مجموعة من المهاجرين المتوجهين إلى شواطئ أوروبا (Others)
تابعنا

يستمرّ تذمُّر الحكومات الأوروبية وامتعاضها المتكرر من وجود اللاجئين على أراضيها، بالتزامن مع رفض كثير من المؤسسات الأهلية والرسمية وجودهم، والضغط لحلّ ما ادّعوا أنه أزمة جعلت الاقتصاد الأوروبي يدخل في نفق مظلم، فيما يحاول المسؤولون المعنيّون إخراجه من عنق الزجاجة.

ومع استمرار تدفُّق اللاجئين بسبب ضيق فرص العيش في أوطانهم الأصلية وانعدامها في بعض الأحيان، تبدو المسألة عصية على الحل في الوقت الحاضر، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو: لماذا اختارت أوروبا استقبال اللاجئين بداية؟ ولماذا لم تُغلق أبوابها في وجوههم ولم تتبيّن أنهم خطر قادم من غير الممكن التعامل معه في ما بعد؟.

لطالما عُرفت أوروبا بأنها القارة العجوز التي تفتقر إلى الأيدي العاملة، حتى إن بعض الدول ما زالت حتى الآن تعرض مبالغ مالية على من يتقدّم للسكن في بعض البلدات التي تعاني نقصاً في عدد السكان من أجل دعم مشاريع التنمية وتقدّم فرص مشاريع وقروضاً مُيسّرة للمهاجرين الذين ينوون الاستقرار فيها، علاوة على انخفاض نسبة الولادات وارتفاع نسبة الشيخوخة، وبالتالي يقلّ عدد المواطنين ممن هم خارج سوق العمل، ما يجعلها بحاجة ماسة إلى دمٍ شابٍّ جديد لردم الفجوة في القوة العاملة، وهو ما يُمكن أن تحلّه عن طريق استقبال أعداد معينة من اللاجئين وفقاً لحاجتهم، لينعكس فيما بعد على العائدات الاقتصادية للبلد المضيف.

في ألمانيا على سبيل المثال، يتقاعد ملايين الألمان مقابل قلّة عدد الشباب الذين قد يحلّوا مكانهم. وفي عام 2015 قبلت ألمانيا وحدها قرابة مليون لاجئ، استطاعت في فترات وجيزة تدريبهم ومساعدتهم على الدخول في سوق العمل، وبحلول الربع الأخير من عام 2018 دخل 35 في المئة من اللاجئين الذين قدموا في عام 2015 سوق العمل بما فيها الوظائف التي تتطلب مهارات.

سيطرت فكرة العوز على الصورة النمطية التي رسمها العالم المتحضّر للاجئين وصوّروهم بملابس ممزقة وأشكال رثّة، فباتوا مثاراً للشفقة ومدعاة للرفض من دون أن يحاول المحيط تبيّن خلفياتهم العلمية والعملية التي أتوا منها، وكان من المثير للاستغراب أو من الصعب تصديق أنهم كانوا يعملون في مهن كالمحاماة والهندسة والطب أو أنهم يعملون في مجالات إبداعية وثقافية مثل الأدب والفن، بحكم أنهم قادمون من دول نامية لم تنتهِ حتى اليوم من الصراعات الداخلية والخارجية.

تشكّل أزمة اللاجئين لأوروبا وفق ادعائهم أزمات أخرى قد تنجم عنها تداعيات أمنية وسياسية، ومن اللافت أن هذا الافتراض انتشر في العالم لدرجة أنك قد تعتقد أن اللاجئين الذين وفدوا طلباً لفرص حياة أفضل، يشكلون خطراً أكبر على العالم من الحروب التي تدور في بلادهم بمشاركة الدول الأوروبية في بعض الأحيان وبصمتهم عنها في أحيان أخرى.

لا يُنظر إلى اللاجئين بوصفهم الإنساني في طريقة حساب الأمور وإنما بمعاملتهم كورقة سياسية قابلة للاستخدام بحسب الظرف، فيتلاعب المسؤولون السياسيون بمصير اللاجئين المحتملين في المناطق التي تشهد أزمات سياسية وعسكرية مثل سوريا والعراق وأفغانستان واليمن.

كما يتضمن الشحن المستمر ضد اللاجئين اعتبارهم سبباً في مشكلات كثيرة منها شحّ الموارد وندرة فرص العمل، بشكل خاص بعد أزمة كورونا التي أجبرت الشركات على تقليص عدد موظفيها علاوة على الخوف على النسيج الاجتماعي الأوروبي المُهدد بالتمزّق بسبب وجود جاليات عربية ومسلمة، لكن الأمر الأكثر ظهوراً على السطح ما تعلنه الحكومات لما تتحمله من تكلفة اقتصادية بسبب استضافة اللاجئين الأمر الذي يسبب قلقاً للناخبين ودافعي الضرائب إذ لا يعدّون أنفسهم مسؤولين عن دعم مثل تلك المشاريع بشكل خاص في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ألقت بظلالها على العالم أجمع.

أشارت دراسة أمريكية سابقة إلى أن التكلفة التقريبية لكل لاجئ يُعاد توطينه في الولايات المتحدة قد تصل إلى 15 ألف دولار وهو أمر من الطبيعي أن يُشعر المواطنون بالعبء بسببه، لكن المشكلة تبدو في طريقة إصدار الخبر وتقديم المعلومة. حيث إن السياسيين الذين يستخدمون اللاجئين كورقة سياسية لا يتورّعون عن تقديم الصورة ناقصة ومشوهة لشحذ الرأي العام وتأليبه وفقاً لأجنداتهم.

تؤكد الدراسة نفسها أنه بعد بقاء اللاجئين في أوروبا لمدة 20 عاماً، فقد تبيّن أنهم دفعوا ما يقارب 21 ألف دولار على شكل ضرائب، وهي مبالغ تفوق المبالغ التي أنفقتها الحكومة في إعادة توطينهم.

في أستراليا أيضاً، وجد تقرير صدر في عام 2019 أن كل عمل تجاري يُنشئه اللاجئون يضيف 98200 دولار للاقتصاد بشكل سنوي. وعندما يبدأ لاجئ مشروعاً تجارياً في أستراليا فإنه يوفر للحكومة قرابة 33 ألف دولار من مدفوعات الرعاية الاجتماعية، ويحقق من عائدات الضرائب بما يقرب 10 آلاف دولار. فمن زاوية أخرى تؤكد الدراسة ذاتها أن أزمة اللاجئين في الحقيقة تشكل فرصة حقيقية لدعم اقتصادات الدول المستضيفة، إذ إن اللاجئين بعد دخولهم في مسار العمل قد يدفعون ضرائب تتجاوز المبلغ المذكور وهذا ما يؤكد أن الحكومة في توطينها للاجئين كانت تعمل على استثمار طويل الأمد، وتعرف أن المال الذي قد تتكلفه اليوم سيُردّ إليها فيما بعد بمبالغ أكبر محققاً مكاسب اقتصادية.

من غير المنطقي القول إن أوروبا قد عملت على توطين اللاجئين متّبعة بذلك حسّها الإنساني وانطلاقاً من مراعاة حقوق الإنسان فحسب، ضاربة بتخوّف المجتمعات المضيفة من اللاجئين عرض الحائط، إذ لا بد أن تكون مثل تلك المشاريع مدروسة بشكل وافٍ وأنها بتنفيذها كانت تبحث عن نتيجة مُرضية حتى ولو بعد أمد بعيد.

تُعدّ المساعدات المالية الممنوحة للاجئ معياراً مهماً في حساب نفقات تكلفة إعادة التوطين إضافة إلى نفقات الإجراءات الإدارية الروتينية وتكاليف الضمان الصحي، غير أن المساعدات المالية الممنوحة ستعاود الدخول في عجلة السوق على شكل زيادة في الطلب على السلع الاستهلاكية، وسيكون لذلك دور أكبر في دوران عجلة الاقتصاد في حال دخول اللاجئين سوق العمل وارتفاع دخلهم مع الوقت، وهذا ينعكس بدوره على الحالة المعيشية للأسر في البلد المضيف.

من الضروري إعادة النظر في تقديم الإعلام لحالة اللاجئين وتغيير الخطاب العالمي الذي يصوّرها على أنها أزمة. إذ تشير بعض التقارير إلى أنّ الأثر الاقتصادي لوفود اللاجئين في أوروبا إيجابي إلى حدٍ كبير، فقد أصبحت الاقتصادات أكثر ميلاً للتعافي ولوحظ انخفاض في نسبة البطالة، حيث ولَّد اللاجئون طلباً على البضائع وخلقوا فرص عمل ودفعوا الضرائب.

التقارير تؤكد أن الدول المضيفة بحاجة ماسة إلى أيدٍ عاملة تسدّ الفجوة في سوق العمل. ففي الولايات المتحدة تشير التقديرات إلى أنه وفي حلول عام 2030 سيكون قرابة 20 في المئة من السكان أكبر من سن 65 عاماً مما سيسمح للاجئين الذين ينتمون إلى الفئات العمرية الشابة بشغل الفراغ في الوظائف التي يتقاعد عنها أصحابها. ففي عام 2015 كانت أمريكا موطناً لـ180 ألف لاجئاً أصبحوا فيما بعد روّاداً للأعمال، بمعنى أن 13 في المئة من اللاجئين يتولون الريادة في الأعمال مقارنة بـ11.5 في المئة من اللاجئين الآخرين و11 في المئة من السكان الأصليين بحسب تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

إن حقيقة الأمر وفقاً لما تشير إليه الدلائل أن استضافة اللاجئين تشكّل فرصة أكثر مما تخلق أزمة، ومن وجهة نظر اقتصادية، يُعدّ الاستثمار في اللاجئين استثماراً غاية في الذكاء ويعمل على تحقيق عائدات بعيدة المدى. فعلى عكس الصورة السائدة التي تعتقد بأن اللاجئين قد يشكلون عبئاً اقتصادياً بسبب المساعدات التي تنفقها الدولة لإعادة توطينهم أو بسبب تخوف المواطنين الأصليين من أن يأخذوا فرص عملهم ويسببوا أزمات مالية واقتصادية، وقد أثبتت التجربة أن كثيراً من اللاجئين قد عملوا في مجالات رائدة ومنهم من أسس شركات ناشئة خلقت فرص عمل وساهمت في دفع عجلة الاقتصاد. ومن المرجّح أن تزداد مساهماتهم كلما مُنحوا فرصة أكبر لدعم المجتمعات المحلية، وفي حال لاقوا قبولاً مجتمعياً وبيئة غير نابذة، تُعزز لديهم الانتماء إلى المجتمع وتُقدّر مساهماتهم وجهدهم.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي