يفتح الحدث السياسي الأبرز في واشنطن وهو هجوم أنصار ترمب على مبنى الكونغرس لوقف عملية اعتماد نتيجة الانتخابات الباب واسعاً، ليس لمجرد معرفة سرديات قصة الحدث لإعادة النظر في بنية النظام السياسي الذي أنتج هذه الظاهرة التي باتت تعرف بالترمبية.

يفتح الحدث السياسي الأبرز في واشنطن وهو هجوم أنصار ترمب على مبنى الكونغرس لوقف عملية اعتماد نتيجة الانتخابات الباب واسعاً، ليس لمجرد معرفة سرديات قصة الحدث أو سبر أغوار الدوافع التي قادت الرئيس ترمب إلى حشد أنصاره لهدم القيم الديمقراطية الراسخة، لكن لإعادة النظر في بنية النظام السياسي الذي أنتج هذه الظاهرة التي وصفتها مجلة (أتلانتك) بعد ساعة واحدة بأنها (انقلاب)، كما وصفها الرئيس الأسبق جورج بوش بأنها أشبه بما يحدث في جمهوريات الموز.

بدأت الآن الموجة السياسية الارتدادية للحدث، إذ صعد الكونغرس من لهجته فطالبت قيادات ديمقراطية نافذة بمحاكمة الرئيس برلمانياً أو الضغط على نائب الرئيس لاستخدام التعديل الدستوري 25 لعزله. وعلى الرغم من أن أياً من الإجراءين يستغرق أكثر من أسبوع فتوجد إرادة سياسية قوية لمنع الرئيس من استخدام سلطاته في فترته المتبقية لتعطيل عملية نقل السلطة إلى الإدارة الجديدة.

لقطات لاقتحام أنصار ترمب مبنى الكونغرس لتعطيل التصدييق على نتائج الانتخابات التي فاز بها جو بايدن (Reuters)

سبق أن تنبَّه المفكر الأمريكي ذائع الصيت فرانسيس فوكوياما في كتابه عن صدأ النظام السياسي الأمريكي وتآكله بفعل اختلال توازن السلطات، إذ أصر الآباء المؤسسون علي تصميم نظام سياسي تقوم فيه السلطة التشريعية (الكونغرس) والسلطة القضائية بالتأثير الأكبر بالاختصاصات الدستورية. وجرى إضعاف السلطة التنفيذية بخاصة التفويض الدستوري الممنوح للرئيس لإدارة البلاد تحت مراقبة الكونغرس وسلطة القضاء. وتوقَّع فوكوياما أنه في حال التغافل عن إجراء إصلاحات عميقة لتعديل الخلل في توازن السلطات وتقوية السلطة التنفيذية فإن النظام السياسي سينفجر من الداخل.

أحد أسباب تفسير نزعة ترمب الشعبوية ضد الكونغرس وتوجيه أنصاره إلى وقف اعتماد نتيجة الانتخابات، زعمه أحقية الفوز. ولكن أيضاً لضيقه من توازن السلطات، إذ إنه الحلقة الأضعف في عملية القرار السياسي وقد خسر قبل أسبوع أمام الكونغرس الذي أسقط اعتراضه (الفيتو) علي اعتماد ميزانية الإنفاق الأمني لعام 2020 بعد تصويت ثلثَي المجلسين لصالح إجازة الميزانية.

تجاوز الأمريكيون الصدمة التي أحدثها هجوم أتباع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على مبنى الكونغرس الأمريكي إلى اتخاذ تدابير دستورية وقانونية لمنع تكرار ذلك مستقبلاً. لا سيما أن رمزية المبني أنه حصن الديمقراطية الأمريكية منذ تأسيس الاتحاد قبل أكثر من قرنين.

ويقارن البعض كما فعل الرئيس المنتخب بايدن بين تعامل السلطات مع حشود داعمى ترمب وهم يهاجمون الكونغرس وتعامل الشرطة مع الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الأمريكي الأسود جورج فلويد إذ تعاملت معها بعنف ووحشية في الوقت الذي تعاملت فيه مع مؤيدى ترمب بكثير من ضبط النفس والحذر .

ينحدر مؤيدو ترمب من الطبقة الوسطى والدنيا للبيض الذين يحملون شكوكاً عظيمة في أن الولايات المتحدة اختُطفت بواسطة الأقليات والمجموعات الليبرالية التي مكنت لأبناء الملونين والمهاجرين من تحقيق النجاحات والحلم الأمريكي على حساب طبقة البيض.

ما حدث كان آخر ما في كنانة الرئيس الأمريكي من سهام لإبطال نتائج الانتخابات التي فاز فيها جوزيف بايدن بالرئاسة: إذ دعا أتباعه للحضور إلي العاصمة متزامناً ذلك مع اعتماد الكونغرس نتيجة الانتخابات الرئاسية في 6 يناير/كانون الثاني وفق ما نص عليه الدستور الأمريكي، توطئة لتنصيب بايدن رسمياً رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير/كانون الثاني. و6 يناير/كانون الثاني هو كذلك أول يوم لانعقاد الكونغرس بعد الانتخابات وبنص الدستور أيضاً.

دعا ترمب مؤيديه الذين تجمعوا بالآلاف يحمل بعضهم الأسلحة النارية وبعضهم في زي (الكومفلاج) العسكري ثم خطب فيهم خطبة نارية محرِّضة عن تزوير الانتخابات وأنه فاز بأغلبية ساحقة لكن فوزه سُرق وأن أصواتهم ضاعت سدى وأنه يمكنهم تغيير ذلك ومن ثم فإن عليهم أن يتجهوا إلى الكونغرس لإسماع صوتهم ووقف ذلك العمل غير القانوني! فتدافعت الجموع نحو مبنى الكونغرس المعروف بالـ(كابتول) وتغلبوا على الشرطة المكلفة حمايته واقتحموا قداسة المبني الرمز في محاولة لوقف إجراءات التصديق على الانتخابات.

لقطات لاقتحام أنصار ترمب مبنى الكونغرس لتعطيل التصدييق على نتائج الانتخابات التي فاز بها جو بايدن (Reuters)

اقتحم المتظاهرون قاعات المجلسين وجلسوا عليها وكتبوا تهديدات بأن مسعاهم في المقاومة مستمر. اضطرت عمدة مدينة واشنطن إلى إعلان حظر تجول من 6 مساء بتوقيت واشنطن. ولما كانت حماية المقرات الفيدرالية ليست من صلاحيات شرطة العاصمة بل من صلاحيات السلطات الفيدرالية فقد طلبت عمدة المدينة المساعدة بحفظ الأمن وإخلاء الكونغرس فأرسلت الولايات المجاورة فرجينيا وميرلاند وبنسلفانيا وديلاوير قوات مساعدة من حرس الحدود. وهنا ظهر الرئيس المنتخب جو بايدن الذي ليست له صلاحيات قبل تنصيبه في 20 من الشهر الجاري فطلب من الرئيس الحالي دونالد ترمب أن يأمر مناصريه بالعودة إلى منازلهم والانسحاب من مبنى (الكابيتول) وبعد دقائق ظهر ترمب في تسجيل مقتضب قال فيه لأنصاره: "أعلم ما تعانونه من ألم، أعلم عمق جراحكم.. لكن انصرفوا الآن إلي دوركم!".

بعد إخراج المتظاهرين من مبنى الكونغرس استأنف النواب والشيوخ عملية التصديق على فوز الرئيس جو بايدن ونائبته السيدة كمالا هاريس واستمرت العملية طوال الليل، وكانت صفعة أخري للرئيس ترمب من نائبه المطيع مايك بنس الذي رفض الرضوخ لرغبته بعرقلة عملية روتينية لا يملك سلطة لعرقلتها أصلاً، إذ أعلن بعد نهاية التداول كما يقضي الدستور فوز جو بايدن ونائبته برئاسة الولايات المتحدة للسنوات الأربع القادمة من 20 يناير/كانون الثاني الحالي 2021.

ويبدو أن عملية الاقتحام والإساءة إلى قداسة مبني الكونغرس قد أتت بنتائج عكس ما أراد الرئيس ترمب، فقد أخرست بعض أصوات مؤيديه بين النواب والشيوخ فتخلي بعضهم عنه علناً وتشجع معارضوه من حزبه أكثر إذ أدانوا فعلة أنصاره بقسوة وحمَّلوه عواقب الضرر المادي والمعنوي الذي أحدثه تشجيعه على العنف والتهديد بالحرب الأهلية، في انتخابات وصفها رجال القانون والأمن من مناصريه في دواليب الدولة والقضاء بأنها من أنزه الانتخابات في التاريخ الأمريكي.

وجرى التداول على الوسائط بأن عدداً من الوزراء يفكرون في إعمال التعديل رقم 25 في الدستور الأمريكي، وهو تعديل يجيز لنائب الرئيس وأعضاء الحكومة إعلان سقوط أهلية الرئيس وعدم قدرته على الحكم إما بسبب المرض والعجز الفعلي عن ذلك وإما لتهور قد يلحق الضرر بالبلاد. وقد تحدث الديمقراطي عضو مجلس الشيوخ شومر زعيم الأقلية الذي سيصبح زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ بعد خسارة الحزب الجمهوري لمقعدَي ولاية جورجيا بإمكانية تصويت الكونغرس لنزع أهلية الرئيس ترمب للاستمرار بالحكم خلال الـ13 يوماً المتبقية من حكمه، خوفاً من أن ينفذ خلالها عملاً مدمراً، إلا أن المحللين يستبعدون ذلك لطول المدة التي يستغرقها ذلك مع صعوبة الحصول على أغلبية ثلثَي الأعضاء، ويرون أن تصريحات شومر ربما جاءت لتحذير الرئيس من مغبة فعل ما يضر مصالح أمريكا والعالم. وقد تواتر الحديث عن عزلته بالبيت الأبيض وشكوى مستشاريه من أنه في حالة نفسية سيئة ومزاج معتل، وقد بلغ حد استهجان ما فعله من تحريض أن صرح النائب العام المستقيل وقد كان من أقرب المقربين إليه السيد ويليام بار بأن "الرئيس قد خان المنصب الذي يتقلد وخان الرئاسة بتصرف لا يمكن تبريره".

ويقال إن حديث ترمب بأنه سيسلم السلطة بشكل عادي قصد منه منع كثيرين من أعوانه في الحكومة والبيت الأبيض من الاستقالة كي لا ترتبط أسماؤهم ومستقبلهم السياسي بفضيحة اقتحام مبنى السلطة التشريعية العليا في البلاد "الكونغرس" التي وصفها اليوم الرئيس المنتخب جو بايدن بأنها أسوأ حدث في التاريخ الأمريكي القريب، معدداً مثالب دونالد ترمب التي تمثلت في تكريس الفرقة والشقاق بين الأمريكيين وأعلى من شأن العنصرية وقال إن كل غرض ذلك كان الاحتفاظ بالسلطة لا غير.

يحاول الرئيس ترمب الخروج من المأزق الذي صنعه بنفسه وذلك بإعلانه أنه سيجري تسليم سلس للسلطة وطلب في نبرة متصالحة تجاوز الجراحات، وهي محاولة أخيرة لحماية نفسه من غضب نواب الكونغرس من اتخاذ أي إجراءات لمحاكمة برلمانية أو تفعيل التعديل 25 في الدستور.

كشفت انتخابات هذا العام الكثير من الثغرات في النظام الانتخابي في الولايات المتحدة التي تحتاج إلى المعالجة بنصوص صريحة تمنع تكرار ما حدث من تجاذب وضبابية زاد من أثرها الانقسام الحاد في المجتمع الأمريكي منذ انتخاب الرئيس السابق باراك أوباما الذي أحيا الكثير من المشاعر لدى القطاعات الأقل تعليماً من البيض في الأرياف الأمريكية وساعد على قبول شعارات شعبوية وعرقية تنذر بأيلولة البلاد إلى أبناء المهاجرين الملونين. يتأسى البعض بأن القانون والديمقراطية انتصرتا في نهاية المطاف وأن السوانح وافرة لتعديل المسار وتلافي تكرار ما وقع في المستقبل.

لكن الأهم كما قال فوكوياما إعادة التوازن بين السلطات الثلاث وإعادة الاعتبار للسلطة التنفيذية التي تعتبر الحلقة الأضعف في النظام السياسي الأمريكي، وهو انقلاب فكري على فلسفة الآباء المؤسسين الذين أرادوا حكومة صغيرة ومحدودة الصلاحيات تعبر عن فلسفة الجمهورية فتتركز السلطات الكبرى في يد الكونغرس، وهو جوهر انقلاب ترمب الشعبوى.

فهل تتجاوز النخبة السياسية الأمريكية هرج اقتحام الكونغرس وإجراءات عزل الرئيس، للتفكير في إصلاح الخلل الجوهري الذي نبه له فوكوياما وهو اختلالات توازن القوى بين السلطات الثلاثة وهو جوهر الأزمة السياسية، أكثر من نقض نتائج الانتخابات، لأنها عَرَض عابر لذلك المرض المستشري؟

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً