هل يمكن أن نحمي حياتنا وخصوصيتنا مع الانتشار الواسع لتكنولوجيا الذكاء الصناعي؟

في هذه الصورة ، ملف بتاريخ 2 مايو 2019 ، يراقب جهاز كمبيوتر بعض ردود أفعال كاديت شاين كويلت لأنها تعمل مع شخصية الواقع الافتراضي المسمى
في هذه الصورة ، ملف بتاريخ 2 مايو 2019 ، يراقب جهاز كمبيوتر بعض ردود أفعال كاديت شاين كويلت لأنها تعمل مع شخصية الواقع الافتراضي المسمى "إيلي" في الأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت ، نيويورك. تنتشر الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية ، غالبًا كبرنامج أو برنامج كمبيوتر قادر على التعلم من كميات كبيرة من البيانات والتنبؤات لتوجيه الرعاية أو مساعدة المرضى. (AP)

هل يمكن قرصنة الإنسان؟ أقصد بالمعنى التقني كما يفعل الهاكرز (القراصنة) مع الأجهزة الرقمية؟ يبدو السؤال خارج سياقه. أو ربما يعبر عن مجرد افتراضية من الخيال العلمي. من الناحية العملية هذا الافتراض غير متحقق حالياً بمعناه التقني بناء على أن الإنسان لا يتكون من معادلات رقمية بل من خلايا حيوية. ولكن ماذا لو تمت عملية دمج الإنسان بالآلة، دمجاً بحيث يصبح أحدهما امتداداً للآخر، على سبيل المثال، وضع مجسات إلكترونية داخل جسم الإنسان مربوطة بأجهزة طبية لقياس ضغط الدم ونسبة السكري على مدار الساعة، ومتصلة بدورها مع شبكة الطوارئ بحيث يتم إعلان الجهات الطبية المسؤولة عن أي حادثة بشكل سريع ومباشر قد يؤدي بالتالي إلى تفادي خطر الوفاة؟

حقيقةً نحن لسنا بعيدين عن هذه التكنولوجيا. ربما في غضون عقد من الزمان سوف نجدها في متناول أيدينا. وبالرغم من المنافع الجمّة التي قد يحملها لنا الذكاء الصناعي على المستوى الطبي والاقتصادي. فإن مجموعة من المخاطر تبدو في الأفق وهي من النوع المستحكم.

دعونا لا نستبق الأحداث. قبل الحديث عن الذكاء الصناعي-البيولوجي علينا أن نصغي إلى المخاطر التي بات يفرضها الانتشار السريع والهائل لتكنولوجيا الذكاء الصناعي حالياً في الكثير من المجالات الطبية والخدماتية والاقتصادية. وأبرز هذه المشكلات يتعلق بأمن المعلومات، وهي المشكلة التي تضرب في كل الأرجاء حالياً مع تكنولوجيات أقل تطوراً من تكنولوجيا الذكاء الصناعي.

إن القرصنة وسرقة البيانات والتلاعب في المعلومات أصبحت منتشرة على نطاق واسع مع انتشار الإنترنت والأجهزة المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي. إن التقدم السريع في تكنولوجيا يرافقه تخلف ملحوظ على مستوى التشريعات وإجراءات الحماية التي من شأنها أن تصون هذه البيانات، وتعفي المستخدمين من شرّ التلاعب والتضليل المعلوماتي.

إن الاعتماد المتسارع على تكنولوجيا الذكاء الصناعي وإنترنت الأشياء من غير التصدي لخطر القرصنة والتلاعب من شأنه أن يدخلنا في دوامة جديدة من المخاطر التي سوف تمس حياتنا بشكل مباشر، وليس فقط بياناتنا الشخصية. لك أن تتخيل أنك تقود سيارتك على الشارع السريع، وهي سيارة ذكية متصلة بشبكة الإنترنت، ويقوم أحدهم بقرصنة الشبكة الحاسوبية في سيارتك، ما قد يتسبب في انحرافها عن مسارها وتعريض حياتك وحياة أسرتك للخطر. تخيل أن يقوم أحدهم بالتلاعب بالأجهزة الإلكترونية في بيتك، وثلاجتك، والمايكرويف في مطبخك، هذا فضلاً عن الأبواب والشبابيك والإضاءات. تخيل أن تعيش حياة متصلة بشبكة الإنترنت وهي غير مؤمّنة بشكل محكم بحيث يجري التلاعب بها من خلال القراصنة الذين لا تعرف بأي أرض هم.

إن الخوارزميات التي يعتمد عليها الذكاء الصناعي يمكن اختراقها بسهولة. وإذا ما علمنا أن القرصنة الإلكترونية بدأت تأخذ أشكالاً متقدمة من خلال البرامج الحكومية الراعية لها، فضلاً عن العصابات المنظمة، هذا في ظل حالة من الأمية الرقمية لدى غالبية المستخدمين، فإن خطر ارتفاع ظاهرة التلاعب قد تأخذ أشكالاً مخيفة. إن اختراق هذه الخوارزميات وإدخال بيانات مغلوطة فيها قد تأتي بنتائج عكسية مخالفة تماماً للأغراض التي كانت قد برمجت في البداية لأجلها. وهنا علينا أن نستذكر أن خوارزميات الذكاء الصناعي تتمتع بخاصية التعلم الذاتي وفق البيانات التي يتم تزويدها بها، وهذا يعني أن بيانات بسيطة قد تسبب ضرراً فادحاً. فإذا كانت الآلة قد صُممت لأغراض حميدة على سبيل المثال يمكن أن تتحول لأغراض القتل.

إن الإشكالية التي نواجهها هنا لا تتعلق ببعدها التقني فقط بل ببعدها الفلسفي أيضاً. إن عصرنا الحالي لم يعد يتشكل بناء على تفاعل السياسيين وعلماء الاجتماع والفلاسفة والنخب المثقفة كما كان الأمر سابقاً. فقد باتت حياتنا تتشكل بناء على تفاعل علماء ومهندسي التكنولوجيا التقنيين في مختبراتهم شبه المعزولة عن محيطها. وهنا علينا أن نتذكر أن هؤلاء المهندسين غير معنيين كثيراً بالأبعاد الأخلاقية لاختراعاتهم. ما يعنيهم بالأساس هو التقدم الذي يحرزونه. ولذلك فقضايا الخصوصية والأمن السيبرانية لا تعنيهم مطلقاً.

هل يجري تلقين هؤلاء المهندسين والعلماء التكنولوجيين مبادئ الفلسفة الأخلاقية لكي يأخذوها في الحسبان في مسيرتهم التقنية؟ لا يبدو أن هذا أمر وارد على المدى القريب والمتوسط على أقل تقدير. إن مثل هذه الحلول غير الواقعية لن تسعفنا. ربما بعض التوجهات البراغماتية قد تكون جيدة في طريقنا إلى الحل، من قبيل إبطاء الاعتماد على تكنولوجيا الذكاء الصناعي إلى حين وضع بروتوكولات حماية كفيلة بتخفيف حدة المشكلات الناتجة عن الأمن المعلوماتي والتلاعب.

إن مثل هذا التوجه يستوجب مبادرات مشتركة بين القطاعين الحكومي والخاص. الحكومي من خلال تشريعاته الواجبة من أجل إعادة تنظيم هذا القطاع، والخاص من أجل جعل هذه التكنولوجيا متواكبة بشكل أكبر مع متطلبات الحياة اليومية. إن جعل تكنولوجيا الذكاء الصناعي أخلاقية، وآمنة، ويمكن الركون إليه.

في السياق ذاته فإن حملات التوعية بالذكاء الصناعي لا تقل أهمية. إن هذه الحملات مهمة من ناحية تعريف المستخدمين بما يلائم حياتهم من تكنولوجيا الذكاء الصناعي وبما لا يلائمها. إن محو الأمية الرقمية لم يعد ترفاً اجتماعياً بل ضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة. فالتكنولوجيا الرقمية لم تعد مجرد أداوت لتسهيل مجرى حياتنا، بل باتت تُشكّل هذه الحياة وتؤثر فيها بشكل مباشر.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRTعربي.  

المصدر: TRT عربي