إيران (AA)

ورغبةً من واشنطن في التحكم في الملف النووي، فقد تفاوضت مع الاتحاد السوفييتي عام 1960 على معاهدة "الحد من انتشار الأسلحة النووية"، لمنع وصول تقنيات القنبلة النووية إلى الآخرين، حتى تم التوقيع على المعاهدة وبدء تنفيذها في 1970، بموافقة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا، وأربعين دولة أخرى. ومن بعد وقعت عليها جميع الدول تقريباً، باستثناء الهند وباكستان وإسرائيل، ثم انسحاب كوريا الشمالية.

إن المبدأ الأساسي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، يتضمن التزام الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة وفرنسا والصين، بعدم مساعدة الدول الأخرى على الحصول على الأسلحة النووية، وعلى دول العالم الأخرى التزام عدم تصنيعها أو السعي إلى الحصول عليها.

وبالتالي، فإن ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً "النادي النووي"، يتمترس بالقوانين التي تساعده على عدم منح إيران الفرصة للمضي قدماً في مشروعها النووي، بخاصة أنها سبق أن صدّقت على معاهدة "الحد من انتشار الأسلحة النووية" في عام 1970، لكنها سعياً منها لإكمال مشروعها النووي الذي بدأته في عام 1950 بمساعدة وكالة الاستخبارات الأمريكية "CIA" في ذلك الوقت، لجأت إيران بعد الثورة إلى التعاون مع باكستان في تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم عام 1980، مما فتح عليها أبواب الضغط الغربي.

الضغوط الأمريكية على النظام الإيراني

إذاً، تنطلق واشنطن، ومعها الدول الغربية، في ضغطها على النظام الإيراني استناداً إلى القانون الذي تم وضعه للتحكم في مستقبل استخدامات الطاقة النووية، التي من بينها القنابل الذرية حول العالم، وخشيتها من أن يتحول برنامج طهران النووي المُعلَن للاستخدام السلمي إلى أغراض أخرى.

فمنذ وصول جو بايدن إلى السلطة كثر الحديث عن خطة "ب" تنوي الإدارة الأمريكية بمشاركة الحكومة الإسرائيلية الحالية إطلاقها، لمواجهة تعنُّت إيران في القبول بشروط أمريكا للعودة إلى المفاوضات مرة أخرى، حول برنامجها النووي انطلاقاً من اتفاق 2015 .

هذه الخطة، كشف عنها في البداية الجانب الإسرائيلي، بعد لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت وجو بايدن في البيت الأبيض نهاية أغسطس الماضي، إذ خرجت تسريبات من جانب الحكومة الإسرائيلية تؤكد أن بينيت ناقش خطة بديلة، يجري التجهيز لها لاستخدامها في حال رفض إيران العودة إلى المفاوضات مرة أخرى، حتى إن موقع "واللا" الإسرائيلي تحدث عن اجتماعات مشتركة غاية في السرية واستراتيجية لـ"فريق العمل أوبال" من أجل الخطة "ب".

توالى الحديث عمَّا يُعرف إعلامياً بالخطة "ب"، فلقد صرح وزير الخارجية الأمريكي ونظيره الإسرائيلي في حضور وزير الخارجية الإماراتي، في أكتوبر 2021، بأن واشنطن وتل أبيب "تستكشفان" خيارات جديدة في حال رفض إيران الامتثال للاتفاق. خطة بديلة بقيادة الولايات المتحدة، تتضمن ضغوطاً سياسية ودبلوماسية واقتصادية كبيرة ضد طهران، ومفروضة بشكل مشترك من قبل الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين، بالإضافة إلى خطة تشمل التهديد العسكري، إذا فشلت محادثات فيينا.

أزمة الخطة "ب" ضد طهران

تباطؤ الولايات المتحدة في الكشف عما تقول إنه خطة "ب" لمواجهة إيران، يعود في المقام الأول إلى أمرين: الأول يتمثل في أن الولايات المتحدة غير قادرة حتى الآن على إقناع كل من الصين وروسيا -الحليفين القويين لطهران- بأن طهران المسؤولة الوحيدة عن انهيار المحادثات النووية، إذ لم تستطع واشنطن بعدُ تقديم الأدلة اللازمة لذلك.

الأمر الثاني هو أن كلاً من روسيا والصين تدرك أن واشنطن لن تلجأ تحت أي ظرف إلى الدخول في حلول عسكرية لمواجهة التعنت الإيراني. ومن ثم فإن أقصى ما ستلجأ إليه هو عقوبات وضغوط سياسية واقتصادية، لذا يرى كل من الصين وروسيا أنه لا حاجة إلى الاحتشاد وراء واشنطن، خشية نشوب حرب في الشرق الأوسط ضد إيران.

الطرف الآخر، الذي يشارك الولايات المتحدة الحديث في تجهيز خطة "ب" لمواجهة إيران هو إسرائيل، التي ستلجأ مع تباطؤ الولايات المتحدة الأمريكية في الحسم تجاه إيران، إلى حلول عسكرية أو ذات طابع عسكري واستخباراتي، من أجل وقف تحرك إيران نحو تخصيب المزيد من اليورانيوم، مثل استهداف علماء إيران النوويين، وإتلاف ملفاتها السرية الخاصة بالمشروع النووي، وكذلك أجهزة التخصيب وخلافه، بلا انتظار للحسم الأمريكي، وإن كان التحرك الاسرائيلي سيتم بطبيعة الحال تجاه إيران بتنسيق وموافقة من الجانب الأمريكي.

هل توجد خطة "ب" بالفعل؟

من واقع التجارب السابقة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن إدارة بايدن سوف تعاود الاستعانة بخطة "الضغط الأقصى" التي وضعها دونالد ترمب لمواجهة إيران، حين انسحب من الاتفاق النووي في عام 2018، وفرض عقوبات إضافية على برنامج الطائرات المسيرة، وعلى رموزها المسؤولين عن برنامج التخصيب، واستهداف أذرع إيران في العراق، وكذلك فرض عقوبات اقتصادية على قطاع النفط الإيراني، فضلاً عن الضغط على الحوثيين وحزب الله، والضغط على الصين لتقليل استيراد النفط الإيراني، وهي كلها ضغوط لن تتعدى ما كان يفعله دونالد ترمب ضد نظام حسن روحاني في ذلك الوقت.

وبالتالي، فنحن لسنا أمام خطة جديدة، بل هو تلويح باستحداث خطط تم تمريرها سابقاً، وهو ما يكشف بجلاء عدم اكتراث إيران بهذه التهديدات، وعدم رغبتها في الإسراع في إنجاز ملف المفاوضات النووية. رغم أنها رحبت بوصول بايدن عندما خلف ترمب، وكانت طهران تأمل أن يتم التوصل إلى تسويات وتفاهمات في جميع الملفات العالقة مع البيت الأبيض، والتي عطّلها الجمهوريون في عهد ترمب.

لقد اكتسبت إيران خبرة كبيرة في التأقلم مع العقوبات الاقتصادية الأمريكية، التي امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، مما جعلها قادرة على التعايش مع مثل هذه الضغوط الأمريكية، وإن طالت لسنوات أخرى. وبالتالي فإن إدارة بايدن ليس أمامها سوى الاعتماد على حلفائها الإقليميين في المنطقة، والعمل على توسيع مظلة التعاون العسكري معهم، من خلال الصفقات العسكرية الضخمة لدول الخليج التي تشاركها نفس المخاوف الخاصة بملف إيران النووي. والسماح لإسرائيل بالقيام بالمزيد من العمليات الاستخباراتية السريعة وقوية المفعول ضد الأهداف والمصالح الإيرانية. أما المسار الثاني، فيتمثل في المقدرة على حمل كل من الصين وروسيا على قبول تمرير عقوبات جديدة على إيران داخل مجلس الأمن والأمم المتحدة، وهي مهمة شاقة بالفعل على إدارة جو بايدن.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي