الرئيس الصومالي محمد فرماجو (Farah Abdi Warsameh/AP)

وكلّف الحكومة الصومالية إجراء الانتخابات وفق اتفاقية 17 سبتمبر/أيلول 2020 بين الحكومة الاتحادية والولايات، وذلك بطلب مباشر من الرئيس الصومالي الذي قدّم للبرلمان سابقاً طلبَ التمديدِ وتغيير التفويض من إقامة انتخابات غير مباشرة إلى إعداد البلاد لانتخابات نيابية ورئاسية عامة مباشر، وهو الأمر الذي أدى إلى تطوّر الخلاف السياسي إلى ذروته، واعتصمت الأحزاب السياسية بقبائلها ومكوناتها الجماهيرية، وأعلنت معارضتها من داخل مراكز نفوذها القبلية في إشارة إلى استخدام سلاح القبيلة في حسم الخلاف السياسي، وتطوّر الأمر إلى اشتباكات محدودة كادت تقطع خطوط التواصل بين الفرقاء.

وكان الخلاف الكبير حول آليات تنفيذ بنود هذا الاتفاق: مثل لجنة الإشراف على الانتخابات في المستوى الفيدرالي وكيفية تمثيلها، وكيفية تعيين اللجنة الولائية للإشراف على الانتخابات في إقليم غدو التابع لجوبا لاند، وكيفية انتخاب ممثلي صومالي لاند في مقديشو، وقد حُلّ معظم الإشكالات في اتفاق فنيّ في 16 فبراير/شباط 2021، ولكن أزمة جديدة ظهرت بانتهاء الولاية الدستورية للرئيس والبرلمان، وتعاظمت أزمة الثقة بين الفرقاء السياسيين، إذ أصر حاكما ولايتَي جوبا لاند وبونت لاند على ضرورة تفويض الرئيس فرماجو صلاحياته ونقلها إلى رئيس وزرائه لكونه رئيساً منتهي الولاية، ولكونه مرشحاً انتخابياً لمنصب الرئيس لدورة ثانية، وأصرّا على إصدار مرسوم يؤكد انتهاء الولاية الدستورية للرئيس والبرلمان إذ انتهت ولاية البرلمان في 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي، فيما انتهت ولاية الرئيس فرماجو في 8 فبراير/شباط الماضي، وطالب الحاكمان بوجود طرف ثالث من المجتمع الدولي يضمن تنفيذ ما يُتفق عليه، وبالتالي أعلنت حكومة فرماجو على لسان وزير الإعلام فشل المفاوضات وتقدّم الرئيس للبرلمان بطلب التمديد تجنّباً للفراغ الدستوري.

وفجّر التمديد أزمة جديدة مع ولايات أخرى وأحزاب قوية رفضت فيه هذا الإجراء، واعتبرته محاولة للهيمنة الديكتاتورية وإعادة البلاد إلى سلطة الرجل الواحد وعدم احترام الدستور المؤقت بعد حرب أهلية طويلة طاحنة، وتطور الأمر بإعلان كل من حاكم ولاية هيرشبيلي علي عبد الله حسين وحاكم ولاية غلمدغ أحمد عبدي كاربي وحاكم ولاية جنوب غرب الصومال عبد العزيز حسن محمد موقفهم الرافض للتمديد، وهو الإعلان الذي باركه رئيس الوزراء محمد حسين روبلي وشكّل حالة ضغط كبيرة على الرئيس، إضافة إلى ضغوط قَبَلية كبيرة عليه، بما فيها ضغوط من قبيلته "الدارود" عليه، وكذلك نزوح عشرات آلاف الصوماليين من العاصمة باتجاه مناطق أكثر أمناً، وتجدُّد هجمات حركة الشباب المجاهدين واحتلالهم لبلدة صومالية مع تخوفات وصول مجموعات منهم إلى العاصمة لاستغلال الفراغ السياسي ونُذُر الحرب القائمة التي تُخْصِب فيها تربة العصابات والمليشيات.

إزاء هذا الوضع التأزيمي اشتدت حالة الاستقطاب المحلي والإقليمي والدولي بين الأطراف، وشرع كل فريق في استدعاء شبكة علاقاته للتدخُّل لصالحه، وبدا المشهدُ قاتماً بالتكتُّل القَبلي المُنْذِر بعودة الاحتراب الأهلي في دولة لا تزال تعاني آثار الحرب الأهلية ومخاوفها المسيطِرة، وهشاشة التشريعات المنظمة لحياة سياسية مستقرة، وبالفعل فقد عمل بعض دول المنطقة -غير المستفيدة من استقرار الوضع على صورة لا تناسبها- على صبّ الزيت على النار لاعتبارات تتعلق بتصفية حساباتها مع دول أخرى مؤثرة في الصومال، أي أن الصومال باتت ميداناً للصراعات الإقليمية والمنافسات الخارجية، وهو ما كان سيؤدي إلى استنزاف سياسي سيقتل الحياة السياسية الصومالية.

هنا نشطت الدبلوماسية العلنية والسرية من الدول الحريصة على استقرار الصومال وإبعاده عن شبح الحرب الأهلية، وسارعت إلى إقناع الفرقاء بتثبيت مربّع التوافقات الأولى وعدم تجاوزها، لا سيما أن فيها أرضية واسعة للتلاقي، وأن باقي التفاصيل هي مسائل فنية يمكن الوصول إلى حلول فيها بتوفير مناخ سياسي صحي وإعداد بيئة حوار إيجابية وإبداء حسن النوايا العملية، وعملت هذه الدبلوماسية البعيدة عن الأضواء في تقريب وجهات النظر وتقديم التزامات وضمانات للفرقاء وبناء جسر تواصل مستديم وتهدئة النفوس وإزالة الشكوك والتخوّفات التي تزيد كلما ابتعدت الأطراف عن اللقاء المباشر وتعقدت الأحداث الميدانية.

أما القوى الدولية الغربية فقد هددت بوقف الدعم عن الصومال في حال التراجع عن المسيرة الديمقراطية، وهو دعم محدود على كل حال، ولم يشكّل حالة ضغط حقيقية لوجود قناعة بأن هذه الدول سترضخ للإرادة السياسية التي تعبّر عنها المؤسسة التشريعية والمصالح العليا لهذه الدول، لا سيما أن بعض هذه الدول أبلغ الحكومة الصومالية بتفهّمه للقرارات التي تهدف إلى منع الانجرار إلى الفراغ الدستوري، كذلك فإن هذه الدول لا يعنيها من الصومال سوى استمرار الحرب على المجموعات الموصوفة بالتطرف مثل حركة الشباب المجاهدين، وضمان عدم عودة القرصنة البحرية، أي ألا تكون الصومال مصدر تهديد للممرات المائية الحيوية القريبة منها، وألا تكون منطلقاً لأي عمل معادٍ لمصالح هذه الدول ونفوذها في المنطقة.

وفي العموم فإن قرار الرئيس الصومالي يمثّل انفراجة نسبية مؤقتة للأزمة الصومالية، وتتيح الفرصة للجميع أن يعودوا إلى مربع التفاوض والحوار، بخاصة أن الرئيس فرماجو نأى بنفسه عن إدارة ملف الانتخابات، وفوّض رئيس الوزراء محمد حسين روبلي مسؤولية تأمين اتفاقية 17 سبتمبر/أيلول وتنفيذها لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أقرب وقت ممكن، وهو القرار الذي رحّبت به الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ورحّبت تركيا أيضاً وهي الدولة ذات النفوذ الأكثر تأثيراً في الملف الصومالي اليوم.

ويبدو رئيس الوزراء هو رجل المرحلة الحساسة إذ بدأ عمله بإعادة الجيش المنتشر في العاصمة إلى ثكناته، وهو ما أدى إلى تنفيس الاحتقان الأمني والعسكري بين القوى السياسية المحتمية بسلاح قبائلها في أحياء العاصمة، فمن المتوقّع أن تزيل هذه القوى استحكماتها وتحصيناتها العسكرية في مقديشو تدريجياً بخاصة بعد الإعلان المرتقب لخطة رئيس الوزراء في إدارة ملف الانتخابات وتأمينها على المستوى القومي، ويبقى نجاحه رهناً بالتزام الفرقاء عدم التصعيد والتحريض والبحث عن الحلول والبدائل التوافقية، فيما تظل عيون بعض المتدخّلين الإقليميين مشغولة بنقض حالة التوافق وتغذية الخلافات لاستنزاف الصومال وحرمان أصدقائه الاستفادة من تموضُعهم فيه.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي