غالباً ما تلجأ الحركات الإسلامية للمراجعات الفكرية تحت ضغط الواقع والحاجة، وليس بناء على قناعة راسخة أو تطور معرفي وفكري، ولذلك يُعدّ أمراً صعباً التخلي عن أفكار محافظة بمرجعية وعظية وأخلاقية، لصالح فكرة ليبرالية متحررة.

أثار تسريب بعض الصور لنائبة إسلامية من حزب العدالة والتنمية المغربي وهي تتنزه في باريس، وقد خلعت عنها حجابها الذي عرفها الناس به، لغطاً واسعاً وردود فعل متباينة، بين من يعدّ ذلك فجوراً في الخصومة السياسية، واقتحاماً غير مقبول للحياة الخاصة، وبين من يرى ذلك نفاقاً وازدواجية في الخطاب يجب فضحها وكشفها للرأي العام، خاصة وأن الأمر يتعلق بنائبة تنتمي إلى حزب يلعب خطابه الأخلاقي دوراً كبيراً في استقطاب الناخبين وربح أصواتهم.

كل ما سبق في رأيي كان متوقعاً ومنطقياً في ظل لعبة التدافع السياسي والإيديولوجي، لكن ما كان مثيراً في نظري، هو خروج بعض القيادات اللامعة في الحزب الإسلامي للدفاع عن زميلتهم النائبة، برفع شعارات الحريات الفردية، وضرورة حماية الحياة الخاصة وتقديسها، تصريحات ومواقف لو عبّر عنها علمانيون من اليمين أو اليسار لكانت منسجمة مع خطهم الفكري ومتناسقة مع اختيارهم الإيديولوجي، لكن صدورها من إسلاميين طالما شكلوا سد الممانعة أمام كل دعوة لتوسيع هامش الحريات، وطالما دافعوا عن حق الدولة والمجتمع في تأطير ما يفعل الناس وما لا يفعلون حتى داخل غرفهم وخلواتهم فهو الغريب وما يحتاج لتوقُّف.

لا يقتصر الأمر على إسلاميي المغرب، بل في معظم الدول العربية، كلما تعلق الأمر بتهمة أخلاقية ثبتت أو لم تثبت، رُدِّد هذا الخطاب من جديد، وكان له واسع الصدى بين القياديين والمنتسبين، فهل نشهد تحولاً من هذه الحركات تجاه هذه القضية؟ هل دقت ساعة الحريات الفردية في العالم الإسلامي؟ أم أنها ردود مناسباتية الغرض منها امتصاص الضربات وحفظ ماء الوجه أمام الشعب عموماً والناخبين خاصة؟

التخلّي عن أفكار محافظة بمرجعية وعظية وأخلاقية بل ودينية قائمة على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لصالح فكرة ليبرالية متحررة لن يكون أمراً سهلاً.

محمد عبد الوهاب رفيقي

من السابق لأوانه الحديث عن مراجعات فكرية للحركات الإسلامية في هذا الباب، خاصة أنه لا يمثل أولوية لهذه المشاريع الدعوية والسياسية تستدعي المراجعة وإعادة النظر، فغالباً ما تلجأ هذه الحركات للمراجعة تحت ضغط الواقع والحاجة، وليس بناء على قناعة راسخة أو تطور معرفي وفكري، ولذلك فالتخلّي عن أفكار محافظة بمرجعية وعظية وأخلاقية، بل ودينية قائمة على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لصالح فكرة ليبرالية متحررة، لن يكون أمراً سهلاً، خصوصاً في مجتمعات ما زالت محافِظة نسبياً، وتدفع صوتها يوم الانتخاب للأكثر تديناً، وتدرك هذه الحركات أنها حين تتخلى عن معاركها الإيديولوجية التقليدية، ستفقد جزءاً كبيراً من رصيدها، يضاف إلى ما ضاع منها بسبب تصديها للتدبير والتسيير.

لكن هذه الضربات التي تتلقاها هذه الحركات يوماً بعد يوم، خصوصاً مع ثورة التكنولوجيا التي أصبحت لا تتستر على أحد، تجعل من الصعب على أبناء هذه التيارات الموازاة بين الطبيعة والغريزة البشرية، وبين خطاب الطهرانية المثالي الذي يسوَّق للجمهور، مما لن يكون له مخرج سوى الاقتناع طوعاً أو كرهاً بمبدأ الحريات الفردية.

ولهذا أرى ما يقع اليوم فرصة تاريخية أمام جلّ القوى في العالم الإسلامي، لتبنّي خيار الحريات الفردية، وتقزيم دور الدولة والمجتمع في التدخل في خصوصيات الأفراد، والتفريق بين الفضاءات الخاصة التي ليس لأحد الحق في اقتحامها والتدخل فيما يجري بين جدرانها إلا ما كان مضرّاً بالآخرين وحرياتهم، والفضاءات العامة التي يحكمها القانون المؤسَّس على نبض المجتمع ومصلحته وتوافقاته ونقاشاته الحرة، بعيداً عن الاختيارات الإيديولوجية والطائفية.

جلّ القوى في العالم الإسلامي اليوم أمام فرصة تاريخية لتبنّي خيار الحريات الفردية وتقزيم دور الدولة والمجتمع في التدخل في خصوصيات الأفراد.

محمد عبد الوهاب رفيقي

بل هي فرصة أيضاً لدفع هذه الحركات المحافظة نحو الاقتناع الصادق بقوة هذه القيم، وتناسُقها مع مفهوم الدولة الحديثة الذي لا يتقبل استمرار هذه السلطة الجماعية والفوقية التي تريد حشر أنفها في خصوصيات الأفراد واختياراتهم.

إلا أن تبنّي هذه التيارات لهذا المبدأ، لا يمكن أن يكون مقنعاً ويستحق التثمين إلا إذا كان واضحاً وصادقاً، فلطالما أحرجت كثير من قيادات هذه الحركات المتعاطفين معها بعدم الوضوح في بعض المواقف، ولطالما وجد خصومهم ما يبررون به اتهاماتهم لهم بازدواجية الخطاب وضبابية المواقف، كما وقع في تونس حين سُرب فيديو لأحد قيادات الإسلاميين الموصوفين بـ "الاعتدال" و"الوسطية" وهو يعقد تحالفاً مع الجهاديين لمحاربة "العلمانيين"، لذلك لا بد أن يكون الخطاب واضحاً يتضمن الحديث عن المواقف السابقة والتغيرات اللاحقة وأسباب التغيير بكل شفافية، خاصة وأننا نتحدث عن مشاريع فكرية ودعوية وسياسية شكلت دوماً عائقاً أمام تطوير الحياة المدنية بدعوى الدفاع عن الدين والمرجعية.

هذه التحولات والمراجعات لن تكون أيضاً ذات مصداقية إلا إذا كانت منهجاً ثابتاً واختياراً مستمراً، وليس تصريحات منفردة في مناسبات معينة، خاصة عند الأزمات أو الوقوع في حرج أخلاقي أو سياسي، بل لا بد من ظهور هذه التحولات في الكتابات والأدبيات والاختيارات الفكرية لهذه الحركات والأحزاب، لا سيما وقد صدرت قبل العديد من الأدبيات المدافعة عن الطرح المخالف، والتي تنتقد بشدة ما يُرفع اليوم من شعارات.

أكثر من ذلك، هذه الحركات مدعوة اليوم، للمساهمة في كل النضالات الحقوقية التي تسعى لرفع هامش الحرية في أوطاننا الإسلامية، ولحماية الحياة الخاصة للأفراد، عبر المؤسسات التشريعية التي يشكلون بها حضوراً مهماً، ومن خلال الجمعيات المدنية التي يشرفون على تسيير كثير منها، بل ولم لا تكون المبادرة إلى اقتراح إلغاء كل القوانين التي تمس الحريات الشخصية وتتعارض ومفاهيم الدولة الحديثة.

الحركات الإسلامية مدعوة اليوم للمساهمة في كل النضالات الحقوقية التي تسعى لرفع هامش الحرية في أوطاننا الإسلامية ولحماية الحياة الخاصة للأفراد.

محمد عبد الوهاب رفيقي

وعلى المستوى السياسي، لا بد في نظري من أن تتضمن البرامج الانتخابية للأحزاب الممثِّلة لهذه التيارات الإشارة إلى هذا التحول، رفعاً لكل لبس وتشويش، وهروباً من تهمة الازدواجية بين الخطاب والممارسة، مع التأكيد على أن مثل هذه الدعوة لا تتناقض والمرجعية الإسلامية التي هي ملك للجميع ليس لأحد احتكارها أو التحدث باسمها، وليعرف الجميع أن هذه الأحزاب هي فعلاً أحزاب مدنية، كسائر أحزاب اليمين واليسار، وليست أحزاباً دينية متعصبة.

وأخيراً: أعتقد أننا اليوم أمام فرصة تاريخية، وموعد لا ينبغي علينا أن نخطئه، لنتفق جميعاً على ضرورة تطوير القوانين في مجتمعاتنا الإسلامية، حتى نلغي كل ما من شأنه التدخل في خصوصيات الأفراد واقتحام مجالهم الخاص، ونؤسس النظم التي تحمي حرية الأفراد في اختيار عقائدهم وأفكارهم وسلوكياتهم، بل وتتصدى بعصا القانون لكل من حاول التدخل في هذه الخصوصيات، أو سعى لاستغلالها وتوظيفها في صراعات سياسية وإيديولوجية، فالمؤكد في الموضوع، أننا لن نجد بعد اليوم من يقف عائقاً أو حجر عثرة أمام أي دعوة للتطوير والتغيير.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي