إحدى طائرات سلاح الجو التركي (Others)

إذ كانت أنقرة جهزت خططها الاستراتيجية منذ 2010 لتطوير القوة الجوية اعتماداً على الحصول على هذه المقاتلات التي كان من المفترض أن توفر لها تفوقاً عسكرياً على منافسيها في المنطقة.

ولهذا الأمر حاولت تركيا جاهدة أن تجد حلاً للعودة إلى برنامج مقاتلات F-35 لتغطي احتياجاتها الاستراتيجية، ومع وجود صعوبات في الوصول إلى ذلك حاولت البحث عن بدائل تحقق لها أهدافها وتمنع دخولها مصادمات كبيرة بخاصة مع واشنطن، ومن جهة أخرى كانت تركيا دفعت 1.4 مليار دولار جزءاً من مساهمتها في البرنامج، وهي تريد استثمار هذه الأموال في مجالاتها الحيوية، ولهذا برزت فكرة صفقة طائرات F-16 محدّثة للارتقاء بكفاءة القوات الجوية والاستفادة من الأموال المدفوعة.

ووفقاً للأرقام الرسمية تمتلك تركيا 245 طائرة من طراز F-16، ومع أمل الحصول على 40 طائرة F-16 فايبر جديدة وترقية 80 من التي تمتلكها سيصبح لدى تركيا 120 طائرة من F-16 فايبر، ما سيسد عجزها في القوة الجوية لنحو 10 سنوات على الأقل.

ولأن هذه العملية تؤثر بشكل كبير في التوجه الاستراتيجي لتركيا والخطط الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة، فليس معروفاً هل تركيا هي التي بادرت بفكرة صفقة F-16 أم إدارة بايدن بدافع خشية حدوث تحول لدى تركيا باتجاه الشرق وروسيا تحديداً، وعلى كلٍّ يعتبر الأمر مصلحة لتركيا والولايات المتحدة.

احتياجات تركيا

وكما ذكرنا فإن تركيا بحاجة إلى تلبية متطلباتها الدفاعية في القوة الجوية، فلم يكتمل بعدُ مشروع تركيا لإنتاج المقاتلة الوطنية التي تعتبر نسخة محدثة للجيل الرابع من الطائرات والتي أيضاً قد يتأخر إنتاجها حتى ما بعد 2030، مما يعني دخول الدول المنافسة مرحلة الجيل السادس من القوة الجوية.

كذلك فإن تركيا تعتقد أنها لا تستطيع الاعتماد تماماً وبشكل كافٍ على منظومة S-400 الدفاعية من دون قوة جوية رادعة، ومن جهة أخرى رغم دخول تركيا على خط الدول المتقدمة بسلاح الطائرات المسيّرة فإن هذا السلاح غير كافٍ لحماية قطاع القوة البحرية المتقدم بتركيا أمام المقاتلات التي تمتلكها الدول المنافسة. وعلى الصعيد الدولي يمكن لتركيا من خلال الدخول في صفقة F-16 أن تتجنب عقوبات قانون جاستا الأمريكي.

وعلى الجهة الأخرى تدرك إدارة بايدن أن تركيا تريد بشكل حتمي تغطية احتياجها الأمني بأي طريقة، بخاصة في ظل حصول منافسيها على قدرات أكبر في المجال الجوي وعلى رأسهم اليونان التي حصلت على طائرات رافال الفرنسية وإسرائيل بطائرات F-35 وحتى روسيا التي تمتلك سو-35 وسو-57.

كما تدرك إدارة بايدن أن تركيا إذا وجدت طريق الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة مغلقاً أمامها في هذا المجال الاستراتيجي وبشكل مكرر منذ رفض طلبها لمنظومة باتريوت الدفاعية وإخراجها من برنامج F-35 فسيكون أحد خياراتها روسيا بوتين التي لن تتردد بالتقاط الفرصة ويمكن أن تقدم لتركيا خيارات إضافية كالمساعدة بتطوير المقاتلة التركية المحلية، وهذا ليس مستحيلاً بخاصة أن بوتين قدم لتركيا تكنولوجيا S-400 وهو أمر كانت ترفضه واشنطن دائماً.

ويمكن هنا استحضار قول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: "إن أنقرة ستلبي احتياجاتها الدفاعية من أماكن أخرى إذا لم تساعدها واشنطن بهذا الصدد"، معبراً عن أمله أن تسود الصداقة مع الولايات المتحدة رغم البداية التي وصفها بغير الجيدة مع إدارة بايدن". وذلك خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة على هامش اجتماعات الأمم المتحدة.

وبعد تصريحات أردوغان الغاضبة حصل بعض التطور فجرت منذ عدة أسابيع مباحثات بين تركيا والولايات المتحدة على مستوى وزارة الدفاع حول صفقة طائرات F-16 قبل لقاء أردوغان-بايدن على هامش قمة العشرين بروما نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2021 التي يعتقد أن بايدن أبدى فيها رغبة إتمام هذه الصفقة.

عقبات أمام الصفقة

يرفض أعضاء كثر من الكونغرس الأمريكي حالياً إعطاء مزايا لتركيا، انطلاقاً من موقف عام مناهض لتركيا وإن كان بايدن وعد أردوغان بالسعي لإقناع الكونغرس فإن الواقع يشير إلى وجود صعوبات بذلك، فقد أرسل 41 عضواً بالكونغرس بعد يوم من لقاء روما رسائل إلى وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن توضح معارضتهم صفقة F-16 مع تركيا بحجة أن طائرات F-19 تتعارض مع منظومة S-400 الروسية وتعرض المعلومات الأمنية الأمريكية للخطر.

وعلى كل الأحوال ستأخذ عملية إقناع بايدن للكونغرس وقتها إن لم تكن في سياق خطة إلهاء تجاه تركيا، أما إن كان بايدن جاداً وتوافر تقدير موقف لدى الإدارة الأمريكية يرى ضرورة إتمام الصفقة حتى لو عارض الكونغرس فيستخدم بايدن حق النقض.

ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو هل سيتحدى بايدن الكونغرس بهذه الفترة الحرجة التي تتراجع شعبيته فيها داخلياً ومع خسارة الديمقراطيين بعض انتخابات حكام الولايات أمام الجمهوريين مثلما حصل في فرجينيا؟

ختاماً يبدو أن صفقة مقاتلات F-16 ستكون بمثابة اختبار حاسم للعلاقات التركية الأمريكية فإن تمت الصفقة فسوف تخفف من التوتر الموجود وسوف توفر لتركيا نوعاً من تنوع مصادرها الدفاعية، وقد يرتبط الأمر بمدى تقبل تركيا لبعض الشروط كتقييد عمل منظومة S-400، أما إن فشلت الإدارة الأمريكية بالتزام تعهداتها فيوجد مساران، أحدهما حصول تركيا على بدائل من دول غربية كفرنسا وبريطانيا وقد يكون الأمر في حالة بريطانيا أسهل، وهذا المسار أفضل لواشنطن من المسار الثاني بتوجه تركيا إلى الحصول على المقاتلات الروسية، وقد صرح وزير الخارجية التركي مؤخراً بأن روسيا بديل حاضر لتأمين احتياجات تركيا الدفاعية.

لقد نجح أردوغان في وضع الكرة بملعب بايدن، ولهذا فإن موقف بايدن الداعم لإتمام الصفقة بشكل حقيقي سيفتح متنفساً جديداً للعلاقة التي تنعكس على الشركاء الآخرين في الناتو، وإذا رفض فسيكون قد أعذر تركيا في البحث عن الفرص البديلة لتأمين احتياجاتها الدفاعية في ظل بيئة دولية تنافسية بدرجة كبيرة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي