Biden (Susan Walsh/AP)

ليخرج رئيس الولايات المتحدة معلناً أن الحرب الأطول في تاريخ بلاده انتهت وأنه وجد حلاً لهذه المعضلة المستمرة منذ عشرين سنة، والتي ورثها عن ثلاثة رؤساء قبله. كان يمكن أن يقول إنه انسحب من بلد لديه على الأقل هيكل لدولة ديمقراطية وجيش وقوى أمن.

كان واضحاً لديه أن هذا الهيكل ورقي، لكنه عوّل على صموده إلى ما بعد الانسحاب، كي يقول إن هذه الحرب التي امتدت طويلاً وكلفت كثيراً تركت بصمة لأمريكا في البلد الذي على الأرجح كان من الصعب على أمريكي عادي أن يحدد مكانه على الخريطة قبل 11 سبتمبر/أيلول.

لكن الضربات تتالت بسرعة. انهار النظام الحليف، وباتت القوات الأمريكية المتبقية ومعها المواطنون وأصحاب الإقامة الدائمة والمتعاونين وعائلاتهم تحت رحمة تفاهمات مع القوة الجديدة المسيطرة على الأرض التي هي نفسها، للمفارقة، القوة التي غزت أمريكا أفغانستان لطردها قبل عشرين عاماً.

ثم أتى التفجير الانتحاري الذي حصد أرواح عشرات الأفغان و13 أمريكياً، ليقضي على آخر فرصة لخروج غير مهين وتحت جنح الظلام كذاك الذي حصل.

أصر بايدن على الموعد، وبما كان هذا أفضل، لأنه لا أحد يمكنه أن يحسب الحجم الذي ستصل إليه كرة الثلج ما أن تبدأ بالتدحرج. هكذا قرر أن يخرج بأقل الخسائر بدلاً من المقامرة على مجهول من الواضح أن سياقه مستمر في التصاعد ضده. لكنه وبدلاً من أن يبتسم للأمريكيين وهو يبشرهم بنهاية حرب أخرى من حروبهم، أطل عليهم في خطابه الأخير مدافعاً عن نفسه ملقياً اللوم على الآخرين، كل الآخرين تقريباً، السلطة الأفغانية السابقة الفاسدة التي لم يكن يتوقع أن تسقط بهذه السرعة، سلفه دونالد ترمب الذي بدأ رحلة المفاوضات والاتفاق مع طالبان على الانسحاب في الأول من مايو/أيار الفائت، وضمنياً على صديقه باراك أوباما الذي لم يأخذ بإصرار نائب الرئيس حينها الذي كان يطالب بالخروج من الوحل الأفغاني.

ليست حربه، أراد بايدن أن يقول للأمريكيين، بل هي الحرب التي أنهاها. هذا ما يريد للتاريخ أن يسجل تحت اسمه. أنهى خسارات مادية جسيمة يتكبدها "دافع الضرائب" الأمريكي المشهور: 300 مليون دولار كل يوم، طوال عشرين سنة. من أجل ماذا؟ قضت أمريكا على القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن معاً منذ زمن بعيد، لكن لائحة المنظمات المصنفة إرهابية باتت أطول مما كانت عليه قبل 11 سبتمبر/أيلول. طالبان نفسها لم تكن هدفاً أمريكياً. في خطاب الانسحاب وقبله كرر بايدن أن القاعدة لو كانت موجودة في اليمن لغزت أمريكا ذاك البلد لا أفغانستان.

بدت المسألة عنده تقنية بحتة، فهو يطارد إرهاباً موجهاً ضد الولايات المتحدة، لا يسعى لنشر الديمقراطية و"القيم الأمريكية" في العالم، بخاصة في بلد يقع عند الطرف الثاني من الكرة الأرضية بالنسبة إليه. ليس هذا واجبه ولا واجب أمريكا. خسر أم كسب داخلياً؟ لن تنجلي الصورة الآن قبل أن تهدأ العاصفة، مع أن خصومه الجمهوريين حكموا عليه بأنه فشل تماماً في إدارة هذا الملف، ولن ينسوا، وسيظلون يذكرونه بما حصل عند كل استحقاق ومفترق طرق.

لكن الولايات المتحدة هي التي خسرت بالطبع. ليس تفصيلاً أن تنهي "أعظم قوة" على سطح الأرض احتلالها بلداً بهذه الطريقة، كأنها تهرع هاربة لتنجو بنفسها من دون أن تشرك في قرارها حلفاءها الغربيين الذين ورطتهم في حربها هذه، ومن دون أن تلتفت إلى مستقبل حلفائها المحليين الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا سقف يحميهم. تخلت الولايات المتحدة عن الجميع. كأنها تختم آخر حرب ولن تحارب بعدها. لكن السيرة الذاتية لهذا البلد تشي بأنه غالباً ما يعود لينزلق في حرب أخرى. من سيثق بعد الآن بأمريكا إلى درجة التحالف معها في حربها المقبلة؟

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي