اللازمة لذلك وتقصير المدة اللازمة للوصول إلى السلاح النووي عند الضرورة. يعتقد هؤلاء أنه لا ينبغي لإيران أن تقف مكتوفة الأيدي حتى تتعرض لهجوم من أعدائها، بل عليها امتلاك التقنية اللازمة للسلاح النووي من دون صناعته فعلياً.

ويحذرون من الدعوات العلنية المطالبة بامتلاك السلاح النووي لأنها تثير العالم ضد إيران ويرون أن الخروج من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية يعزز مزاعم أعداء إيران وخصومها بأن للبرنامج النووي الإيراني أهدافاً عسكرية. يؤيد هذه المقاربة طيف واسع من مختلف التيارات السياسية في البلاد.

يعتقد الفريق الثالث وهو ضعيف مقارنة بسابقَيه ضرورة التخلي عن البرنامج النووي جملة وتفصيلاً لأن البلاد ليست بحاجة إليه.

ومع أن هؤلاء لا يقللون من أهمية المكتسبات العلمية التي حققتها بلادهم فإنهم يرون أن التكلفة التي أُنفقت على هذا البرنامج من الناحية الاقتصادية والسياسية والأمنية تفوق المكتسبات التي حققها. ويدعون لتعزيز قدرات إيران من النواحي الاقتصادية والسياسية وإقامة علاقات متوازنة وطبيعية مع مختلف دول العالم والكف عن العداء للغرب والتدخل في شؤون المنطقة. من أبرز أنصار هذا التيار صادق زيباكلام أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران.

وعلى الرغم من أن التيار المتشدد في إيران يؤيد المقاربة الأولى سرّاً فإن النظام لا يتبناها بل يؤكد مسؤولوه أن برنامج بلادهم النووي سلمي فقط وأن إيران ملتزمة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية والبروتوكول الإضافي والتعاون البنّاء مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل يزعمون أن الإجراءات التي تنفذها طهران خارج إطار اتفاقية العمل الشاملة المشتركة لا تتعارض مع المعايير الدولية.

وعلى الرغم من عدم تصريحها بتبنّي المقاربة الثانية فإن إيران تسير وفقاً لها عملياً وتسعى للاقتراب من حيازة سلاح نووي وصنعه وقت الضرورة.

هذا ما أكّده تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أسبوعين حين أعلن أن إيران سرّعت وتيرة تخصيب اليورانيوم. فقد أنتجت للمرة الأولى معدن اليورانيوم المخصّب بدرجة نقاء انشطاري تصل إلى 20%، ورفعت الطاقة الإنتاجية لليورانيوم المخصّب إلى 60%. وتُقرب هاتان الخطوتان طهران من الدرجة اللازمة لصنع سلاح نووي.

هل يمكن الثقة بفتوى تحريم السلاح النووي؟

يرى أنصار المقاربة الأولى أن العائق الوحيد أمام صناعة السلاح النووي ليس القلق من ردود الفعل الدولية المحتملة، بل وجود فتوى من المرشد تحرّم السلاح النووي.

وعلى الرغم من الحديث في العقدين الماضيين عن وجود فتوى بهذا الخصوص لم تصدر فتوى واضحة غير قابلة للتأويل من المرشد الإيراني سوى في مايو/أيار 2019 حين أفتى بأن الجمهورية الإسلامية تعتبر صناعة الأسلحة النووية وتخزينها واستخدامها محرّمة شرعاً.

وعلى الرغم من محاولات إيران تسويق هذه الفتوى والقول إنها أهم بالنسبة إليها من أي قانون ومعاهدة دولية فإن تصريحات وزير الاستخبارات الإيراني محمود علوي قبل شهور بأن "القطة المحاصرة قد تتصرف بشكل مختلف مقارنة بطريقة تصرفها عندما تكون حرة. وإذا دفع [الغرب] إيران في هذا الاتجاه [صناعة سلاح نووي] فلن يكون ذلك خطأ إيران بل خطأ أولئك الذين دفعوها إلى هذا الخيار" تحمل في طياتها رسالة تحذيرية من القيادة الإيرانية بأن عدم تراجع الولايات المتحدة عن مطالبها سيدفع إيران إلى السير نحو حيازة سلاح نووي.

لقد بات معلوماً للجميع أن الفتوى مسألة اجتهادية غير ثابتة وتصدر بناء على مقتضيات محددة ويمكن أن تتغيّر بتغيّر الظروف، وفتوى أحد المراجع وفق المذهب الشيعي غير ملزمة لغير أتباعه، بل إن فتوى المرجع نفسه ليست ملزمة لأتباعه بعد وفاته. وحين نعرف أنّ الحفاظ على النظام يُعتبر للقيادة الإيرانية مقدّماً على الفرائض والواجبات الشرعية بما فيها الصلاة والصيام، ندرك أنّه يمكن تغيير الفتوى وفقاً لتقدير المرشد بناء على الظروف المحيطة. كذلك فإن تبرير المسوّقين للفتوى بأن إيران تعارض في الأساس إنتاج أي نوع من أسلحة الدمار الشامل فضلاً عن استخدامه لا قيمة له من الناحية العملية، إذ تُعتبر طهران الداعم الرئيسي لبشار الأسد الذي أثبتت تقارير دولية استخدامه السلاح الكيماوي ضدّ المدنيين مرّات عديدة.

ضغوط لرفع العقوبات أم لفرض أمر واقع؟

في ظل التراجع الأمريكي والانسحاب العشوائي من أفغانستان واحتمال الانسحاب من مناطق أخرى في المنطقة والمؤشرات على عدم رغبتها بشنّ حروب جديدة باتت إيران أكثر جرأة واستعداداً للمغامرة والذهاب إلى مستويات بعيدة في برنامجها النووي. ومن الواضح أنها اقتربت أكثر من صنع السلاح النووي ونجحت بتقليص المدة الزمنية اللازمة لذلك، لكن لا يمكن تحديد هذه المدة بدقة وإن كانت التقديرات تشير إلى فترة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة كاملة إذا سارت الأمور من دون عراقيل.

ومع أن البعض يعتقد أن تلكؤ إيران في العودة إلى طاولة المفاوضات في فيينا بذريعة انتقال السلطة، مع تسريعها تطوير برنامجها النووي وتعيينها محمد إسلامي -الذي لعب دوراً مهماً في تطوير برنامجها الصاروخي- على رأس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية لا يشير بالضرورة إلى رغبتها بحيازة سلاح نووي وإنما يأتي بهدف الضغط على الإدارة الأمريكية للتسريع في رفع العقوبات ومنحها مزيداً من الامتيازات، فإنه لا يمكن تجاهل طموح طهران بحيازة السلاح النووي وفرضه أمراً واقعاً على المجتمع الدولي، لا سيما أنها باتت أقرب إلى ذلك أكثر من أي وقت مضى.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي