لم تكن مجرد انتخابات تجديد نصفية، لقد كانت استفاء على شعبية أكثر الرؤساء جدلا في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الحديث.

ذهب الأميركيون أول أمس الثلاثاء 6 نوفمبر/تشرين الثاني إلى صناديق الاقتراع بأرقام قياسية للإدلاء بأصواتهم في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018 على مقاعد مجلس النواب، وثلث مقاعد مجلس الشيوخ، و50 من حكام مجالس الولايات، في أول انتخاباتٍ على مستوى البلاد منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترمب منصبه عام 2017.

وفي حين أنَّ اسم ترمب لم يكن موجوداً في ورقة الاقتراع، كانت هذه الانتخابات بمثابة استفتاءٍ على أدائه الوظيفي، بينما يحظى الرئيس الحالي بأقل معدلات شعبية حظي بها رئيسٌ بعد نصف مدته. إذ أعلن 42% من المشاركين في استطلاع رأي معارضتهم لترمب، مقابل إعراب 28% أنَّ تصويتهم كان إشارةً إلى تأييد الرئيس الحالي.

باختصار، كانت هذه الانتخابات بمثابة منافسة بين هؤلاء الذين أرادوا تقويض سلطات ترمب الرئاسية وأولئك الذين يريدون تعزيزها، وهي حقيقة أقرها ترمب حينما قال: "اسمي ليس موجوداً في بطاقة التصويت، لكنَّني موجود فيها؛ لأنَّ هذا أيضاً استفتاءٌ على أدائي".

أغلبية كبيرة من المصوتين غير راضية عن مساعي ترمب لتقسيم الأميركيين على أسسٍ عرقية.

جي سي ويرلمان

كانت النتيجة واضحة ولا لبس فيها: أغلبية كبيرة من المصوتين غير راضية عن مساعي ترمب لتقسيم الأميركيين على أسسٍ عرقية، وقراراته ذات الدوافع العنصرية (حظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة وإرسال قواتٍ أميركية إلى الحدود المكسيكية)، وهجماته على المؤسسات والمبادئ الديمقراطية والصحافة الحرة، وتجاهله التام للحقيقة، وهي حقيقة أكدها إدلاء ترمب بأكثر من 6000 تصريح كاذب أو مضلل منذ توليه الرئاسة.

علاوةً على ذلك، أظهر المصوتون الأميركيون أنَّهم ما زالوا يميلون إلى ديمقراطيةٍ تحكمها الضوابط والتوازنات، وعبروا عن انزعاجهم من إصرار الحزب الجمهوري -أو بالأحرى تخاذله الأخلاقي- على رفض إدانة دوافع ترمب السيئة وتهوره، وفي الوقت ذاته منع أي تحقيقاتٍ فعلية بشأن أخلاقياته وانتهاكاته الدستورية.

هل يتجه الديمقراطيون إلى عزل ترمب أم لا؟

في ظل سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب وعودة الوظائف الرقابية للكونغرس، ربما يُقيَّد سلوك ترمب ويبدأ التحقيق فيه جدياً للمرة الأولى منذ توليه الرئاسة، وهو ما قد يؤدي إلى أسوأ كوابيس ترمب: العزل.

وفي حين تجنبت أبرز شخصيات الحزب الديمقراطي الإشارة إلى عزل ترمب في حملاتهم قبل الانتخابات الحالية، خوفاً من أن تؤدي مثل هذه الإستراتيجية الانتخابية إلى تحفيز وحشد حتى أنصار ترمب غير المتحمسين، يملك مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية الآن الأصوات اللازمة لإقالة الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة. وستنقل أي عملية في هذا السياق القضية إلى مجلس الشيوخ، حيث يُشترط الحصول على أغلبية الثلثين لإقالة ترمب من منصبه. لكنَّ الجمهوريين أضافوا إلى أغلبيتهم في مجلس الشيوخ بعد هذه الانتخابات.

وفي حين لا يمكن لأحد التأكد من الاتجاه الذي سيتخذه الديمقراطيون بمجرد أن يؤدي أعضاء الكونغرس الجدد اليمين الدستورية في يناير/كانون الثاني المقبل، من المرجح أنَّهم سيتجنبون عزل ترمب؛ لأنَّهم يعلمون أنَّ مثل هذا الطريق محفوف بالمخاطر السياسية، ويدركون تماماً كيف رفعت جلسات الاستماع بشأن عزل الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عام 1998 من أسهمه وأضعفت نفوذ الحزب الجمهوري.

سيكون المسار الأكثر احتمالاً هو ملاحقة الرئيس الأميركي بالتحقيقات المتعلقة بالرقابة والأخلاقيات، التي ستتحرى بدقة تعاملات ترمب المالية المشبوهة قبل انتخابات عام 2016 وبعدها.

ويمكن لنا تخيل فزع ترمب حينما يُصدر الديمقراطيون مذكرة استدعاء لاستجوابه بشأن عائداته الضريبية، وهو الأمر الذي سعى جاهداً لإخفائه عن الرأي العام الأميركي.

وأوضح الكاتب الأميركي لاري بينهارت قائلاً: "إذا كان ترمب وعائلته قد تحايلوا وفشلوا في تقديم إقراراتهم الضريبية، أو ارتكبوا نوعاً من التحايل في ضرائبهم الفيدرالية؛ فهذا يعني أنَّهم بالتأكيد فعلوا الأمر ذاته مع ضرائبهم في الولاية والمدينة التي يقيمون فيهما". وأضاف قائلاً: "جاذبية هذه المحاكمات السرية كبيرة للغاية".

بعبارةٍ أخرى، في حين قد يتمكن ترمب من تجنب العزل أو المحاكمة الفيدرالية بفضل مجلس الشيوخ أو المحكمة العليا الموالين له، لن يتمكن على الأرجح من تجنب الملاحقة القضائية في الولايات والمدن التي يقيم فيها وتقع فيها مؤسساته.

إغراقه بالمعارك القانونية

توقع أندرو هول، وهو محامي كبيرِ مستشاري الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون خلال فضيحة ووترغيت، أنَّ ترمب سيستقيل قبل أن يجري عزله، مثلما ترك نيكسون منصبه بشكلٍ مُخزٍ عام 1974.

وهناك أمرٌ آخر يدور في الكواليس، وهو تحقيقات المحقق الخاص روبرت مولر بشأن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية عام 2016، التي ألقت بمدير حملة ترمب السابق بول مانافورت في السجن، وهو المصير الذي ينتظر مايكل فلين، مستشار الأمن القومي السابق لترمب، ومايكل كوهين، المحامي السابق للرئيس الأميركي.

أفضل نتيجة ممكنة لترمب ستكون الاستقالة الودية بوساطةٍ من الجمهوريين في مجلس الشيوخ.

سي جي ويرلمان

ومن المؤكد أنَّ الديمقراطيين سيبدؤون تحقيقاً بشأن شهادة كوهين أمام مكتب التحقيقات الفيدرالي، التي زعم من خلالها أنَّ ترمب انتهك القوانين المالية للجنة الانتخابات الفيدرالية حينما تآمر الثنائي لتقديم رشوةٍ إلى نجمة الأفلام الجنسية السابقة ستورمي دانيالز مقابل صمتها، وذلك للتأثير على نتيجة الانتخابات. ولن ينسوا أيضاً أنَّ هناك مزاعم موثوقة أنَ ترمب وعائلته زادوا ثرواتهم من خلال الاستفادة من سلطاتهم.

وتُعد مساعي ترمب لتقويض تحقيقات مولر، والادعاءات بأنَّ تعاملاته التجارية مع البنوك ورجال الأعمال الروس متعمقة أكثر مما نعلم، موضوعين آخرين يمكن للديمقراطيين التركيز عليهما خلال العامين المقبلين. كل هذا يهدد بفضح كل أسرار ترمب المظلمة وغسيله القذر وفساده الحكومي أمام العالم أجمع.

ومن المستحيل أن نتصور أنَّ ترمب سيقف ساكناً تجاه هذه الخطوات، وخاصةً أنَّه لم يرغب قط في تولي المنصب في المقام الأول. وستكون التحقيقات السرية وأوامر الاستدعاء وقضايا المحاكم التي تشمل مساعديه وأفراد عائلته هي واقع ترمب خلال العامين المتبقيين في فترته الرئاسية الأولى.

وفي هذا السياق، أفضل نتيجة ممكنة لترمب ستكون الاستقالة الودية بوساطةٍ من الجمهوريين في مجلس الشيوخ، وأن يحظى بعفوٍ من خليفته المباشر نائب الرئيس الحالي مايك بنس.

في نهاية المطاف، كانت هذه الانتخابات أكثر من مجرد استفتاءٍ على أداء ترمب الوظيفي، وشيئاً أكبر بكثير من انتخابات التجديد النصفي المعتادة. كانت مثالاً استخدم فيه الناخبون الأميركيون شعار ترمب الشهير ضده: "أنت مفصول!".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي