صورة تظهر تعرض قطاع غزة للقصف من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي (Others)

ومن ناحية ثانية، يستمر الاحتلال في التصعيد في القدس والضفة الغربية من خلال السماح لقطعان مستوطنيه باقتحام الأقصى، فيما يواجه بالعنف المفرط المتظاهرين في جبل صبيح ببلدة بيتا وبيت دجن بمحافظة نابلس، وسلفيت، وبيت أمر شمال الخليل وغيرها من المدن والبلدات الفلسطينية، ما أدى لاستشهاد عدد من الفلسطينيين وجرح المئات منهم.

معادلة محكومة باعتبارات

ويشكل هذا التصعيد من طرف حكومة الاحتلال الجديدة بقيادة نفتالي بينيت محاولة لفرض معادلة جديدة في الصراع مع الفلسطينيين ومقاومتهم، التي لوحت بإعادة قصف المدن والبلدات الإسرائيلية إن عاود الاحتلال الاعتداء على المسجد الأقصى والتصعيد ضد الفلسطينيين.

وربما حاولت هذه الحكومة أن تزاود على سابقتها بقيادة بنيامين نتنياهو، وتسترضي المكون اليميني فيها والذي ينتمي له بينيت نفسه، ولكن هذه الحكومة هي أضعف من أن تستمر بهذه السياسة حتى نهايتها في ظل تنوع تشكيلها وتضارب المواقف فيها، وفي ظل موقف الطرف الآخر في معادلة الحكومة وهو "القائمة العربية الموحدة" بزعامة منصور عباس، حيث هدد النائب مازن غنايم، أحد النواب الأربعة عن القائمة، بإسقاط حكومة بينيت إذا هي أقدمت على شن حرب على قطاع غزة.

وقد ظهر ضعف هذه الحكومة في موقفين آخرين هما الاضطرار لإخلاء مستوطني جبل صبيح، والفشل في إقرار قانون "المواطنة" الذي يمنع لم شمل العائلات الفلسطينية، الأمر الذي يؤكد أن يد هذه الحكومة ليست مطلقة في التصعيد مع الفلسطينيين، هذا إن رغبت أصلاً في الاستمرار إلى آخر مدى في هذا الاتجاه.

ويبدو أن التصعيد الإسرائيلي وخصوصاً في موضوع الحصار على غزة وإغلاق المعابر وتعطيل عملية إعادة الإعمار، يستهدف بالأساس دفع حماس للتوصل لتهدئة جديدة، وليس إطلاق حرب قد يدفع الاحتلال ثمناً غالياً لها.

وفي هذا السياق يأتي رد الاحتلال بالقصف الجوي على البالونات الحارقة التي تطلق من غزة وتستهدف مستوطنات الكيان القريبة، حيث يتم تعمد عدم إيقاع خسائر بشرية في القصف حتى لا يستثير ردة فعل عنيفة من المقاومة.

ويبدو أن المقصود حتى الآن هو دفع المقاومة لإنجاز تفاهمات للتهدئة تحت ضغط الحصار الاقتصادي، وعرقلة المنحة القطرية وربطها بشروط جديدة منها تسليم المستحقات للأسر الفقيرة من خلال آلية للأمم المتحدة، وتعطيل الجزء المتعلق برواتب الموظفين تحت حجة منع وصولها لأيدي حماس.

كما أنه يستخدم هذا الضغط لتسريع صفقة تبادل الأسرى بشروط أقل من التي تطرحها الأخيرة، لا سيما أن هذه الصفقة تساعده لتحقيق إنجاز داخلي يعزز من صمود الحكومة.

صمود وتحدٍّ يواجهان التهديد

وتشير مصادر إلى أن مقترحاً جديداً قدم للاحتلال بتقسيم صفقة التبادل إلى مرحلتين، تتضمن الأولى إفراج حماس عن الجنديَين أبرهام منغستو وهشام السيد، وتقديم معلومات عن الجنديَين شاؤول آرون وهدار غولدن، مقابل إفراج العدو عن مئات الأسرى، من ضمنهم الأطفال والنساء، على أن يتم التفاوض على المرحلة الثانية التي تتضمن الإفراج عن الجنديين هدار غولدين وشاؤول أورون، مقابل الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

وبصرف النظر عن نجاح هذه الصفقة قريباً أم لا، فإن قيادة المقاومة تؤكد ابتداء ضرورة إعادة الأمر إلى ما كان عليه قبل 11/5 بإعادة فتح المعابر المغلقة وإدخال البضائع والأفراد، واستئناف المنحة القطرية وتوسيع مساحة الصيد البحري (استجاب له الاحتلال مؤخراً).

وترفض المقاومة بإصرار محاولات الاحتلال فرض معادلة جديدة على غزة لمعاقبتها على دورها في معركة سيف القدس، وجاءت تصريحات قائد حماس بغزة يحيى السنوار بعد لقائه المبعوث الأممي إلى الشرق الأوسط تور وينسلاند لتؤكد ذلك.

ورغم الخسائر الفادحة التي لحقت بقطاع غزة في الحرب الأخيرة، فإن المقاومة لم تتراجع عن مطالبها بوقف الانتهاكات الصهيونية خاصة في القدس، وتؤكد أنها مستمرة في الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، وإن كانت لا تستجيب بشكل تلقائي للاستفزازات الإسرائيلية، وتكتفي في الوقت الحالي بالرسائل التحذيرية منخفضة المستوى مع احتمال رفع مستواها حسب ما يقتضيه الواقع.

وتشكل البالونات الحارقة رسائل واضحة للاحتلال باستعداد المقاومة للرد على التصعيد بالحصار واستهداف القدس، بالتصعيد على حدود غزة والمدن والبلدات الإسرائيلية.

ويبدو أن الاحتلال يفهم هذه المعادلة جيداً ولا يذهب بتصعيده لمديات بعيدة، مفضلاً أن تنجح جهود الوساطة المصرية والأممية في التوصل لحل لتخفيف الحصار والتوصل لصفقة تبادل للأسرى.

اعتبارات أخرى

تقول إحصاءات حكومية إنه جرى خلال العدوان الأخير تدمير1447 وحدة سكنية و205 منازل بشكل كلي، فيما تضررت 13 ألف وحدة سكنية، كما دمر جيش الاحتلال عشرات المقرات الحكومية والأهلية، ومئات المنشآت الزراعية. وتشير كذلك إلى أن نسبة المواد الداخلة لغزة بلغت 30% من حجم المواد التي كانت تدخل قبل معركة سيف القدس، بما يدلل على حجم الدمار وشدة الحصار.

ويبدو أن هذه القضية تشكل أولوية لفصائل المقاومة التي تسعى للتخفيف من الأزمة الاقتصادية بغزة، ولتثبيت مكاسبها على الاحتلال ومنعه من التغطية على فشله في إخضاع المقاومة عسكرياً.

ولذلك تتجنب المقاومة حالياً الدخول في معركة جديدة مع الاحتلال، مدركة في الوقت ذاته اعتبارات العدو وعدم رغبته هو الآخر بدخول معركة ستكلفه خسائر مدنية وبشرية تؤدي لاهتزاز الثقة في الحكومة الهشة.

كما تعول حماس على تصدي المقدسيين وأهالي الضفة الغربية للإجراءات الإسرائيلية، وإن كانت تفتقد للتفاعل الشعبي الشامل بسبب قيود السلطة وتعاونها الأمني، فيما تركز حكومة الاحتلال في أولوياتها على مواجهة إيران وبرنامجها النووي وامتداداتها في المنطقة، فإيران بدأت بالرد على استهداف وجودها بسوريا وضرب برنامجها النووي باستهداف السفن التجارية التابعة للاحتلال. الأمر الذي يتطلب محاولة تهدئة الجبهة مع غزة للتفرغ للتهديد الآني الأكبر!

ويتخوف الكيان من تأثير أي حرب قادمة على استقراره الداخلي من خلال استثارة ردود فعل عنيفة لفلسطينيي 48 كتلك التي حدثت في الحرب الأخيرة ، كما يتحسب من امتداد التأثير الإيجابي لصالح الفلسطينيين إلى المنطقة العربية بما قد يزعزع الاستقرار في المنطقة العربية، ويضعف أكثر تيار التطبيع الذي كان قد تراجع بعد حرب سيف القدس.

كما أن أي جولة جديدة من العدوان الإسرائيلي ستساهم أكثر في ضعضعة المكانة الدولية للاحتلال بسبب تجدد انتشار صور الدمار بغزة، التي أدت في حرب سيف القدس إلى تفاعل دولي شعبي ومؤسساتي غير مسبوق مع الفلسطينيين.

احتمال الانفجار قائم.. ولكن

وتشهد الأوضاع الآن هدوءاً هشاً، ويبدو أن التصعيد محسوب من الطرفين، وكلاهما يسير على خيط رفيع من التوازنات، ولكن احتمال الانفجار يبقى قائماً لخطأ في الحسابات يقوم به الاحتلال سواء تجاه غزة أو القدس، والإخلال بمعادلة غزة–القدس التي صنعتها المقاومة، أو تصعيد من حماس رداً على قسوة الإجراءات الإسرائيلية واستمرارها بدون وجود أفق للحل والتهدئة.

وفي حال اندلاع الحرب فربما تكون أعنف من حرب سيف القدس، وذلك ليس بسبب رغبة الطرفين التي هي عكس ذلك، ولكن نتيجة تدهور الأوضاع واستمرار تشدد إسرائيل، فيما ترغب حماس في عكس صمودها في المعركة على تحسين أوضاع القطاع.

وتظل المعركة الفلسطينية مفتوحة مع الاحتلال. ورغم المعاناة في كل الأراضي المحتلة فإن الصمود الفلسطيني يظل متفوقاً على الآلة العسكرية الضخمة للاحتلال، والتي تعاني من هزيمة نفسية ورعب حقيقي من المقاومة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي