يوم الاثنين الماضي صرّح المتحدث باسم الحكومة الإيرانية على ربيعي قائلاً إن الرئيس حسن روحاني قد تلقى رسائل عديدة من المملكة العربية السعودية مؤخراً، من خلال عدة قادة، ويبدو أنها رسائل إيجابية تدعو إلى محاولات للتباحث بين الخصمين الإقليميين الرئيسيين.

وفي أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تناول رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان نفس الأمر، مصرّحاً بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ووليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ناقشا معه أمر الوساطة الباكستانية بين الرياض وطهران.

بالطبع قد يشعر المتابع للتوترات الأخيرة في المنطقة بالحيرة جراء تلك التصريحات، بخاصة بعد الهجمات الأخيرة على بعض المنشآت النفطية السعودية، واتهام الولايات المتحدة لإيران بأنها المتسبب الأول في تلك الهجمات.

لكن المثير للدهشة والتعجب أكثر كان تصريحات وليّ العهد السعودي نفسه، المعروف بأنه من أشدّ المتشبثين بفكرة محاربة إيران حتى الرمق الأخير. ففي آخر مقابلة تليفزيونية له يوم الأحد صرّح قائلاً إنه "لا يسعى إلى الحرب مع إيران، ويبحث عن حلّ سياسي بدلاً من الحلّ العسكري".

من الغريب أن تأتي تلك المبادرة التصالحية من الجانب السعودي، بخاصة بعد الهجمات على المنشآت النفطية وإعلان المملكة أن الأسلحة المستخدمة في الهجوم إيرانية المصدر، كنتائج مبدئية.

لكن بقراءة متأنية للأحداث يتضح السبب وراء سعي السعودية وراء التهدئة.

فبعد الهجمات السعودية سارعت الولايات المتحدة بإلقاء اللوم على إيران على الرغم من إعلان جماعة الحوثي في اليمن مسؤوليتها عن الهجوم، ونفت طهران تلك المزاعم بشِدّة. يبدو أن السعودية ارتبكت قليلاً أو كانت تنتظر ردّ فعل أمريكيّاً أقوى.

تَوقَّع الجميع أن ردّ السيد ترمب سيكون عسكريّاً حازماً هذه المرة، فقد ظلّ منذ بدء الأزمة بين بلاده وإيران يكرّر مراراً أنه لن يسمح بأي هجوم على الأصول الأمريكية في المنطقة، أو على مصالح حلفائه. لكن على عكس التوقُّع كان ردّ ترمب مزيجاً من التهديدات اللفظية والعقوبات الاقتصادية.

وكان هذا الردّ الباهت بداية برود العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة من جانب، والبحث عن محاولات الوساطة من جانب آخر.

اعتقدت المملكة أن ترمب سيسلك نفس نهج الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي تَبنَّى عقيدة "دون اتفاقيات رسمية"، للدفاع عن المصالح الأمريكية في الخليج بكل قوة. لكن بشكل مفاجئ خرج ترمب على الجميع ليقول إنه لم يَعِد السعودية بأي شيء، وإن الهجوم وقع على المملكة، لا على الولايات المتحدة.

من هنا أدرك وليّ العهد السعودي أن ترمب شريك متقلب المزاج لا يمكن الوثوق به إلى النهاية، وكانت أول إشارة إلى ذلك طلباً مقدَّماً من السعودية إلى كوريا الجنوبية لإمدادها بأنظمة دفاع جوى، والحديث عن موافقة سعودية مبدئيّاً على شراء منظومة الدفاع S-400 الروسية.

من جانب آخر وجدت المملكة نفسها وحيدة في معركتها مع إيران، فدول مجلس التعاون الخليجي بعد الهجمات السعودية انتابتها حالة من الخوف في حال اندلعت الحرب ضدّ إيران، فضلاً عن الضعف الذي انتاب مجلس التعاون الخليجي جرَّاء الحصار على قطر.

من ناحيتها تخشى الإمارات العربية المتحدة التي تُعَدّ حليفاً قويّاً للسعودية من النزاع العسكري مع إيران، لأنها ستكون من أكثر المتضررين، ناهيك بتعلُّمها من تجربتها في اليمن خلال السنوات الخمس الماضية، وعلى عكس محمد بن سلمان الذي كان يرى أن ضرب الجارة الإيرانية هو الحل الوحيد للتخلص منها، يرى وليّ عهد أبو ظبي الأمير محمد بن زايد أن الآثار المترتبة على المواجهة العسكرية ستكون مدمرة للغاية.

لقد باتت تتشكل قناعة أن هزيمة إيران في أي معركة لن تكون بالأمر السهل، إذ يبدو أن هذه الحرب لن يكون ميدانها الأراضي الإيرانية فقط بل ستعمّ غالبية الدول العربية، خصوصاً تلك التي ينشط فيها حلفاء إيران كاليمن والعراق وسوريا.

وفى نفس السياق فإن الحليف الأكبر والمحفّز الأساسي لمحمد بن سلمان في معركته ضدّ إيران، رئيس الوزراء الإسرائيلي، لا يريد الاستيقاظ على كابوس حرب جديدة مع حزب الله الشيعي في لبنان، خصوصاً في ظلّ تعثُّر تشكيل الحكومة وعدم حصوله على أغلبية مريحة في الانتخابات الأخيرة، فضلاً عن قضايا الفساد التي تلاحقه.

يبدو أن المملكة العربية السعودية ووليّ عهدها الذي ما زال يعاني تداعيات مقتل خاشقجي، قد أدركت أن أمن المنطقة لن يتم بالدعم الأمريكي ولا بالحرب في اليمن أو مهاجمة إيران، بل إن أمن منطقة الخليج بأكملها لن يتحقق إلا من خلال الحلول السلمية، بخاصة بين طهران والرياض.

لكن ينبغي أن لا نقع في إغراء حالة الرغبة في السلام الحالية، ففي أي وقت من الأوقات، وربما بخطأ صغير هنا أو هناك من أحد الأطراف، يمكن أن تعود الأمور إلى الاشتعال مرة أخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي