تتخذ أبو ظبي مؤخراً سياسات هي في منأى عن حليفها الاستراتيجي السعودية، كانسحابها من اليمين والتقائها المباشر مع الإيرانيين.

مجموعة من الاشارات تؤكد أن أبو ظبي بدأت تلملم "أغراضها" استعداداً لتدشين سياسة مفارقة للرياض في ملفات هامة وخطيرة، أهمها الملف اليمني والعلاقة مع إيران.

من جهة أخرى أعلنت الإمارات قبل نحو أسبوعين عن انسحاب من اليمن. هذا الانسحاب وثقه وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنو قرقاش، في مقالة نشرتها صحيفة الواشنطن بوست تحت عنوان "فخورون بدورنا العسكري في اليمن.. لكن حان الوقت للبحث عن حل سياسي".

المؤشر الأهم جاء قبل أيام، من خلال وصول وفد عسكري إماراتي إلى طهران، أعلن من خلاله تراجع أبو ظبي عن منطق رفع مستوى التوتر مع إيران، بل بدا من خلال تصريحات الوفد الإماراتي أن العلاقة دخلت مرحلة التعاون في المجال الأمني.

محمد بن زايد.. صقر بريش نعام

في بواكير التصعيد بين واشنطن وطهران، كان محمد بن زايد، صانع القرار الإماراتي، أحد أهم صقور التحريض على المواجهة الشاملة بين أميركا وإيران. وظهرت للأمارات حالة صقورية غير مسبوقة في اليمن أيضاً.

استجابة لذلك وصف الساسة الإيرانيون والصحافة الأمريكية محمد بن زايد بأحد أهم محرّضي الرئيس ترامب على الحل العسكري الشامل كطريق لمواجهة إيران.

فقد اشتهر اسمه إلى جانب محمد بن سلمان وبنيامين نتنياهو، وجون بولتون، كنجوم لامعة متحمسة لضرب إيران عسكرياً، وشنّ القوات الأميركية حرباً عليها.

لماذا انقلب الإماراتيون على موقفهم؟

هذا الانقلاب الإماراتي له أسباب ومبررات موضوعية، أهمها:

أولا: قناعة أبو ظبي أن الرئيس الأميركي ترمب لا يرغب في مواجهة عسكرية شاملة مع إيران "فشل الرهان على الحرب الشاملة".

ثانياً: تجذُّر القناعة الإماراتية بأن طاولة مفاوضات قادمة لا محالة، ستجمع إيران بالولايات المتحدة الأمريكية، وتنازلات متبادلة ستكون من كلا الطرفين، بالتالي على أبو ظبي أن تستبق الحدث وتخرج من الخندق نحو الطاولة.

ثالثاً: الخوف الإماراتي الأمني المتعاظم من صيغة "استهداف الحوثيين للسعودية"، فهناك يقين إماراتي أن مدينتَي الإمارة الرئيسيتين، أبو ظبي ودبي، لا يمكنهما تحمُّل هجمات حوثية بالصاروخ الباليستي والطائرات المسيرة، لا سيما بعد تلك القدرة الحوثية التي ظهرت في الداخل السعودي.

رابعاً: التهديد الإيراني للإمارات بعد حادثة إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة، إذ استدعى الإيرانيون القائم بالأعمال الإماراتي، وأشعروه أن مدن الإمارة في حال اندلاع حرب شاملة ستكون جزءاً رئيسياً من حرب ربع الساعة الأول، وهذا يعني الدمار الشامل.

خامساً: الكلفة الاقتصادية والأخلاقية المرتفعة في ملف اليمن، فقد أدرك الإماراتيون أن اليمن بات مستنقعاً، وأن استراتيجية الخروج مبهمة، فكان قرار الانسحاب المبكر وترك السعودية تلعق جراحها المستمرة.

هل أضحت السعودية وحيدة؟ وهل مات التحالف العربي؟

قطعاً تشعر المملكة العربية السعودية أنها وحيدة، وأن أبو ظبي خذلتها بسرعة، دون حتى مرور الانسحاب الإماراتي من التحالف بمرحلة انتقالية.

وحتى الآن، ليس معروفاً هل الخطوات الانفتاحية لأبو ظبي على إيران، والانسحاب التدريجي من اليمن، وفتح خطوط تفاوضية مع الحوثيين، يتم بعلم السعودية أم بمعزل عنها أم لا.

الدلائل تشير إلى أن السعودية لا تعرف ولم يُنسَّق معها، وأعتقد أنها ترى في المسألة خيانة كبيرة لم تتوقعها، لا سيما أن الإمارات هي من ساق السعودية إلى تلك الازمات، فالمعلوم أن بن زايد كان قائداً لابن سلمان في معظم الملفات التأزيمية التي خاض غمارها الطرفان.

خطوة حكيمة أم لا أخلاقية؟

خطوات الإمارات المتسارعة تجاه استرضاء إيران والتفاوض معها، تُعتبر خطوة حكيمة مقارنة بمنطق الحرب السابق الذي سيطر على ذهن قادة الإمارات.

فالمنطق يقول إن وجود العرب وكذلك الإيرانيون في المنطقة مستمرّ ولن يلغي أحدهم الآخر، والحل الحقيقي لمشكلاتهم يكون بحوارات معمقة وجدية تستجيب لمصالح كل الأطراف ولمخاوف الجميع.

من هنا يمكن القول إن الحوار أمر محمود، سواء بين العرب وإيران، أو بين أطراف النزاع في اليمن، وهذا المشروع يتمناه كل العقلاء في المنطقة.

لكن السؤال الأهم: هل الخطوة الإماراتية كانت أخلاقية تجاه الرياض تحديداً؟ أليس بإمكان أبو ظبي بعدما ورَّطَت السعودية في ملفات كثيرة، أن تصطحب معها الرياض لتلك الحلول ولتلك البراغماتية الساخنة؟

الموقف في واشنطن

ختاماً، يبقى سؤال: أين واشنطن؟

هل الولايات المتحدة الأمريكية في صورة تحركات أبو ظبي التصالحية مع طهران أم إنها خارج هذا الإطار.

الراجح عندي أن الإمارات قد أخذت الضوء الأخضر من إدارة ترمب، وأن كل الخطوات تتم بمباركة أمريكية وتحت سماء أجندتها التفاوضية المستقبلية مع إيران.

أما السعودية فربما ما زالت تعاني البطء في التفكير، وتتأخر في الاستجابة، ولعلها لا تزال مصدومة من مواقف حلفائها، وننتظر كيف ستكون ديناميكيات الأيام القادمة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي