الشخصيّة الخيالية "باتمان" أو فارس الظلام (Others)
تابعنا

حيث تبدأ قصة البطل "بروس" بمقتل والديه أمام عينيه على يد مجرمٍ صغير يُدعى "جو تشيل" وهم في طريقهم إلى البيت، ليعاهد نفسه على محاربة الفساد في المدينة الخيالية "غوثام" سعياً منه إلى حفظ النظام.

يتمثل السبب الجوهري في ارتباط الجماهير حول العالم بشخصية باتمان في كونه بشرياً بلا قدرات خارقة، كما أنّ أعداءه أيضاً بشريون بلا قدرات خارقة، على خلاف أعداء باقي الأبطال الخارقين من الوحوش الضخمة، أو الكائنات الفضائية ذات القدرات الهائلة التي تتجاوز قدرات البشر، وما يُميِّز شخصية باتمان أنه لم يملك قدراته القتالية أو الذهنية أو البدنية من خلال معجزات غير عقلانية، بل عن طريق التعلّم واستخدام التكنولوجيا في تحقيق الأهداف المبتغاة، ومن هنا فإنّ هذا الاختلاف لباتمان عن غيره من الأبطال الخارقين كان له دوره في صناعة شخصيته وقربه من الناس.

وهو ما يُعبّر عنه باللون الأسود والأجواء المظلمة في كهفه الخاص، وطبيعة عمله ليلاً، وأخيراً عبر مجاز الخفاش البصري، كما أنه يعاني من صدمة مقتل أبويه على مرأى ومسمع منه، مما رسّخ فيه كراهية الشر، إلى جانب تأثير عدة شخصياتٍ رئيسية في تحقيقها أبرزهم خادمه ألفرد ورئيس قسم شرطة المدينة جوردون، بالإضافة إلى صديقه روبن "في بعض نسخ الفيلم" الذي يحارب الجريمة معه، إضافة إلى التزامه الأخلاقي بعدم ارتكاب فعل القتل وخاصةً قتل عدوه الألدّ بلا منازع الجوكر.

الفلسفة والسينما.. أين الارتباط؟

تهدف الأدبيّات المُركَّزة مثل الروايات الأيديولوجية والمسرحيات ومجموع الأعمال الأساسية إلى أن تكون مرجعاً مهماً لأفكار كثيرٍ من البشر، من خلال تجسيدها مفاهيم عامة وأنماطاً للمثل العليا التي تؤمن بها، ويُفترض أن تُجسِّد الأدبيات مصدراً مرجعياً مشتركاً لمجموعة من الأفراد ينتمون لثقافة ما، مهما كانت اختلافاتهم.

يمكن القول إن "الأفلام وعروض الصور والرمزيات المتعددة تُشكّل أدبيات أو أعمالاً كلاسيكيّة ومؤلفات أساسية حقيقية"، وخاصةً إذا علمنا أن أعداد مشاهدي الأفلام أكثر من أعداد القرّاء، وخاصةً أنها موجهة للأطفال. كما أنها تتخطى الحواجز الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة مما يجعلها أكثر أثراً وأرسخ قرباً من الجماهير، حيث صارت الأفلام مركزاً مرجعياً مشتركاً تُحلِّل القيم والقضايا الأخلاقية والتساؤلات العامة والفلسفية في إطار من الإنتاج السينمائي المميز والمتاح بسهولة، فالسينما بطبيعتها وسيلة مهمة لشرح المعضلات الفلسفية ومناقشتها، لكن من المهم إدراك الأخطار الكامنة داخلها، حيث يمكن للأفلام أن تُسبِّب تشويشاً بالغاً من خلال صياغتها أو تصويرها أو تلاعبها بالمشاعر، كما أن كثيراً من الأفلام يغذي التحيزات والرغبات البغيضة والمكبوتة من الميول نحو الشر.

معضلات بلا حل

يمكن تلخيص المعضلات الأخلاقية التي عرضتها سلسلة أفلام باتمان بالسؤال الآتي: ما الذي يجعل تصرفاً ما صائباً، سواء من الناحية الأخلاقية أو السياسية؟!

لنعرض المثال الآتي: باتمان مشغول للغاية فهو في لحظة عجز وضعف، حيث يرى في النهر سفينتيْن عاجزتيْن عن التحرك فيه، تحمل إحداهما مجموعة من السجناء فيما تحمل الأخرى ركاباً عاديين، وكلتاهما مفخخة بقنابل جاهزة للانفجار، ويرغب الجوكر "المجرم وعدو باتمان" في إجراء تجرِبة معينة، تُحتّم نهايتها تفجير الركاب لواحدة من العبارتين!

بالطبع باتمان ينقذ الجميع في النهاية، ويمنع الجوكر من تفجير كلتا العبَّارتيْن، لكن من على متن العبَّارة لا علم لديهم بأنه في طريقه لإنقاذهم، ماذا عليهم فعله؟ ماذا عليهم فعله من المنظور الأخلاقي؟

يُظهِر الاشتباك مع الحوار وشخصية باتمان أدلةً كثيرةً على تفسخ المنظومة الأخلاقية الأمريكية، فكراهية باتمان للشر "حسب الفيلسوف ستيفن كيرشنر في بحثه ضمن كتاب (باتمان والفلسفة)" تجعله في منتهى القسوة مع أعدائه بل وأقرب إلى السادية، حيث إنه يستمتع بممارستها ضدهم، وإذا تأملنا المعضلة الأخلاقية في فعل الكُرْه سنجد أنَّ المجتمع الأمريكي يغذي ثقافة الكراهية والعنف بشكل كبير، ولعلنا لا نفتقد الأمثلة الواضحة على انتشار ثقافة العنف والكراهية بين الشعب الأمريكي إزاء جميع الأقليات التي تعيش بين جنبات هذا المجتمع.

وهو ما يمثل أولى فجوات المنظومة الأخلاقية الأمريكية التي تعكسها سردية باتمان، فهو خارج عن القانون، ميّال للتمرّد على سلطة الدولة، يعيش بين معضلتي أخلاق الواجب وأخلاق المنفعة، تتقاذفه أماني القوة والفضيلة وكراهية الشر إلا أنه نفسه لا يستطيع تحقيق الفضيلة دون خرق القانون ومواجهة سلطة الدولة، حيث إن لباتمان تصوّرٌ خاص لإحقاق العدالة والقصاص من المجرمين، وكذا تصوره الخاص لاستخدام القوة والذي لا يخضع إلى الدولة بأي شكل من الأشكال، فضلاً عن أنه يملك من سبل القوة ما يفوق ما تملكه الدولة في كثير من الأحيان، إلا أن السردية ذاتها تنتهي إلى أن باتمان شخص صالح، وتُسوِّغ استخدامه للقوة بهدف مكافحة الجريمة وتحقيق الأمن في مدينة غوثام.

كما أنه لا يستخدم أسلحة نارية ولا يَقتل نهائياً، ولذلك لا يجب أن يساورنا شك في نياته، فهو الأسرع والأذكى ويملك من الأدوات التكنولوجية والأسلحة المتقدمة ما لا يتوفر لدى الدولة، حتى إنه يتجسس على هواتف سكان المدينة رغم أن هذا الفعل خطير وغير أخلاقي، إلا أن جواب صُنّاع الفيلم على لسان باتمان يكون لا ضوابط أخلاقية للوسيلة أمام تحقيق الغاية الاستراتيجية لصالح الكل.

ألا يذكرك هذا بالتجسس الذي تمارسه أجهزة الاستخبارات العالمية سابقاً على هواتف الناس إلى جانب معايير شبكات التواصل الاجتماعي المتحيزة ضد فئات من المظلومين حرصاً على منع انتشار النشاطات الإرهابية، إلا أنه لا يعدو أنه ضبط لحرية الآخرين وتعدٍّ عليها لصالح مجموعة أخرى معيّنة؟

تركز أفلام باتمان بنسخها المختلفة على جوانب متعددة من المعضلات الذاتية والموضوعية، وليس الهدف في النهاية ترسيخ صوابية معينة، وإنما تأكيد أن وجود أخلاقية موضوعية أمر مستحيل، ولذا فإن المعايير تبقى ذاتية أي أنها تميل إلى سيولة لا نهائية. بَيْدَ أنَّ أخطر ما ظهر في السلسلة الأخيرة لباتمان الكشف عن الميول الجنسية لشخصية "روبن" وتعبيره عن حبه رجلاً ومواعدته، مما جعل بعض الدول العربية يمنع عرض الفيلم.

قد تكون شخصية باتمان أقرب إلى تجسيد مفهوم نيتشه عن "الإنسان السوبرمان" من بقية الشخصيات السينمائية الخارقة الأخرى، حيث إن قدراتهم مجرد مواهب أسطورية بينما يتحدى باتمان العالم حوله، إلا أن مشكلته ليست في مواهبه أو قدراته، وإنما في آلية معالجة الواقع حوله، حيث لا صلابة أخلاقية وإنما سيولة لا نهائية، حينها لن تستطيع الحكم على الأفعال بمعايير معينة، ففي لحظات سيُعرَض لك الجوكر وباتمان كوجهيْن لقضية واحدة، وفي لحظات أخرى سيُقدَّم لك القانون وخرقه كضرورتيْن لفضاء واحد، فكيف السبيل للعيش السليم في ظل هذا التناقض؟

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي