Israel Palestinians (John Minchillo/AP)

ذلك أنها لم تكن تتوقع حجم القوة النارية المضادة من قبل المقاومة الفلسطينية وتداعياتها الكبيرة على أراضي ال48 والضفة وساحة القدس الملتهبة.

وأدى تضافر هذه العوامل، ولأول مرة منذ قيام الكيان، إلى خلخلة استقراره، ليس فقط على المستوى الأمني الذي لعبت المقاومة على وتره، وإنما أيضاً على مستوى تماسكه ووحدته الداخلية وتضعضع ثقة المستعمرين بصلابة ومتانة كيانهم المزعوم، زادها تعقيداً انضمام فلسطينيي 48 إلى إخوتهم في الضفة والقدس وغزة، ليعبروا بدون خوف ولا وجل عن دعمهم للمقاومة وحماس.

وأدى اشتباك الفلسطينيين مع المستوطنين المستعمرين في اللد والناصرة وحيفا وأم الفحم وغيرها من البلدات الفلسطينية إلى تعزيز انتمائهم الوطني، وتحطيم كل محاولات أسرلتهم أو عزلهم عن محيطهم الفلسطيني والعربي.

وفي الإطار السياسي، تحطمت وإلى غير رجعة أسطورة الكيان المهيمن والمتفوق عسكرياً أمام صواريخ محلية فلسطينية طالت جميع المدن والبلدات المحتلة وتجمعات المستوطنين، دون أن تتمكن قبته الحديدية من وقفها.

إضافة إلى ذلك، فقد تخلخلت صورة الكيان الأخلاقية وعلاقاته الدولية بسبب الاستهداف المتعمد واليائس للمدنيين..

فشل إسرائيلي ووقف النار

وبسبب هذه التداعيات، جاءت الضغوط الأمريكية لوقف العدوان الإسرائيلي الذي كاد أن يهز صورة الإدارة الأمريكية الجديدة ودورها في المنطقة، دون أن يتمكن نتنياهو من تحقيق أهدافه بإضعاف المقاومة، في ظل استمرار صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته التي أوقعت خسائر معتبرة في الاحتلال وجعلت الكيان الإسرائيلي تحت خط النار وأدخلت غالبية الإسرائيليين إلى الملاجئ.

وقبلت إسرائيل بوقف غير مشروط لإطلاق النار، دون أن تتمكن من ردع المقاومة أو إضعافها الأمر الذي يعتبر فشلاً وهزيمة لجيش الاحتلال وانتصاراً على كل المستويات للمقاومة الفلسطينية، خصوصاً وأنها قبلت بوقف النار مع تأكيد معادلة حماس "وإن عدتم عدنا" التي تعني أن وقف النار مشروط بوقف إجراءات الكيان في المسجد الأقصى والشيخ جراح، بما يعطي الحق للمقاومة في قصف الكيان وضربه إن هو أقدم على إجراءاته في القدس أو تفعيل إجراءات إخلاء بيوت الفلسطينيين في الشيخ جراح.

ما جرى لم يكن هدنة شاملة، وإنما إجراء قد يتم التراجع عنه في أي لحظة، ولذلك شرعت مصر في وساطة للاتفاق على شروط تحقيق هدنة جديدة بين الاحتلال والمقاومة في غزة تشمل بالقطع هذه المرة كل الأراضي الفلسطينية وليس غزة وحدها كما كان في السابق، وهو إن تم فسيكون إنجازاً تاريخياً للشعب الفلسطيني ومقاومته، ومقدمة لمرحلة جديدة باتجاه وحدة وتلاحم الشعب الفلسطيني في أرض المعركة.

ومن المؤكد أن الهدنة الجديدة لن تكون عائقاً أمام انتفاضة ومقاومة في الضفة والقدس، وستجعلهما محميتين من قبل غزة، وستشكلان حافزاً لتحرك فلسطينيي 48 ليس للمطالبة بحقوقهم فقط كما في السابق وإنما أيضاً لمساندة إخوانهم في كل الأراضي الفلسطينية، وربما لاحقاً للالتحام معهم في الفعل الانتفاضي على الأقل.

بل إن القدس أصبحت الآن في بؤرة الاهتمام في الصراع، وشرطاً من شروط اتفاق وقف النار وما بعده من اتفاقات محتملة.

إنجاز استراتيجي

ويمكن القول إن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة تتمثل في توحد الفعل الفلسطيني وتكامله في مواجهة عدو عمل طوال السنوات الماضية على تفتيت وحدة الأراضي والسيطرة عليها وإخضاع الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم وجذورهم وتهويد مقدساتهم.

نجح الفلسطينيون أخيراً بفعل المقاومة في إحباط مخططات العدو بالسيطرة والهيمنة، وأوجدوا واقعاً جديداً حمل قضيتهم إلى آفاق جديدة كسرت سطوة الاحتلال ونجحت في إحباط مخططاته في القدس وأحيت الآمال بالفكاك من عار سلطة أوسلو والتنسيق الأمني والانطلاق نحو انتفاضة ثالثة ومقاومة، وأطلقت فلسطينيي 48 من إسارهم.

وهذا يعني فرملة لصفقة القرن التي حاول الكيان تكريسها من خلال خطة الضم واستكمال تهويد القدس، حيث أثبت الفلسطينيون أنهم قادرون على التصدي للكيان ميدانياً وفرملة خطواته التي تهدف إلى الإجهاز على فلسطين وتكويع الفلسطينيين.

فمع الدفقة الأولى لصواريخ القسام توقفت مسيرة الأعلام للمستوطنين الذين هرعوا إلى الملاجئ، ومن قبلها تمكن المقدسيون بكفاحهم من وقف إجراءات الشرطة الإسرائيلية في باب العمود، ثم فرملت الشرطة خطة اقتحام المستوطنين للأقصى من خلال باب المغاربة.

ومع توقيع اتفاق وقف النار تأجلت إلى أجل غير معلوم خطة المصادرة في الشيخ جراح، التي أصبحت قضية عالمية بعد أن حاول الاحتلال تنفيذها بصمت.

لقد جرى القضاء على مخطط التطبيع الذي طالما تباهى به نتنياهو وتمادت به بعض الدول العربية تحت حجج ومبررات واهية، حيث عزلت انتفاضة القدس ومقاومة غزة المطبعين من الدول والأشخاص ومنعت استمرار هذا المخطط الذي هدف إلى عزل الشعب الفلسطيني عن محيطه العربي والإسلامي.

مستقبل الاتفاق

كان الاتفاق أبعد من أن يكون في صالح إسرائيل وصورتها وموقفها الداخلي والخارج.

ورغم محاولات تسويق نتنياهو لتحقق أهدافه ضد المقاومة، فإن الواقع يشير إلى أن جيش الاحتلال المدجج بأحدث وأقوى الأسلحة وبقوة نارية كبيرة فشل في تحقيق أهدافه بإضعاف المقاومة وشل قدرتها الصاروخية واغتيال شخصيات قيادية رئيسية مثل محمد الضيف، بل ظهر هذا الجيش بأضعف صورة له عندما لم ينجح في منع الصواريخ من الانطلاق أو تفجيرها في الجو، كما لم يتمكن من تأمين المجال الجوي الحيوي الذي أغلق لأيام عدة، بما في ذلك جميع مطارات الكيان.

أضف إلى ذلك لم يتجرأ هذا الجيش على الدخول في حرب برية خشية الخسائر العالية التي سيتلقاها نتيجة حرب العصابات التي سيواجهها، ما أظهره بصورة العاجز والمهزوم أمام المقاومة.

ولكن هذا الاتفاق ليس نهاية المطاف، وسيظل مرهوناً بالإجراءات التي ستتخذها أي حكومة إسرائيلية مستقبلية في القدس خصوصاً.

فمن المعروف أن التيارين اليميني والديني المتحالفين يسيطران على الشارع الإسرائيلي، وهؤلاء لا يتورعون عن الاستمرار في مخططات اقتحام الأقصى وتهويد أحياء مدينة القدس، الأمر الذي سيبقي جذوة الصراع مشتعلة، وسيعطي المبرر للمقاومة في غزة للتدخل لتحقيق وعدها بحماية القدس وأهلها، بما يؤدي إلى تفاعل الشارع الفلسطيني في أنحاء فلسطين وصولاً إلى انتفاضة ثالثة محتملة ستكون هذه المرة مختلفة عما سلفها.

المقاومة عنوان المرحلة

وهكذا ستكون الانتفاضة أو الهبات القادمة شاملة للكل الفلسطيني، وستعزز جذوة الهوية الوطنية الفلسطينية والتمسك أكثر بالمقاومة والانحياز إلى نهجها، بما يشكل تحدياً للسلطة الفلسطينية وبرنامجها وللتنظيمات التي لا تزال تتمسك بالتسوية السياسية.

وعلى الأغلب لن تنجح السلطة التي تراجع دورها إلى حد كبير، في قطف ثمار المعركة لأنها أضعف بكثير من أن تفعل ذلك كما فعلت عام 1993 بعد الانتفاضة، وستكون المقاومة هي عنوان المرحلة القادمة، وستتوجه الجماهير نحوها وتنحاز إليها أكثر.

وفي المقابل، ستتجه القوى الدولية لمحاولة استيعاب قوى المقاومة ودمجها في البرنامج السياسي القائم على التسوية، بما يشكل تحدياً كبيراً للمقاومة عليها أن تتعامل معه بذكاء وحنكة وثبات، بعد أن ثبت أن مسار الانتخابات والاندماج في مؤسسات السلطة لا يمكن أن ينجح في تحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني.

كما أن ذلك سينعكس على تعزيز تفاعل الجماهير العربية والإسلامية مع القضية ودعمها للمقاومة الفلسطينية بأشكال وطرق مختلفة شاهدناها خلال الأيام الماضية، وسيكون الاعتماد الأكبر على جماهير دول الطوق أمام أنظمة أصبحت أضعف من ذي قبل.

ليس هذا فقط، فإن جذوة الثورات ستوقد من جديد مبشرة بعودة الربيع العربي الذي ستكون بوصلته هذه المرة تجاه فلسطين.

وسيكون عنوان المرحلة القادمة هو المقاومة والتصدي للعدوان الإسرائيلي، وستخبو جذوة التطبيع والعلاقات مع الكيان، وهي مرحلة جديدة ستطوي، ربما إلى الأبد، مراحل التراجع العربي والتوجه نحو تسويات مذلة مع الكيان لم تنجح في تحقيق أي إنجاز للشعب الفلسطيني والأمة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي