(Reuters)

رغم أن نصرالله كان قد مهّد لهذا الإعلان قبل أسابيع من خلال إطلالاته الإعلامية المتكررة، إلا أن الإعلان عن قرب وصول السفن من إيران جاء مفاجئاً لكثيرين، خاصة الذين كانوا يرجّحون بأن الحديث عن إمكانية وصول مشتقات نفطية إيرانية إلى لبنان سيبقى في إطار التهويل، ومحاولة للضغط على المجتمع الدولي لتقديم الدعم للبنان ومساندة اقتصاده الذي يعاني انهياراً غير مسبوق، وأيضاً بسبب الحصار الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة على طهران بسبب تعثر مفاوضات الاتفاق النووي.

فقد شهدت العديد من المحافظات الإيرانية قبل أسابيع مظاهرات احتجاجية على الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، فكيف تقوم طهران في الوقت عينه بإرسال سفن تحمل مشتقات نفطية للبنان لاستخدامها في إنتاج الطاقة الكهربائية! هذا عدا عن أن دفع كلفة هذه السفن، حسب نصرالله، ستكون بالليرة اللبنانية التي تراجعت قيمتها بنسبة قاربت 90%، وليست بالدولار الأمريكي الذي تحتاج إليه طهران لإنعاش اقتصادها.

نصرالله وعلى مدى الأشهر الماضية، وفي سبيل البحث عن مخارج للأزمة التي يعاني منها لبنان كما يقول، دعا السلطة إلى عدم حصر الاعتماد على الغرب كوجهة وحيدة للاقتصاد، مقترحاً التوجه شرقاً ناحية الصين ومعها إيران ودول أخرى.

دعوة نصرالله لم تجد آذاناً صاغية حتى من جانب حلفائه في السلطة، رغم اشتداد الأزمة الاقتصادية والنقدية والاجتماعية، ويمكن تلخيص موقف السلطة بما كشفه وزير سابق قبل أيام من أن رئيس الجمهورية ميشال عون أخبره في لقاء خاص أن "الأميركان بيخربولنا بيتنا إذا تعاملنا مع الصين"، فكيف سيكون الحال إذا تمّ التعامل مع إيران؟!

في حال تأكدت مغادرة السفن الإيرانية مواني طهران فإن ذلك يشكل خرقاً للحصار الأمريكي والغربي المفروض على طهران، وهو ما تعتبره واشنطن خطاً أحمر. رغم ذلك، لم يصدر عن الإدارة الأمريكية أي موقف يتعلق بإعلان نصرالله، واقتصر الأمر على اتصال هاتفي أجرته السفيرة الأمريكية في لبنان دوروثي شيا بالرئيس اللبناني بعد ساعات من كلام نصرالله، أبلغته فيه قرار إدارتها مساعدة لبنان لاستجرار الطاقة الكهربائية من الأردن عبر سوريا عن طريق الغاز المصري.

الخطوة الأمريكية هذه استغلّها أمين عام حزب الله في إطلالته الأخيرة للتأكيد أن الانهيار الاقتصادي والنقدي الذي يعيشه لبنان سببه الولايات المتحدة، متهماً "السفارة الأمريكية بأنها تدير الحرب الاقتصادية والإعلامية على لبنان وتقف وراء التحريض، وهي ليست تمثيلاً دبلوماسياً بل سفارة تواطؤ على الشعب اللبناني".

لم يكتفِ نصرالله بذلك، بل أكّد قرب وصول السفينة الإيرانية الأولى، وأنه تم التفاهم مع المسؤولين في طهران لتجهيز سفينة ثالثة في ظل ازدياد حاجة لبنان إلى استهلاك المشتقات النفطية.

ربما يكون إهمال الإدارة الأمريكية لإعلان نصرالله مرتبطاً بغياب معلومات تؤكد انطلاق السفينة الأولى من مواني طهران، أو أن وصول هذه السفن سيستغرق وقتاً طويلاً وأن التعامل معها يكون بعد اقترابها من لبنان.

لكن المستغرب هو أن الإهمال امتدت عدواه للمسؤولين في لبنان، الذين قابلوا كلام نصرالله بتجاهل وصمت مطبق، ومنهم حلفاء الحزب وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الذي لا يترك في العادة قضية إلا ويعلق عليها.

الأمر نفسه انطبق على حكومة تصريف الأعمال التي يتمنّع رئيسها حسان دياب عن الدعوة لعقد جلسات مجلس الوزراء، وبالتالي هو لا يجد نفسه معنياً بالخوض في مسألة يرجّح كثيرون أنها ستكون عنواناً جديداً للانقسام بين اللبنانيين.

وحده رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي، الذي لا يحظى حتى تشكيل الحكومة بصفة تمثيل رسمية، اعتبر في مقابلة متلفزة أنه "لن يسمح لملف السفينة الإيرانية بأن يعرض لبنان للخطر وللعقوبات"، لافتاً إلى أن "أي موضوع يضر بمصلحة لبنان نحن ضده"، دون أن يُحدد كيف ستتصرف حكومته في حال نجاحه بتشكيلها حين تصل السفن الإيرانية إلى المواني اللبنانية وتقوم بتفريغ ما تحمله من المشتقات النفطية.

حتى هذه اللحظة ما زال البعض يشكك بإعلان نصرالله، وأن المشتقات النفطية الإيرانية لن تصل إلى الأسواق اللبنانية، وأن عقبات كثيرة ستحول دون تحقق هذه الخطوة، وهو سيتكشف خلال أيام قليلة. فحسب خبراء الملاحة يستغرق إبحار السفن التجارية من مواني طهران إلى منطقة البحر المتوسط قرابة أسبوعين، وهو ما شارف على الانتهاء، حتى ذلك الحين فإن أسئلة كثيرة تبحث عن أجوبة لها.

هل سيسمح المجتمع الدولي بكسر الحصار المفروض على طهران، وبغض النظر عن السفن الإيرانية، ويسمح بوصول المشتقات النفطية إلى لبنان، علّها تخفف من حدة الأزمات الحياتية التي يعاني منها اللبنانيون، أم أن تقديم العون للبنان مرفوض كما يقول أمين عام حزب الله، وبالتالي فإنه سيتم اعتراض السفن قبل وصولها؟ وكيف سيتصرف حزب الله إزاء ذلك، خاصة أن أمينه العام اعتبر أن السفن الإيرانية بعد مغادرتها مواني طهران ستصبح أرضاً لبنانية، وهذا يطرح إمكانية أن اعتراض طريقها أو الاعتداء عليها قد يدفع حزب الله لتحريك الجبهة الجنوبية مع إسرائيل؟

ما موقف السلطة اللبنانية وكيف ستتعامل مع وصول النفط الإيراني؟ وهل بإمكانها الاستمرار في سياسة التجاهل وطمر الرأس في الرمال؟ وكيف سيتعامل الغرب مع الدولة اللبنانية الذي ساعد بكسر الحصار الغربي على إيران؟ وهل يتحمل لبنان فرض عقوبات عليه في وقت اقتصاده بأمس الحاجة لأي مساعدة؟

في حال نجاح المشتقات النفطية في الدخول إلى لبنان، ما آلية توزيع هذه المشتقات واستخدامها؟ هل سيستفيد منها جميع اللبنانيين في جميع المناطق، أم فقط في مناطق نفوذ حزب الله وجمهوره ومناصريه؟ وهل ستتدخل المؤسسات المعنية في السلطة بتوزيعها أم تترك الأمر للحزب درءاً لنفسها عن الدخول في مشكلة قد لا يُعرَف منتهاها؟

كل هذه الأسئلة يفترض ألَّا تطول الإجابة عنها مع قرب وصول السفن إلى منطقة البحر المتوسط، لكن المؤكد هو أن هذا الملف ربما يكون عنواناً لأزمة في المنطقة يشكل لبنان المنهار أضعف حلقاتها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً