الجولة الثانية من المحادثات الاستكشافية بين مصر وتركيا، انعقدت بمشاركة وفدين يرأسهما نائبا وزيري خارجية البلدين (AA)

نستطيع القول إن هذه المحادثات كانت إيجابية نظراً إلى البيان المشترك الصادر عن وزارة خارجيتَي البلدين، الذي أكد "رغبة البلدين في إحراز تقدم في قضايا محل نقاش، وتطبيع العلاقات".

قبل أي شيء علينا أن نعي أنها كانت محادثات استكشافية، وطبيعة هذه المحادثات هي الكشف عن القضايا البينية التي تعتبر محل خلاف وجهات نظر بين الجانبين التركي والمصري، والبحث عن أرضية مشتركة من شأنها التمهيد نحو خطوات ذات فاعلية أكبر تسمح ربما على المدى المتوسط باستعادة العلاقات السابقة إلى حد ما.

منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2013 والعلاقات بين تركيا ومصر متوترة إلى حد كبير، فجرى تخفيض التمثيل الدبلوماسي من سفير إلى قائم بأعمال السفارة، فضلاً عن التباين الواضح بين البلدين في ملفات محلية وإقليمية عدة على رأسها ليبيا.

ولذلك فليس من السهل الحديث عن تطور حقيقي في تحسين العلاقات بالمعنى العام وفق المنظور القريب، لكن مع ذلك ما جرى تحقيقه حتى الآن يعتبر خطوة إيجابية يمكن أن تدفع نحو الأمام، لا سيما أن البلدين عبّرا عن رغبتهما في إحراز تقدم، وهذا بحد ذاته نتيجة جيدة تمخضت عنها المحادثات.

بالطبع سبق هذه المحادثات الأخيرة محادثات استكشافية كانت الأولى من نوعها في 5 و6 من مايو/أيار العام الجاري في العاصمة المصرية القاهرة، وكانت محادثات "صريحة ومعمقة" حسب البيان المشترك الرسمي الذي صدر عن كلا البلدين.

ما يميز المحادثات الأخيرة بالذات هو الإفصاح عن تناول الجانبين قضايا ذات اهتمام مشترك إضافة إلى موضوعات إقليمية مثل الوضع في ليبيا وسوريا والعراق وفلسطين وشرق المتوسط، ومن جانب آخر الإعلان عن رغبتهما في تطبيع العلاقات.

وفي الحقيقة من الصواب النظر إلى ذلك باعتباره يمثل خطوة نحو الأمام مقارنة مع المحادثات السابقة، وهذا بدوره يعطي مؤشراً على أن رحلة المحادثات يمكن أن تسير نحو الأمام بشكل تدريجي في المستقبل.

على صعيد آخر فإن توقيت هذه المحادثات كان له بعد لا يمكن التغاضي عنه، إذ جرى الإعلان عنها بعد خطوات إيجابية شهدناها مؤخراً بين أنقرة وأبو ظبي، تمثلت في زيارة مستشار الأمن الوطني الإماراتي إلى تركيا، تلاها اتصال هاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد.

بالطبع يوجد تحالف استراتيجي في مجمل القضايا الإقليمية بين مصر والإمارات والسعودية، والتحسن الأخير في العلاقات بين تركيا والإمارات ربما أثّر بشكل إيجابي على إعادة تحريك ملف المحادثات بين تركيا ومصر.

في ذات السياق وفي حال عدنا قليلًا بالذاكرة نحو الوراء سنذكر الخطوة الإيجابية التي بدأتها مصر إزاء تركيا حينما أخذت بعين الاعتبار الاتفاقية التي وقعتها تركيا مع ليبيا عام 2019، خلال طرح القاهرة مناقصة للبحث عن الطاقة شرقي البحر المتوسط في مارس/آذار الماضي، وفي ذلك الوقت رأينا كيف رحبت أنقرة بشدة بهذه الخطوة وثمّنتها عبر تصريحات جاءت على لسان العديد من كبار المسؤولين الأتراك.

إضافة إلى ذلك الهدوء النسبي الذي خيم على المشهد الليبي منذ مطلع العام الجاري، وهو ما مهد بشكل كبير لبدء محادثات عملية بين الجانبين. وفي المقابل أيضاً بادرت تركيا بخطوات عدة خلق جوّاً إيجابياً مهّد لهذه المحادثات، وهو ضمن مساعي أنقرة أصلاً في تخفيف التوترات مع الدول الإقليمية منذ أن أعلنت ذلك أواخر العام المنصرم 2020، تزامناً مع تغير الإدارة الأمريكية من جهة وتحقق المصالحة الخليجية من جهة أخرى.

ماذا تريد أنقرة من القاهرة وماذا تريد الأخيرة من أنقرة؟

هذا السؤال لا شك أنه كان محور المحادثات الاستكشافية الماضية بين البلدين، ومن الممكن أن يكون البلدان خلصا إلى نقاط مشتركة تمثل القضايا الأخف وطأة كنقطة انطلاق نحو قضايا أكثر تعقيداً يمكن أن يتبلور النقاش حولها لاحقاً.

قبل الإجابة عن السؤال يجدر الإشارة إلى أن الأولوية في نوعية الملفات تختلف بين أنقرة والقاهرة. بعبارة أخرى القضايا التي تمثل أولوية بالنسبة إلى أنقرة تختلف عن القضايا ذات الأولوية بالنسبة إلى القاهرة.

تنظر أنقرة بالدرجة الأولى إلى شرق المتوسط ثم الملف الليبي باعتبارها قضايا ذات أولوية خلال محادثاتها مع القاهرة، بينما تُعتبر الأولوية بالنسبة إلى القاهرة مسألة المعارضة المصرية الموجودة في تركيا ثم الدور التركي في دول عربية مثل سوريا وليبيا.

إلا أن هذه المسائل تأخذ طابعاً معقداً إلى حد كبير، يصعب تجاوزه في المرحلة القريبة، حيث تلعب وجهات النظر المختلفة فضلاً عن المبادئ دوراً بارزاً في عدم تحقيق اتفاق كلي يرضي الطرفين، ولذلك يرى الجانبان أن الأفضل هو الاتفاق على نقاط مشتركة غير معقدة يمكن أن تكون نقطة انطلاق نحو التفاهم بصيغة ما حول تلك الملفات الشائكة.

على سبيل المثال تعزيز العلاقات التجارية الجيدة بين البلدين وعودة السفراء وعقد لقاء يمكن أن نشهده قريباً بين وزيرَي خارجية البلدين، عناصر ذات اهتمام مشترك يمكن اعتبارها نقطة انطلاق لخلق جو أكثر إيجابية والوصول بالعلاقات إلى مستوى أكثر هدوءاً.

وتوجد مؤشرات بالفعل تدل على سير البلدين ضمن هذا النطاق، مثل تخفيف لهجة وسائل الإعلام والحديث عن تحسن ملحوظ في التبادل التجاري وما ذكرناه من احترام القاهرة لحدود أنقرة المائية في شرق المتوسط ومبادرة تركيا بالحديث حول إمكانية الاتفاق مع مصر على ترسيم الحدود المائية.

ما مستقبل المحادثات بين تركيا ومصر؟

لا توجد ثوابت تقيد العلاقات بين الدول، وهذا النوع من المحادثات بين أي دولتين هو أمر طبيعي لا سيما حينما يكون بين دولتين إقليميتين تتمتعان بثقل وفاعلية في المنطقة، ولذا ليس من الصواب التشاؤم أو التفاؤل بشكل مطلق.

توجد ملفات شائكة عدة بين تركيا والولايات المتحدة ربما تتجاوز حجم التوتر بين تركيا ومصر، لكن مع ذلك يوجد تواصل دائم ونقاش مباشر بين البلدين، والعلاقات بطبيعتها لا تحتم على الدول أن تكون إما حليفة وإما متصارعة.

تسير العلاقات بين تركيا ومصر ضمن مسار إيجابي، وما جرى تحقيقه حتى الآن يعتبر مبشّراً بالتقدم نحو الأمام، إلا أنه لن يحدث بشكل بوتيرة متسارعة نظراً إلى الفجوة الزمنية العميقة التي تبلغ نحو ثماني سنوات من جهة، وتباين وجهات النظر من جهة أخرى.

على المدى القريب من المتوقع أن يتحقق لقاء على مستوى وزيرَي خارجية البلدين، ولا شك أن النقاش حينها سيكون مثمراً بشكل أكبر مما هو عليه الآن، من أجل التوصل إلى هدف يسعى إليه البلدان هو تطبيع العلاقات، وهذا يعني أن الاتفاق أو توحيد وجهات النظر حول ملفات شائكة ليس من ضمن الأهداف القريبة، بل جل ما يرغب به البلدان هو التمهيد لتطبيع العلاقات.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي