بين الانعزالية والانفتاج المضطرب على العالم يحاول القادة وصناع القرار والمتخصصون رسم سياسة محددة المعالم للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

بعد الاتفاق الذي خرجت به القمّة التركية-الروسية الأخيرة في سوتشي بخصوص الوضع المضطرب في شمال سوريا، ألقى ترمب خطاباً قصيراً ادّعى فيه أنّ الولايات المتحدة هي صاحبة الفضل الأكبر في تسوية الوضع هناك، وقد آن الأوان لابتعادها عن الأزمة ومشكلات الشرق الأوسط غير المنتهية بعد عقود أنفقت فيها بلاده أكثر من ثمانية تريليونات دولار وآلافاً من أرواح جنودها.

لقد رأى ترمب أنه آن الأوان لأن تتحمّل دول المنطقة المسؤولية الكبرى في إدارة مشكلاتها بعيداً عن الولايات المتحدة، كما آن الأوان لواشنطن أن تتبنّى "مقاربة جديدة لسياستها الخارجية لا تُقاد فقط بالآيديولوجيا، بل بالتجربة والفهم الواقعي للعالم".

يتقاطع هذا الموقف مع طروحاتٍ ظلّت مهمَّشة لعقود داخل البيت الأبيض بخصوص السياسة الخارجية الأنسب التي ينبغي أن تضطلع بها واشنطن، أي طروحات "الواقعيين الجدد"، التّي لم تجد آذاناً صاغية بعد نظراً إلى سيطرة تيّار "الهيمنة اللبيرالية" منذ نهاية الحرب الباردة بالأخصّ، والذي أقحم أصحابه البلاد لعقود طويلة في حروبٍ لا طائل منها، مدفوعين برغبة عميقة في تشكيل العالم على الصورة الأمريكية تحت ذريعة نشر الديمقراطية والقيم اللبيرالية، وقد بدا ذلك جليّاً في سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الأمر الذي تسبّب في تراجع نسبي للهيمنة الأمريكية العالمية، فهل سيكون ترمب عرّاب الواقعيين الجدد أخيراً؟

منذ وصوله إلى البيت الأبيض بدا أنّ ترمب يتجّه بالولايات المتحدة نحو العزلة إحياءً لتيار قديم، وقد كرّست "سلوكاته الطائشة" في مناطق عديدة من العالم هذا التصوّر، على غرار قرار انسحابه من اتفاقية الشراكة عبر الباسيفيك، ومنظمة نافتا، أيضاً تصرّفاته الصلفة تجاه حلفائه الشرق آسيويين، والأوروبيين والخليجيين، وحربه التجارية ضدّ الصين وغيرها.

إلاّ أن مضمون خطاب ترمب المُشار إليه يعكس شيئا مختلفاً، إنّه يحمل روحا واقعيةً محضة، حتّى إنّه استخدم مصطلحاتٍ مفتاحيةً لتيّار الواقعيين على غرار "التجربة، التاريخ، الفهم الواقعي للعالم"، وشيئاً من أفكارهم المركزية كتشديده على تحمُّل القوى الإقليمية في الشرق الأوسط المسؤولية الكاملة هناك، أو ما يُسمّيه الواقعيون "مبدأ ترحيل المسؤولية"، وحرصه على سحب الجنود الأمريكيين من حروبٍ لا تعبّر عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة، مع إبقائه عدداً معتبَراً منهم بغرض التدخّل السريع لحماية منابع النفط هناك، وهذا بالضبط ما دعا إليه أبرز الواقعيين في الولايات المتحدة على غرار جون ميرشايمر وستيفن والت في دراسة مشتركة سنة 2016 حملت عنوان "التوازن خارج المجال: استراتيجية التفوُّق الأمريكية الكبرى".

إنّ حرص ترمب على إبقاء شيء من القوات الأمريكية في الشرق الأوسط بغرض ضمان تدفُّق النفط من جهة، واهتمامه بتقويض الصين من جهة أخرى، يشير إلى أنّ الرجل لا يحمل رؤية انعزالية كما ادّعى كثيرون، كما من الواضح جدّا أنّه لا ينتمي إلى دعاة الانخراط المفرط في المؤسّسات الليبرالية كما يحبّذ اللبيراليون، أو التدّخلات العسكرية عبر العالم كما كرّسها المحافظون الجدد، الأمر الذي يطرح إمكانية تأثّره مؤخَّراً بطروحات الواقعيين الجدد بخصوص الطريقة التّي ينبغي أن تتصرّف بها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية حتّى تُبقي على ريادتها العالمية ما أمكن، بخاصّة مع صعود قوى منافسة على غرار الصين وروسيا.

إذا صحّ ذلك فسيركّز ترمب على أقاليمٍ ثلاثة "تستحق أن يُبذل لأجلها الدم والثروة الأمريكية"، هي أوروبا وشمال شرق آسيا والخليج العربي. ستكون مهمّة إدارة ترمب الأساسية في أوروبا وشمال شرق آسيا هي عرقلة صعود مهيمنٍ إقليميّ بإمكانه أن يسيطر على إقليمه، وذلك عبر محافظة واشنطن على توازن قوى إقليمي يُبقي الدولة الأكثر قوة في كلّ إقليم مهوسةً بخصوص جيرانها (حتى الآن توجد روسيا والصين على التوالي)، الأمر الذّي يُبقيها بعيدة عن التجوّل بحرّية في القسم الغربي من العالم الخاضع لهيمنة واشنطن.

أمّا في الخليج فإنّ للولايات المتحدة مصلحةً في عرقلة صعود مهيمنٍ (كإيران مثلاً) يمكنه أن يتدخّل ليَحُول دون تدفُّق النفط من المنطقة، وبالتالي إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي وتهديد الازدهار الأمريكي، وهذا ما حرص ترمب على منعه منذ البداية. 

أحد الأهداف المركزية لهذه الرؤية الاستراتيجية هو البقاء بعيداً عن المجال الخارجي قدر الإمكان، مع إبقاء احتمالات ضئيلة للتدخّل حينما يصير الأمر ضرورياً، لهذا يشدّد ترمب (كما يفعل الواقعيون تماماً) على حلفاء الولايات المتحدة ببذل جهودهم لتحمُّل العبء والمسؤولية عنها حتّى يتسنّى لها سحب قوّاتها في أقرب وقت من هناك. إنّها رؤية تسمح للولايات المتحدة بتقليص حجم الموارد التي عليها أن تخصّصها للدفاع، وحفظ أرواح جنودها، كما تتيح لها مزيداً من الاستثمار الداخلي.

لم يسلم "الموقف الواقعي" الذي بدا في خطاب ترمب من النقد، فتيار "الهيمنة اللبيرالية" النافذ يرفض تبنّي هذه الرؤية، فهي تتّجه بالولايات المتحدة إلى العزلة كما يدّعي أصحابه، فضلا عن أنّها تتيح لقوى أخرى أن تملأ الفراغ الذي تخلّفه الولايات المتحدة في مناطق عدّة، كما تحاول روسيا أن تفعل اليوم في الشرق الأوسط، لكن قد يكون ترمب مقتنعاً بطرح الواقعيين الذين يرون أنّها مجرَّد "خرافات"، فانخراط موسكو في ملفات الشرق الأوسط المضطرب لن يشكّل أيّ تهديد للمصالح العليا لواشنطن، فهو على العكس من ذلك سيتسبّب في استنزاف موارد هذه القوة الصاعدة، أو ما يعبّر عنه ميرشايمر بعبارة "دعهم يُسِيلوا دماءهم"، يبدو أنّ ترمب استوعب أخيراً مغزى هذه العبارة.

يجتهد الواقعيون في التأثير على صانع القرار الأمريكي عبر منصّاتٍ عديدة على غرار مشاركتهم في تأسيس "معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول"، وهو معهد جديد يتولّى فيه ستيفن والت منصب المستشار ويرى فيه "مؤشّراً إلى أنّ الواقعية صارت طرحاً آن أوانه فعلاً". لكن تبقى واقعية ترمب "واقعيةً مشلولةً" ما لم يتبنَّ بالتوازي تصوُّر هؤلاء تجاه إقليمَي شرق آسيا وأوروبا الحيويين، فإذا ما حدث ذلك فسوف نكون بصدد حقبة جديدة يُهندس فيها الواقعيون أخيراً عالمهم الذّي حلموا به.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي