لا مفر أمام هذا الحراك الأسطوري الذي لم تعشه الجزائر من قبل، وتلك المظاهرات المليونية التي تتكرر كل أسبوع من الدفع برموز وقيادات إلى الواجهة، تحظى بالمصداقية وتكون قادرة على التكلم باسمه وتعكس التنوع الفكري والسياسي والإيديولوجي للمجتمع الجزائري.

وجد رئيس الوزراء الجزائري الجديد نور الدين بدوي وكذا الأخضر الإبراهيمي المفوَّض من قِبل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة صعوبات جمة في العثور على ممثلين للحراك الشعبي، فقد خابت كل مساعي التواصل مع الشباب، ولم يعثروا من بين ملايين المتظاهرين على شخص واحد يقبل أن يتحدث باسم الحراك الذي تعيشه الجزائر.

السبب الرئيس في الفشل بسيط وواضح وهو أن الشارع الجزائري حريص أشد الحرص على بقاء الحراك دون رؤوس ولا قيادة، خوفاً من اختراقه وفتح باب التنافس والفرقة بين مكوناته؛ ما يعجل بنسفه من أساسه، وينطلق الجزائريون في حكمهم هذا من تجارب سابقة عايشوها عن قرب وشاهدوا كيف استفردت السلطة بأكثر من انتفاضة شعبية سابقة وتمكنت من تحييدها وإضعافها عندما اختارت متحدثين باسمها فكانت النتيجة أن تفرقت تلك الجموع، وتعرضت تلك القيادات لمختلف أنواع الإغراء، فلم ينل الجزائريون عنب الشام ولا بلح اليمن.

الشارع الجزائري حريص أشد الحرص على بقاء الحراك دون رؤوس ولا قيادة، خوفاً من اختراقه وفتح باب التنافس والفرقة بين مكوناته.

مروان لوناس

وما حصل في أحداث الربيع الأسود عام 2001 في منطقة القبائل أكبر دليل حينما عاشت أربع محافظات "أمازيغية" على مدار شهور عديدة مواجهات دامية مع السلطات انتهت بتشكيل مجموعات شعبية باسم "العروش" تجاوزت الأحزاب وقوى المجتمع المدني وغيرها، ودخلت في مفاوضات استنزاف مع الحكومة وفقد ممثلو منقطة القبائل مصداقيتهم وشعر الناس بالخيانة والإحباط.

هذه التجارب تجعل المتظاهرين حريصين جداً على عدم السماح لأي شخص -مهما كان- التحدث باسم الحراك؛ خوفاً من اختراق النظام ومن تعرُّض المطالب الشرعية للتمميع والخيانة، وهذا وإن كان يعكس حالة اليقظة والوعي لدى الشعب الجزائري فإنه من جانب آخر يطرح مخاوف جدية حول مآلات هذا الحراك الذي لا بد أن يفرز قيادات وممثلين طال الزمن أو قصر، لأن مطالب الشعب في حاجة إلى ممثلين ينقلونها إلى ممثلي النظام ويدافعون عنها ويتفاوضون باسم الحراك الشعبي، لا سيما مع وجود معضلة أخرى إذا استمر المزاج العام في رفضه لكل الأحزاب والمنظمات التقليدية.

لقد نجح النظام الجزائري طيلة عشرين عاماً من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في إفراغ الساحة السياسية من القوى والمنظمات القادرة على تأطير الشارع.

مروان لوناس
فقوى المعارضة أغلبها منبوذة شعبياً ولا تملك أية مصداقية في الشارع ويراها الكثير من المواطنين جزءاً من المنظومة الحاكمة، وهناك عدد من شخصيات المعارضة تم طردها من طرف متظاهرين خلال المسيرات؛ ما يعكس حجم الأحكام المسبقة ضد كل الأطر الحزبية القديمة، على الرغم من أن جزءاً واسعاً من قوى المعارضة كانت بدورها ضحية لنظام عبد العزيز بوتفليقة منذ 1999.

لقد نجح النظام الجزائري طيلة عشرين عاماً من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في إفراغ الساحة السياسية من القوى والمنظمات القادرة على تأطير الشارع، فمارسَ معها سياسة العصا والجزرة، أي مَن قَبِل منها الانضمام إلى منظومة الحكم والقبول بقواعد اللعبة التي يضعها ويؤدي أدواراً تمثيلية في مشهد يدّعي الديمقراطية نال حصته من الكعكة، ومن رفض وحاول التمسك بالمعارضة حوصر وتعرض للتشويه والتخوين والإقصاء.

بل إن هناك من حُرم من حق تأسيس أحزاب، والأمر نفسه مس منظمات المجتمع المدني التي تحوَّل أغلبها إلى هيئات منتفعة من ريوع النظام لا دور لها سوى التطبيل والتزمير لقرارات النظام وسياساته، وعلى رأسها الاتحاد العام للعمال الجزائريين، النقابة الأكبر التي أصبحت أداة للدفاع عن خطط الحكومة والتحالف مع رجال الأعمال، وأبعد ما تكون عن انشغالات العمال ومشاكلهم، بينما تعرضت النقابات المستقلة للتضييق والضغوط والتهميش.

هذا الوضع الذي حرص عليه نظام عبد العزيز بوتفليقة كان هدفه إخلاء الساحة من أية قوة منافِسة أو قادرة على تأطير الشارع أو التأثير فيه، في مقابل صناعة صورة ذهنية لزعيم سياسي كبير تربطه علاقة مباشرة مع الشعب دون وسطاء يمكن أن يشوّشوا على هذه الروابط التي لم تكن سوى وهم في أدمغة من خططوا لها، إذ اكتشفوا مقدار الحمق الذي وقعوا فيه في لحظة تاريخية فارقة بإعلان ترشيح رئيس مريض وعاجز لولاية خامسة، فانفجر غضب جارف ولم تعرف السلطة مع من تتحاور ومع من تتحدث وباءت كل مساعيها بالفشل، نتيجية التصحر الذي أصاب الساحة الجزائرية وانعدام الثقة بين الشعب ونظام عبد العزيز بوتفليقة من جهة، وبين الشعب ومختلف قوى الموالاة والمعارضة والمجتمع المدني من جهة أخرى.

امتداد الحراك الشعبي كل يوم وانضمام كل فئات المجتمع إليه فرادى وتنظميات يعد نقطة قوة؛ لأنها تعني تنظيماً وتأطيراً للحراك، فإذا كانت مظاهرات الجمعة المليونية التي تتصاعد من أسبوع إلى آخر يشارك فيها كل أطياف الشعب وفئات المجتمع، فإن أيام الأسبوع تتظاهر فيها هذه الفئات من طلاب وأطباء ومحامين وقضاة ونقابات وغيرهم.

هناك وعي عميق بين المتظاهرين بضرورة الحفاظ على سلمية الحراك الشعبي إلى أقصى حد ممكن، وعدم الوقوع في فخ الصراع على الزعامة بسبب قضية التمثيل.

مروان لوناس
وهذا في حد ذاته يطمئن على أن هناك قوىً منظمة داخل هذا الحراك، حتى وإن لم تدّعي قيادته والتحدث باسمه، لكن المطلوب خلال الفترة المقبلة هو أن يفرز هذا الحراك قيادات ورموزاً، وهذا أمر سيَحدث لا محالة كما يعتقد الكثير من النشطاء؛ لأن النقاشات الجارية تشي بذلك، وإن كانت الأولوية بالنسبة إليهم هي حماية الحراك من الاختراقات وسعي الذباب الإلكتروني إلى إثارة النعرات الجهوية والإيديولوجية بين الناس واللعب على وتر التناقضات، وهي مناورات يتصدى لها الشباب بشكل حاد وصارم ويحذرون منها في نقاشاتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي وخلال المظاهرات عبر اللافتات والهتافات والأحاديث الجانبية.

فهناك وعي عميق بين المتظاهرين بضرورة الحفاظ على سلمية الحراك الشعبي إلى أقصى حد ممكن، وعدم الوقوع في فخ الصراع على الزعامة بسبب قضية التمثيل، وهم في ذلك يستفيدون أيضاً مما حصل في دول الربيع العربي التي أفرزت حركات ومنظمات ومنسقيات، سرعان ما غرقت في الصراعات أو تحولت إلى لقمة سائغة في يد الأنظمة، وهذا المآل هو ما يخشاه الجزائريون في هذه المرحلة.

لكن لا مفر أمام هذا الحراك الأسطوري الذي لم تعشه الجزائر من قبل، وتلك المظاهرات المليونية التي تتكرر كل أسبوع بشكل لم تعرفها الإنسانية من الدفع برموز وقيادات إلى الواجهة، تحظى بالمصداقية وتكون قادرة على التكلم باسمه وتعكس التنوع الفكري والسياسي والإيديولوجي للمجتمع الجزائري، ما دامت كل فئات الشعب وقطاعاته وقواه الحية اتفقت على هدف إستراتيجي وهو تغيير النظام الحالي، لكنها ستكون ملزمة بالاتفاق على أرضية متينة ينطلق منها الجميع، أساسها قيام دولة الحق والقانون، تُحترم فيها قواعد اللعبة الديمقراطية وتنفَّذ فيها الإرادة الشعبية التي عبّرت عن نفسها عبر الحراك الشعبي السلمي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي