تبدد الموقف الفلسطيني الموحد بعد إعلان حركة فتح تأجيل زيارة وفد فصائل المنظمة لغزة تحت مبررات واهية، الأمر الذي عكس عدم جدية فتح تحديدا في تنسيق الجهود مع حماس لمواجهة الصفقة على خلفية الخلاف معها ورفض إنجاز المصالحة.

تميزت المواقف العربية من صفقة القرن بأنها إما متواطئة أو متخاذلة أو ضعيفة، ولحقت بها جامعة الدول العربية المتحكم بها مصريا، الأمر الذي كشف ظهر الفلسطينيين وجعلهم وحدهم يعانون في مواجهة هذه المؤامرة.

ولم تخرج الدول الإسلامية عن إطار الضعف والتخاذل في مواجهة الصفقة، فلم يكن لمنظمة المؤتمر الإسلامي أي دور يذكر لأسباب معروفة، فيما تميز الموقفان الإيراني الرافض لها جملة وتفصيلا، والتركي المتحفظ عليها والمنتقد لها بشدة.

أما المواقف الأوروبية، فهي في الإطار العام تدعم الصفقة مع بعض التحفظات عليها في القدس والمستوطنات. ولم يكن الموقف الروسي بعيدا عن هذا الإطار فهو غير فاعل ولا يستطيع مواجهة أميركا، بل إنه متواطئ مع العدو الإسرائيلي.

وهكذا بقي الفلسطينيون العنصر الأهم الرافض لها رسميا وشعبيا وعلى مستوى الفصائل، مع وجود تباينات في هذه المواقف تحول دون موقف موحد وواحد يرفض الصفقة.

الموقف الصعب

ويمكن القول إن الشعب الفلسطيني بات يشكل العقبة الأهم أمام تطبيق الصفقة على الأرض، وإن كانت المقاومة الفلسطينية هي العمود الفقري للموقف الرافض للصفقة والمتصدي لها.

ويزيد من أهمية هذا الموقف أن تطبيق الصفقة سيكون على حساب الفلسطينيين دون غيرهم، فلا دولة حقيقية، بل جزر متفرقة يربطها طرق وأنفاق تمر بالكيان، والقدس عاصمة موحدة للعدو، وللفلسطينيين عاصمة جديدة في أبوديس، ومصادرة إسرائيل لـ 30% من الضفة، وضم غور الأردن.

أما حل قضية اللاجئين فسيكون في إطار التعويض والتوطين عربيا وأوروبيا. كما سيتم تجريم المقاومة ومحاولة نزع سلاحها.

ولهذا كانت المواقف الفلسطينية موحدة في رفض الصفقة ابتداء من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومرورا بفصائل منظمة التحرير والفصائل المعارضة داخلها وخارجها، وصولا لفصائل المقاومة الممثلة بحماس والجهاد.

وخرجت المظاهرات المنددة بالصفقة- المؤامرة في كل الأراضي الفلسطينية، وتم التداعي للقاء جامع في غزة يرسم استراتيجية المواجهة والرفض.

ولكن سرعان ما تبدد الموقف الموحد بعد إعلان حركة فتح تأجيل زيارة وفد فصائل المنظمة لغزة تحت مبررات واهية، الأمر الذي عكس عدم جدية فتح تحديدا في تنسيق الجهود مع حماس لمواجهة الصفقة على خلفية الخلاف معها ورفض إنجاز المصالحة.

عدم جدية عباس

ورغم أن الصفقة تستهدف الكل الفلسطيني وتهدم مشروع التسوية الذي أنجزته السلطة عام 2003 مع إسرائيل، وتضعف بالتالي حركة فتح (حزب السلطة)، إلا أن الموقف السلبي من حماس فرمل توجه التوحد معها لمواجهة الصفقة عبر الاستفادة من الموقف الداخلي (كما تفعل إسرائيل)، وعبر الاستفادة من قوتها وفاعليتها في مقاومة العدو لتشكيل سد منيع أمام محاولات تذويب القضية وإنهائها، وإضعاف السلطة وتجريدها من مقومات وجودها وحرمانها من تحقيق رؤيتها بإعلان الدولة المستقلة على الأراضي المحتلة!

ويبدو أن هذا السلوك ليس بعيدا عن الموقف الحقيقي للسلطة الذي لا يزال يعول على إمكانية الاستمرار بعملية التسوية، والوصول فيها لحل سياسي يحفظ ماء وجه الذين تفاوضوا وتعاونوا مع الاحتلال لملاحقة المقاومة وفقا للاتفاقات السياسية والأمنية التي أبرموها.

ويبدو أن عباس لا يزال يتجاهل الدور المتآمر للدول العربية والذي كشفه جاريد كوشنر عراب الصفقة وصهر ترمب، معتبرا أن الفلسطينيين لم يستفيدوا من الفرص التي سنحت لهم.

كما أنه يتجاهل أن الإمارات ومعها السعودية يسعيان للدفع بخصمه اللدود محمد دحلان لوراثته باعتباره الشخص الأكثر قدرة على تقديم التنازلات للعدو وتمرير صفقة القرن. 

وقد أعلن الرئيس الفلسطيني خلال اجتماع طارئ للجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة أنه أبلغ إسرائيل والإدارة الأميركية بـ "قطع كل العلاقات معهما بما فيها العلاقات الأمنية"، وذلك ردا على خطة السلام التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

كما وصف عباس خلال اجتماع عقد بمقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله بحضور ممثلي الفصائل الفلسطينية الخطة بأنها صفعة العصر، وأن الشعب الفلسطيني سيلقي بها في مزابل التاريخ، مشددا على أن القدس ليست للبيع، ومعلنا البدء في إجراءات لتغيير الدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية مع استمرار الكفاح ضد الاحتلال.

إلا أن مصداقية هذا الموقف المعلن لم تصمد أياما قليلة. فخلال زيارة لرام الله قامت بها مديرة وكالة المخابرات الأميركية جينا هاسبل بعد يومين من إعلان الصفقة، أبلغت من مسؤول المخابرات الفلسطينية ماجد فرج بأن العلاقة مع أجهزة الأمن الفلسطينية والمخابرات الأمريكية لن تتضرر. كما أن التنسيق الأمني مع المخابرات الإسرائيلية لا زال قائماً مع تهديده فقط بقطع التنسيق مع إسرائيل إذا طبقت الصفقة على الأرض.

كما عاد عباس وقال خلال اجتماع للحكومة الفلسطينية في رام الله، بتاريخ 3 فبراير/شباط "إذا استمر الأمريكيون في هذا المشروع فالمقاطعة موجودة". وإن التنسيق الأمني مع الاحتلال سيتم إعادة النظر فيه.

ولذلك، فإن تصريحات عباس النارية ضد الصفقة لم تكن إلا للاستهلاك المحلي، ومحاولة لخديعة الفلسطينيين وامتصاص نقمتهم.

أما التنسيق مع المقاومة فليس واردا لأنه يعني إنجاز المصالحة، واقتسام القرار السياسي، وتقديم تنازلات للمقاومة تتمثل بالانتخابات الحرة والنزيهة، وإعادة تشكيل منظمة التحرير لتستوعب قوى المقاومة وإنهاء احتكار فتح للقرار السياسي الفلسطيني ووقف التنسيق الأمني ما يعني وقف امتيازات الاحتلال لقيادات السلطة.

على أي حالسواء وافقت فتح أم لم توافق، فإن مساعي التوصل للوحدة الفلسطينية ستستمر في مواجهة استحقاق تصفية القضية، حيث سيتم العمل على تشكيل جبهة موحدة ضد الصفقة، وإنهاء احتكار فتح للموقف الفلسطيني الرسمي، ووقف اتفاقيات التسوية التي قادت للصفقة وفشلت في تحقيق الاستقلال والتحرر من الاحتلال.

وسيشكل الفلسطينيون رافعة كبيرة لاستنهاض الموقف الشعبي العربي للقيام بدوره لدعم المقاومة ورفض الصفقة والتصدي للأدوار المتآمرة لبعض الأنظمة العربية.

وبالفعل، فقد رد الفلسطينيون على الصفقة بعمليات مقاومة ومواجهات مع الاحتلال في القدس وغيرها.

إن صفقة ترمب التي صاغها اليمين المسيحي المتشدد والمتحالف مع اليمين الإسرائيلي لن يكون لها فرصة للنجاح لأنها ستظل مرفوضة من الشعب الذي تستهدفه، والأمة التي تدعمه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي