من بين تجارب التحوُّل الديمقراطي في العالم العربي، يبدو أن التجربة التونسية هي التي تمشي في خطى ثابتة نحو الديمقراطية، وهذا ما يجلعها محطّ أنظار أتباع الثورات المضادة، وذلك من أجل وأدها.

وقوف قيس سعيد في صف الثورة ومبادئها ومساندته المعلنة لقضايا الشعوبالعادلة جمع له أعداء من الداخل والخارج
وقوف قيس سعيد في صف الثورة ومبادئها ومساندته المعلنة لقضايا الشعوبالعادلة جمع له أعداء من الداخل والخارج (AP)

يبدو التحليل وفق نظرية المؤامرة سهلاً ومريحاً. فالآخر هو الشيطان وعليه تُرمَى الصعوبات، وبه يبرَّر الفشل، وتُنقَذ الذات من أخطائها. ولكن اجتناب التحليل بنظرية المؤامرة لا يمكن أن يخفي أن مؤامرة تتآلف عناصرها فعلاً وتنسجم فعالها في خط واحد يمكن رؤيته وتأكيده واعتماده أداة في التحليل.

وهو ما نعتزمه في هذا التخليص المبسط لتآمر جهات كثيرة على تجربة تونس الديمقراطية بما يسمح بالقول إنه توجد جبهة مضادة لهذه التجربة، وإنها تتملك خطة مكتملة لمنعها من الاكتمال والتبلور كنموذج قيادي للمنطقة العربية الباحثة عن تأسيس ديمقراطية سياسية، وبناء أنظمة سياسية مقبولة شعبيّاً، وبناء دول ذات تأثير في الساحة المحيطة بها. فمَن المتآمرون على الثورة التونسية وتجربة الحكم الديمقراطي فيها؟ وما دوافعهم أو ماذا يريدون؟ وإلى أين وصلت مؤامراتهم حتى الآن؟

المتآمرون كثر

ويجمع بينهم الخوف من الديمقراطية ولو في حدّها الأدنى، لأن الديمقراطية إذا بدأت فقليلاً ما تنتكس إلى الوراء، بل هي تنتج آليات تقدمها نحو الاكتمال والفعل، وهو ما نعايشه في التجربة التونسية المتعثرة على طريق التقدم العسير.

يأتي في مقدمة المتآمرين المستعمر القديم الذي هيمن بواسطة حكومات غير ديمقراطية على مقدرات البلد، وساند الحكم المطلق والمظالم المسلطة على شعب متعلم وطموح.

فالديمقراطية بدأت طرح الأسئلة الصعبة عن الماضي وعن المستقبل حتى وصل الأمر إلى حد المساءلة القانونية عن الاتفاقيات المجحفة، وعن الثروات المنهوبة، وكشفت التواطؤ الداخلي مع المستعمر الذي بدأ يحسب خساراته أمام الديمقراطية الناشئة.

لقد تَبيَّن أن المستعمر القديم لا يريد للتجربة أن تتقدم، فكل خطوة في اتجاه الديمقراطية تعني قطع أسبابه بالبلد، وقد تمرّ إلى محاسبة تاريخية عن النهب الاستعماري المستمر منذ قرنين ونصف.

ثم نجد الخائفين من الديمقراطية كنظام سياسي يمنع الحاكم من الاستبداد ويقدّم رأي الشعب بوساطة الصندوق الانتخابي كمصدر وحيد للشرعية السياسية ومشروعية الحكم. لذلك نجد كل الأنظمة الديكتاتورية تقف ضدّ التجربة التونسية، وفي مقدمة هؤلاء الجيوش العربية الحاكمة ولو من وراء قناع مدني، والأنظمة الملكية المعادية لكل تغيير في أساليب الحكم.

ولا غرابة أن نعاين التقاء المستعمرين القدامى والأنظمة الدكتاتورية والجيوش الفاسدة في تحالف موضوعي يتحرك بقوة وإحكام لإجهاض تجربة تونس التي أفلتت من بين أيديهم حتى الآن وإن لم تصل إلى برّ الأمان بعد.

دون أن نغفل في كل المواقع عن مساهمة الكيان الصهيوني في العمل على إعاقة كل تجارب التحول السياسي الديمقراطي في تونس وفي المنطقة العربية برمتها. إنه لقاء موضوعي مع العدو يقف في قلبه اليسار العربي واليمين الوهابي والعسكر الخياني والقوى الاستعمارية.

غير أن هؤلاء جميعهم لا يتحركون من الخارج فقط، بل لديهم أدوات في الداخل الوطني. وهذه الأدوات هي فلول النظام الذي أسقطته الثورة، وتواصل الديمقراطية تفكيك مكوناته. وإليهم ينضمّ بشكل موضوعي كثير من قوى الداخل التي حجّمها الصندوق، وكشف هوانها على الشعب المنتخِب (مالك حريته وإرادته بفضل الديمقراطية)، فأقصاها بلا رحمة فلم يبق لها إلا التآمر مع الخارج لتخريب الداخل متذرعة بشكل مثير للشفقة بمحاربة الرجعية الدينية.

ورغم أننا نتحدث عن إعاقة التجربة التونسية، فإن المشهد يُقرأ بشكل أفضل في التحالف القائم مع المخرِّب حفتر في ليبيا، حيث يحظى بدعم غريب من القوة الاستعمارية (فرنسا) ومن ممالك النفط (السعودية والإمارات) ومن العسكر العربي (عسكر مصر)، والهدف هو منع ليبيا من التوحد وبناء تجربتها الجديدة في الحكم الديمقراطي.

هل يفلح المتآمرون في إعاقة التجربة الديمقراطية؟

الخطر قائم دوماً، والانتكاسة واردة، فالقوى غير متعادلة، والمعضلات الاقتصادية التي توجهها التجربة عسيرة على الحل السريع المطمئن لشعب محتاج إلى الخبز ويطمح إلى الرخاء.

ولكن يتبلور عنصر حماية في مسيرة متعثرة، لقد بدأ الشعب التونسي يثق بنفسه ويؤمن بحقه في الحرية، ويستشعر فائدة الديمقراطية رغم التثبيط المستمر من قوى الداخل قبل القوى الخارجية المعادية له ولتجربته.

وهذه ضمانة قوية تَجلَّت في ميل انتخابي جارف إلى قيس سعيّد الذي تحدث عن حماية التجربة، ودفع الحريات إلى الأمام، وطرح مسألة السيادة الوطنية في مقدمة برنامجه. ورغم أنه يتأخر -أو يتأنى- في تحقيق وعوده الانتخابية، فإن مجرَّد الميل إلى هذا الخطاب كان عنصر تطمين ودفع للتقدم، وحتى إن لم يفلح في تنفيذ وعوده فإن الحاصل في الوعي يترسّخ بسرعة. الشعب انتبه لمكاسبه وبدأ يحميها ويرتّب شعاراته وفعاله على ذلك، بما يعزز الديمقراطية في الداخل ويحميها من التآمر الخارجي.

ما زال أعداء التجربة يملكون الكثير ولديهم أوراق فاعلة أهمُّها الحصار الاقتصادي للتجربة، فضلاً عن تآمر الداخل الخاسر من الديمقراطية، وبالتحديد فلول النظام واليسار الذي يستعمل النقابة في معاركه السياسية بكل شراسة، وهما متحالفان موضوعيّاً لإعاقة التجربة التي تسحب من تحت أقدامهم كل حظوظ المشاركة في غنائم السلطة التي طالما تمتعوا بها دون رقيب شعبي.

لكن هنا أيضاً نجد بشائر نجاح، فتصويت التونسيين في 2019 كان في جزء منه ضدّ اليسار، فخرج من المشهد، مما اضطرّه إلى كشف عدائه للديمقراطية بتحالفه الصريح مع فلول التجمع المخلوع.

التجربة التونسية تتقدم بخطى وئيدة، وأعداؤها يرون ذلك ويتملكهم الخوف، ولكن الأمل قائم، فالشعب التونسي تَدرَّب على الحرية، ولا نراه يفرِّط فيها من جديد. إن الحرية هي ضمان نجاح الثورة والتجربة، ومَن يُرِد لها التقدُّم فعليه أن يحمي الحريات. الحرية هي ورقة الثورة التونسية الرابحة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي