لعل أول مَن أفاد من خسارة دونالد ترمب وفوز جو بايدن كانت الدولة الأمريكية نفسها، وليس الوضع العالمي أو أية دولة أخرى في العالم.

لأن دونالد ترمب مثّل أول ما مثّل مشروعاً تغييرياً داخلياً أمريكياً، أكثر ممَّا أثار من ضجيج عالمي حول سياساته ومواقفه من الدول الأخرى.

حظيت هذه الأخيرة باهتمام أكثر بكثير ممَّا كان يُبيّته من مشروع تغييري داخلي في أمريكا نفسها. فترمب كان سيفعل الأفاعيل داخل أمريكا لو قُيّض له أن يستمر في الرئاسة لأربع سنوات أخرى.

سوف تثبت الأيام أن الفارق لن يكون عميقاً ونوعياً ما بين ترمب وبايدن في معالجة الصراع/التنافس الأمريكي الصيني، والأمريكي الروسي، والأمريكي الأوروبي، والأمريكي الإيراني، والأمريكي التركي. وعليه قس بقية القضايا، بما في ذلك قضية فلسطين (بل إن بايدن أشد خطراً على قضية فلسطين من ترامب).

اقرأ أيضا:
السودان والقرن الإفريقي وتوقعات سياسة بايدن الخارجية

طبعاً سيكون هنالك فروق في أشكال الأداء والخطاب والمعالجة. ولكن ليس من ناحية المحتوى، أو الجوهر. فليس هنالك من مجال إلا أن يواجه بايدن الصين، وذلك بسبب مسارها في التفوق على أمريكا في الاقتصاد والتكنولوجيا والثراء المالي.

وليس هنالك من مفر إلا أن يتصدى البنتاغون في عهد بايدن للتفوق الروسي في الأسلحة الصاروخية التي تسبق سرعة الصوت عشرات المرات، كما في مجالات عسكرية أخرى. وليس هنالك من بد بالنسبة إلى بايدن من إعادة نسج العلاقات التحالفية الأمريكية الأوروبية (الأطلسية). وهو ما كان سيفعله دونالد ترمب متجاوزاً مرحلته السابقة حين يُحمى الوطيس بينه وبين الصين وروسيا، أو إيران.

أما الموضوع الإيراني فسيعمد بايدن إلى فتح ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية، ويحاول استعادة الاتفاق النووي من جديد. الأمر الذي سيفتح توتراً جديداً بين أمريكا وإيران. فالمشكل سيكون حول الصواريخ الإيرانية، ودور إيران في المنطقة. وليس كما كان الحال في مرحلة أوباما واتفاق خمسة زائد واحد مع إيران حول الاتفاق النووي السابق. فالتوتر بين إيران وأمريكا سوف يزيد أكثر ممَّا ينقص مع بايدن، وإن اختلفت بعض أشكال الصراع التي استخدمها ترمب، أو كان سيستخدمها.

ومن هنا نعود إلى أول هذه المقالة التي اعتبرت أن الدولة الأمريكية نفسها هي أول من أفاد من نجاح بايدن، وخسارة ترمب. ولكن كيف؟

إن الذي يدقق في مشروع دونالد ترمب خلال السنوات الأربع الماضية يجده منصباً على الداخل الأمريكي. وهو الذي أدى إلى الانقسام العمودي الخطر الذي شهدته الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة. وهو ما حدا ببايدن إلى اتهام ترمب بتقسيم أمريكا. وبناء على ذلك فإن هدفه الأول القادم هو توحيد أمريكا، أو إعادة وحدة الشعب الأمريكي.

هنالك تيار أمريكي داخل "الواسبس" (البيض الأمريكان البروتستانت الأنكلوسكسون) منزعج من التطورات الليبرالية التي أخذت تحدث في الدولة والمجتمع الأمريكي. ممَّا أخذ يضعف هيمنتهم التقليدية، ويوسّع من دائرة نفوذ الأقليات والمهاجرين والملونين. فترمب جاء تعبيراً عن هذه المجموعات، حين راح يسعى لاستعادة دورها في الدولة العميقة وسياساتها، كما في المجتمع والحياة العامة.

ولهذا اصطدم ترمب في السنوات الأربع الماضية بالدولة العميقة بما في ذلك مع الـ سي. آي. إي. والـ إف.بي.آي. وأجهزة الدولة الأخرى والمؤسسة السياسية، كما اصطدم بأغلبية الإعلام ومراكز البحوث والدراسات. وقد ظهر هذا بوضوح في المعركة الانتخابية الرئاسية الأخيرة، وانحياز الدولة العميقة والإعلام عموماً، ضد ترمب في مصلحة جو بايدن.

لو قدر لدونالد ترمب أن يعود إلى الرئاسة للسنوات الأربع القادمة لأحدث تغييرات جذرية في مؤسسة الدولة العميقة نفسها. كما بعدد من القوانين. وذلك ليحقق أهداف عودة سيطرة ذلك التيار من البيض الأمريكان البروتستانت الأنكلوسكسون في الدولة العميقة والإعلام والمؤسسات عموماً.

وبالفعل لو نجح ترمب لكانت أمريكا بعد أربع سنوات مختلفة عن أمريكا التي تطورت عبر مرحلة الحرب الباردة، وما بعدها في السنوات الثلاثين الأخيرة.

اقرأ أيضا:
جو بايدن والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط

فالخلاف الحقيقي ليس في السياسة الخارجية أو في الأداء السياسي لترمب، وليس في التناقضات التقليدية ما بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وكلاهما يقاد من "الواسبس" (؟) وإنما كيف تحكم أمريكا، ومن يسيطر على الدولة العميقة وعلى الإعلام، وعلى الوضع الداخلي، قبل الحديث عن استعادة عظمة أمريكا أو نفوذها العالمي.

ومن هنا فإن عمق التناقض الداخلي الذي كشفته، أو أخفته، هذه المعركة الانتخابية بين بايدن وترمب يتعدى قدرة بايدن على توحيد أمريكا. بل إن هزيمة ترمب ستترك جراحاً عميقة، وأحقاداً أبعد كثيراً من كل تصوّر. فما تشكّل من تيار شعبي واسع وراء ترمب سيحضر للجولة القادمة وسيعمق الانقسام أكثر.

صحيح أن فوز بايدن أنقذ أمريكا الداخل من تغييرات كان ترمب مصمماً على تحقيقها خلال السنوات الأربع القادمة، إلاّ أن الصراع سيستمر ويتعمق ويعبر عن نفسه بأشكال مختلفة. وقد يشق الحزب الجمهوري ليخرج تياراً ثالثاً.

وباختصار، شُعِر الزجاج، ووقع العطب، وفُتحت أبواب جهنم، في دولة كبرى قد أخذت بالتراجع، والدخول في مرحلة الشيخوخة.

فبايدن سيحاول الترقيع، والإنقاذ. ولكن تيار ترمب وحش جريح، ولن يستسلم أبداً. وقد خرج من الانتخابات بقوة شعبية هائلة (70 مليون صوّتوا لترمب). ومن يعش فسيرَى.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي