شعار حركة طالبان معلقا على مروحية أمريكية سيطرت عليها الحركة بعيد الانسحاب الأمريكي  (Javed Tanveer/AFP)

فموقع أفغانستان الجغرافي يجعلها في تقاطع المصالح الدولية والإقليمية للدول الفاعلة. وفي الوقت الذي تصاعدت هناك مخاوف مشروعة في الغرب تجاه سيطرة طالبان، هناك قسم آخر يرون، على العكس، أن المشكلة تكمن في عدم قدرة طالبان على إحكام سيطرتها على البلاد وبالتالي عودة أفغانستان لتكون مرتعاً لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية بين الفرقاء.

سيكون على طالبان ضمان استقرار البلاد من خلال اجتراح نظام سياسي جامع يشمل مكونات المجتمع الأفغاني وشرائحه كافة، وذلك كشرط أساسي في نزع مسببات وذرائع التدهور نحو عدم الاستقرار أو اشتعال حرب أهلية جديدة في البلاد تهدد المنطقة ككل، خصوصاً مع وجود مكونات قادرة في حال توفرت لها الذرائع السياسية للقيام بذلك مثل أحمد شاه مسعود الذي يسيطر على إقليم بانشير، ونجل شاه مسعود الملقب "أسد باشير" أحد أبرز أعلام قادة الجهاد ضد الوجود السوفياتي في أفغانستان سابقاً. ويرعى أحمد شاه مسعود الجماعات المعارضة لطالبان. وبالرغم من أن تجهيزاته العسكرية أقل بكثير من إمكانيات طالبان فإنه يحظى باهتمام غربي واضح، خصوصاً من قبل الإعلام الذي يسعى إلى إظهاره بأنه الأمل في تخليص أفغانستان من كابوس طالبان، فضلاً عن محاولة فرنسا فتح خطوط مباشرة معه تسهم لاحقاً في دفعه نحو المواجهة.

سمحت موازين القوى في أفغانستان في نهاية تسعينيات القرن الماضي، أي بعيد انتهاء الحرب الأهلية التي أعقبت الانسحاب السوفياتي وبالتالي سيطرة طالبان على البلاد، أن تكون البلاد ساحة لاندلاع حرب باردة بين بعض القوى الإقليمية كإيران والسعودية على سبيل المثال.

فقد كانت السعودية من بين ثلاث دول فقط في العالم تعترف بحكم طالبان في تلك الحقبة. وهذا يؤشر لامتداد علاقة السعودية مع ظاهرة الجهاد في أفغانستان، حيث كانت واحدة من أبرز الدول الداعمة للمجاهدين الأفغان في حربهم ضد الروس، وهو دعم كان يحوز على مباركة وتشجيع واشنطن آنذاك حيث وضع المواجهة وقتذاك في سياق الحرب الباردة ضد "إمبراطورية الشر" السوفياتية.

على العكس، كانت علاقة إيران مع طالبان في منتهى التوتر وذلك على إثر مقتل ثمانية من الدبلوماسيين الإيرانيين في مدينة مزار شريف في أثناء سيطرة حركة طالبان على المدينة، إثر معارك مع تحالف الشمال بزعامة برهان الدين رباني المدعوم إيرانياً. هذا فضلاً عن الاتهامات الكثيرة التي طالت حركة طالبان حول سياستها ضد أقلية الهزارة الشيعية والتي وصلت إلى حد اتهامها بالتطهير العرقي.

اليوم تبدو الصورة نوعاً ما معاكسة، فلا يبدو أن السعودية في مشهد التطورات الحاصلة حالياً في أفغانستان. فبعد أن قطعت علاقتها بالحركة بعيد هجوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، لا يذكر أن الرياض حافظت على علاقة أو حتى وجود لها في أفغانستان. في حين تبدي إيران تقارباً حذراً مع طالبان إثر سيطرتها مؤخراً على البلاد، وتحاول طهران استعاذ نفوذها في البلاد ولكن هذه المرة من بوابة التقارب لا المواجهة مع الحركة.

وفي إشارة إلى حسن نوايا طهران تجاه الحركة، لم تقم وزارة الخارجية الإيرانية بذكر طالبان بصريح العبارة ضمن بيانها الصادر بمناسبة الذكرى الـ23 للحادثة. فقد تضمن البيان الصادر في 21 أغسطس/آب الماضي أفعالاً مبنية للمجهول في وصف عملية القتل، رافضة تسمية طالبان كجهة ضالعة في ارتكاب هذه الحادثة.

في المقابل تظهر على الساحة فواعل جديدة أبرزها دولة قطر. وبالرغم من أن قطر لم تعترف بحركة طالبان سابقاً قبيل الغزو الأمريكي، فإنها تظهر الآن كواحدة من أبرز اللاعبين في المشهد الأفغاني بالقدر الذي جعل العديد من العواصم الغربية ترى أن الطريق إلى كابل يمر عبر الدوحة. فقد استضافت الدوحة ممثلين عن المكتب السياسي لحركة طالبان، وكانت مسرح جميع المفاوضات بين الحركة وواشنطن، ومن على أرضها تم الإعلان عن توصل الطرفين إلى اتفاق حول انهاء الحرب. وهناك أخبار متداولة عن أن قطر مع تركيا سوف تشرفان على إدارة مطار كابل بعد الانسحاب الأمريكي.

في المقابل فتحت الإمارات قنواتها الفضائية كافة أمام أحمد شاه مسعود للظهور الإعلامي، وهي محاولة من أبو ظبي لكي تأخذ طرفاً مغايراً لطالبان وهو الطرف الذي بات مقرباً من دولة قطر، هذا مع العلم أن الإمارات كانت من ضمن الدول الثلاث (باكستان والسعودية) التي اعترفت بطالبان سابقاً قبل 20 عاماً. وفي الوقت الذي يبدو أن قدرة الإمارات على صناعة "حفتر" أفغاني تبدو ضئيلة في أحسن الأحوال نظراً لموازين القوى في أفغانستان الآن، إلا أن احتمالية انتقال الحرب الباردة بين الإمارات وقطر إلى هناك من شأنها أن تهدد دعوات العودة إلى الاستقرار.

لا شك أن الانسحاب الأمريكي سوف يخلق فراغاً في القوة ستسعى جميع القوى إلى محاولة ملئه، ولكن يبدو أن هناك قناعة لدى هذه القوى تتمثل بضرورة تجنب الصدام في ساحة جديدة. فهذه القوى تشعر بنوع من الاستنزاف جراء مرور عقود من صراعاتها البينية والتي اشتدت بُعيد ثورات الربيع العربي، خصوصاً بين المحورين الإيراني من جهة والسعودي من جهة أخرى، وهو ما أصاب هذه القوى بنوع من الإجهاد والتعب.

يدل على ذلك محاولة أبرز اللاعبين الإقليميين اجتراح مقاربات جديدة في تعاطيهم مع الملفات الخلافية فيما بينهم. فهناك حراك دبلوماسي حثيث لتطبيع العلاقات السياسية يظهر بشكل واضح في منطقة الخليج العربي بين السعودية والإمارات من جهة وبين قطر من جهة ثانية. هذا فضلاً عن محاولات تطبيع العلاقات مع تركيا والتي تجريها كل من الإمارات ومصر، هذا بالإضافة إلى "قمة بغداد" التي حاولت أن تجمع العديد من القوى الإقليمية على مائدة واحدة للتداول في علاقاتها البينية بعيداً عن ساحات تصفية الحسابات.

وبالرغم من أن الوقت ما زال مبكراً للحديث عن انتهاء الصراعات البينية، فإن هذه الجولات الدبلوماسية من شأنها تخفيف حدة التوتر، بما يسهم في اجتراح مقاربات جديدة في المنطقة من شأنها تخفيف التوتر، والبحث عن حلول ترضي جميع الأطراف على قاعدة احترام المصالح المشتركة. ربما يكون الانسحاب الأمريكي فرصة لإعادة تموضع تخدم المنطقة ككل في حال أثبتت هذه القوى الإقليمية جميعاً قدرة على العمل سوياً.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي