Iran Elections (Hadi Mizban/AP)

حاول معظم المرشحين، ولا سيما الأقل حظاً بالفوز، استقطاب أصوات الأقليات العرقية والمذهبية وعلى رأسها الأقليتان التركية والسنية، من خلال وعود قديمة مكرَّرة برفع التمييز عنهما ومنحهما مزيداً من حقوقهما المشروعة.

ورغم أن تقديم الوعود للأقليات ليس أمراً جديداً في أثناء المنافسة الانتخابية في إيران، فإنه كان أكثر حضوراً في الانتخابات الحالية.

ولمعرفة أهمية هاتين الكتلتين الانتخابيتين وحجم تأثير أصواتهما، يكفي أن نشير إلى أنه تم تشكيل كتلة من النواب الأتراك في مجلس الشورى الإيراني في نهاية عام 2016 وقبيل الانتخابات الرئاسية، ضمت نواباً من مختلف التيارات المحافظة والمعتدلة والإصلاحية ووصل عدد أعضائها إلى 100 نائب من أصل 290 نائباً في المجلس.

وتشير بعض الإحصائيات غير الرسمية إلى أن عدد أتراك إيران لا يقل عن ثلث عدد السكان. أما بالنسبة إلى المكون السني فيكفي القول بأنه ما كان للرئيس حسن روحاني أن يفوز من الجولة الأولى في انتخابات عامي 2013 و2017 لولا أصوات المحافظات ذات الأكثرية السنية.

محاولات كسب الصوت التركي

رغم الإطاحة بالدولة البهلوية ذات النزعة القومية الفارسية وتأسيس الجمهورية الإسلامية، ظل الحديث عن الأتراك واللغة التركية في إيران بمثابة خط أحمر بالنسبة إلى التيار القومي الذي يحظى بنفوذ كبير في دوائر صنع القرار.

لكن السنوات الأخيرة شهدت حالة من تزايد الوعي بالهوية التركية لدى شرائح واسعة من المكون التركي الإيراني. هذه الحالة جعلت النظام يتعامل بحذر معها دون رفضها بالمجمل.

لا يعاني أتراك إيران من حرمانهم من تسلم المناصب العليا في الدولة بحكم انتماء غالبيتهم للمذهب الشيعي، لكنهم يطالبون بالاعتراف بحقوقهم القومية والثقافية ومنحهم حقوقاً متساوية مع المكون الفارسي تتعلق بالتعلم باللغة الأم وتدريس لغتهم في المدارس والجامعات في المناطق ذات الأكثرية التركية، إضافة إلى الكف عن استخدام الخطاب القومي الفارسي الذي ينظر للمكونات غير الفارسية كمواطنين من الدرجة الثانية.

في الأسبوعين الأخيرين شهدنا تسابق المرشحين لخطب ود المكون التركي. بدأت هذه المنافسة بحديث المرشح الإصلاحي محسن مهر عليزادة باللغة التركية خلال المناظرات التلفزيونية لمرشحي الانتخابات الرئاسية، واعتراضه على استخدام مصطلح "الناطقين بالآذرية" من قبل المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي، حيث طالب باستخدام مصطلح "الأتراك" بدلاً من "الآذريين"، و"الناطقين بالتركية" بدلاً من "الناطقين بالآذرية".

وحذا حذوه المرشح الإصلاحي الآخر عبد الناصر همتي في مخاطبة مواطنيه باللغة التركية. ولم يقتصر الأمر على المرشحَين الإصلاحيَين، بل حاول المرشحان المحافظان إبراهيم رئيسي ومحسن رضائي أيضاً التودد لهم.

هذه المواقف أثارت غضب القوميين الفرس من أصحاب الحساسية المفرطة تجاه المصطلحات، حيث رأى بعضهم أن استخدام مصطلحي الأتراك والناطقين بالتركية يقوي النزعة الانفصالية، وطالبوا المرشحين بالكف عن استخدام ورقة الأقليات.

كما أصدرت بعض المجاميع العلمية والثقافية كالمجلس العلمي لدائرة المعارف الإسلامية الكبرى وعدد من النواب بيانات انتقدوا فيها استغلال بعض المرشحين للمكونات العرقية، واعتبروا أن وضع اللغات المحلية مقابل اللغة الأم يضعف من وحدة الشعب الإيراني. في المقابل اعتبر الناشطون الأتراك إثارة الموضوع أمراً إيجابياً، وطالبوا المرشحين بتقديم وعود عملية محددة وأكثر وضوحاً.

الطلاق بين الأقلية السنيّة والتيار الإصلاحي

رغم شعارات النظام الإيراني حول الوحدة بين المذاهب الإسلامية ومطالبته الدول العربية التي تقطنها أقليات شيعية برفع التمييز عن مواطنيها الشيعة، ما يزال المكون السني في إيران، والذي تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدده يتراوح بين 15-20 مليوناً، يعاني من التمييز والحرمان من حقوقه الأساسية التي يمكن تصنيفها في ثلاثة محاور: حرمان كفاءاته ونخبه من تسلم مناصب عليا في الحكومة والجيش والقوى الأمنية والسلك القضائي، وعدم تنفيذ المواد الدستورية المتعلقة باحترام قيمه وشعائره وعدم التدخل في شؤونه الدينية، وعدم الاهتمام بالتنمية في المناطق ذات الغالبية السنية.

وكما كان مهر عليزادة المبادر بالحديث عن حقوق المكون التركي، كان أيضاً أول من أطلق الحديث عن مطالب أهل السنة في الانتخابات الحالية، حيث اعترف بممارسة التمييز ضدهم وأنهم لا يحصلون على فرص متساوية مع مواطنيهم. وأقر أن هناك قيوداً مفروضة عليهم حتى في دور العبادة، ووعد برفع التمييز ضدهم وتوظيف كفاءاتهم في المناصب العليا.

كما أعرب المرشح عبد الناصر همتي عن أسفه للنظرة الأمنية للمحافظات ذات الغالبية السنية وتهميشها، ووعد بالعمل على تنميتها وتحويلها إلى مراكز تجارية حيوية، وأعلن أنه سيعين معاوناً له من المكون السني وسيزيد من عدد المسؤولين السنة في حكومته بمقدار ثلاثة أضعاف. كما التقى المرشحان المحافظان إبراهيم رئيسي ومحسن رضائي مع نخب سنية، ووعدا بالعمل على تلبية مطالبهم المشروعة.

لا شك أن توجهات التيار الإصلاحي الذي يدعو لتعزيز حقوق المواطنة والحريات العامة والانفتاح أقرب إلى تطلعات المكون السني من التيار المحافظ الذي يُعتقد أنه لا يؤمن بأن هناك حقوقاً يجب منحها لأهل السنة.

من هذا المنطلق درج المكون السني على دعم مرشحي التيار الإصلاحي، ومن ثم المعتدل منذ منتصف التسعينيات. لكن الدعم المتواصل للإصلاحيين لم يحقق الفائدة المرجوة، وجعل الإصلاحيين يعتقدون أن أصوات السنة مضمونة لصالحهم حتى وإن أداروا لهم ظهورهم بعد انتهاء الانتخابات، وتجاهلوا وعودهم واكتفوا بتنفيذ الحد الأدنى منها. فضلاً عن أنه زاد الشرخ بين النظام والمكون السني بذريعة دعمه لخصوم التيار المحافظ.

إن الإحباط من الإصلاحيين ومرشحيهم، والأجواء الباردة في الانتخابات والمؤشرات على تدني نسبة المشاركة فيها والدعم اللامحدود من قبل النظام للمرشح إبراهيم رئيسي، جعل شريحة واسعة من النخب السنية تصل إلى قناعة مفادها أنه لا جدوى من الرهان على حصان خاسر وتحمل أعباء تأييد التيار الذي دأب على التنصل من وعوده لهم.

من هذا المنطلق أعلن المجلس الاستراتيجي لأهل السنة الذي يضم شخصيات دينية وأكاديمية ونواباً حاليين وسابقين ويحظى بدعم رجل الدين البارز عبد الحميد إسماعيل زهي، إضافة إلى كتلة أهل السنة في مجلس الشورى، عن تأييدهم للمرشح رئيسي ودعوا الناخبين السنة للتصويت له، وطالبوه بالعمل على منحهم حقوقهم المشروعة. في المقابل رفضت جماعة الدعوة والإصلاح إضافة إلى بعض الشخصيات الإصلاحية والمستقلة تأييد مرشح معين وتركت حرية الاختيار للناخبين.

إن حديث المرشحين، وجميعهم من ذوي المناصب العليا في النظام، عن ضرورة إحقاق حقوق المكونين التركي والسني يمثل اعترافاً صريحاً بأنهما يتعرضان للتمييز والظلم.

وعلى الرغم من أهمية أصواتهما في الحالات العادية وقدرة هذه الأصوات على حسم السباق الرئاسي، لا يتوقع أن تؤدي الوعود التي أطلقها المرشحون إلى إقبال الناخبين الأتراك والسنة على صناديق الاقتراع هذه المرة، فأتراك إيران وسنتها جزء من المجتمع الإيراني الذي فقدت شرائح واسعة منه ثقتها بصناديق الاقتراع وقدرتها على التغيير، فضلاً عن أنهم خبروا وعود المرشحين في الانتخابات السابقة، وأدركوا أن القرار بمنح الأقليات بعضاً من حقوقها بيد المرشد والحرس الثوري وحتى مراجع التقليد في مدينة قم وليس بيد رئيس الجمهورية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي