متظاهرون أردنيون يتظاهرون تضامناً مع الفلسطينيين في بلدة الكرامة الواقعة على الحدود مع فلسطين المحتلة، 14 مايو 2021. (AFP)

هذا فضلاً عن تحرك الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم وتوحدهم والتصاقهم بالقدس، واستئثار المقاومة الفلسطينية بالعديد من الاختراقات غير المسبوقة على المستوى العسكري كان على رأسها استهداف تل أبيب بالمئات من الصواريخ وهو أمر غير مسبوق على الإطلاق، فقد كانت تل أبيب الخط الأحمر حتى مسحت بهذا الخط الأرض مؤخراً.

ويمكن أن يضاف إلى ذلك تلك الاحتفالات التي عمت العديد من الشوارع الفلسطينية والعربية على حد سواء ابتهاجاً بانتصار المقاومة، وإذعان إسرائيل لوقف إطلاق النار من غير أن تحرز أيّ من أهدافها المعلنة أو غير المعلنة. فما حققته فعلاً هو استهداف بربري للمواقع المدنية من أبراج سكنية ومصانع وبنية تحتية حيوية. وهذا الإخفاق كان واضحاً بقوة في خطاب نتنياهو بعيد الإعلان عن وقف إطلاق النار حيث وعد شعبه بأن يكشف عن إنجازات جيشه في وقت لاحق. وعلى حد قول القائل، كاد المريب يقول خذوني، فما شهده الإسرائيليون طيلة هذه الفترة ما هو إلا إخفاق وراءه إخفاق، وما حصلوا من شيء غير المبيت في الملاجئ وتعطل مصالحهم اليومية.

على أهمية كل ما ذكر إلا أنني، وحسب وجهة نظري، أعتقد بأن هناك معطى آخر، هو الأهم، ويمكن القول بأنه كان فارقاً بشكل لا لبس فيه في معادلة الصراع، ويتمثل في الزحف الشعبي الكبير إلى حدود فلسطين المحتلة. حدث ذلك في الأردن وبأعداد كبيرة، وحدث أيضاً في لبنان، وكذلك في العراق من خلال الحافلات الكثيرة التي سيّرها النشطاء المدنيون من أجل التعبير عن تضامنهم مع إخوتهم وأشقائهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويمكن القول بأن إسرائيل التي تلقت صواريخ ساقطة عليها من سماء غزة، فإنها أيضاً وُوجهت بسيل من البشر المتعطش للعودة إلى أراضيه المحتلة من جديد.

تكمن أهمية التحرك في رمزيته التي لا تخفى على أحد. فهذا التحرك دليل على أن الجموع العربية مشدودة للزحف إلى فلسطين، وبأن التضامن لم يعد يحدث في أزقة وحارات وتجمعات وميادين المدن الداخلية، بل من خلال السير والتوجه نحو الحدود مباشرة. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، فإن هذا التحرك يدل على إعادة الاعتبار إلى المسافة نحو الحدود مع فلسطين المحتلة، ففي السابق، ولفترة طويلة، ترسخ في وعينا الجمعي أن فلسطين بعيدة جداً، وأن حدودها لا يمكن الوصول إليها، وتفصلنا عنها مسافات شاسعة وحواجز جمّة. ولكن سهولة الوصول إلى تلك الحدود وسرعته بددت هذه التصورات تماماً، وبات ينظر إلى فلسطين على أنها على بعد مرمى حجر أو ما يقال في اللهجات المحكية على بعد مقرط العصا.

شكل الزحف أو السير نحو الحدود تقريباً لفلسطين في المخيال الجمعي لهذه الشعوب العربية المتعطشة للتحرير والعودة، وأعاد تأثيث المسافة الواصلة إلى فلسطين بالممكن وليس بالمستحيل. فقدرة الشباب على تخطي الحدود من الجانب الأردني، والحديث عن تسلل بعض الشبان والوصول إلى إحدى المستوطنات على الجانب الآخر من نهر الأردن، يصدم التصورات السابقة عن استحالة الوصول، ويجعل الممكن رهينة لمجرد تهيؤ الظرفية المناسبة سواء أكانت بيئية وفق موازين القوى وطبيعة الصراع أو زمنية.

لقد عكست ظاهرة التوجه إلى الحدود مسار التاريخ الممتد منذ النكبة عام 1948. لقد شهدنا طوال هذه الفترة مساراً واحداً لحركة النزوح؛ من فلسطين إلى خارجها وذلك بفعل الاحتلال والقمع والتنكيل الذي تعرض له الفلسطينيون من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. لقد هُجر الفلسطينيون عنوة عن أراضيهم، وباتوا لاجئين في الشتات حول العالم. اليوم، ومع ظاهرة التوجه نحو الحدود، فإن إرهاصات تحول المسار قد بدأت، وبدلاً من طرد الفلسطيني من خارج فلسطين، ها هو يتوجه إليها زحفاً حتى ولو بقي على حدودها.

وإذا ربطنا هذا التوجه بما نشهده كل مرة مع ارتفاع حدة التصعيد بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية من هجرة عكسية للإسرائيليين نحو بلدانهم الأصلية خوفاً على حياتهم فإن مشهد التوجه نحو الحدود سوف يأخذ بعداً آخر يتعلق بالوعي الذي شكله الإسرائيليون عن دولتهم بأنها محمية آمنة. فاليوم لا يتعرضون لمجرد صواريخ تسقط على رؤوسهم، بل هم أمام طوفان بشري قابل في أي لحظة أن يغرقهم وهو أمر لا يجدي معه التخفي في الملاجئ، حيث إن الحل الوحيد حينها هو تسريع الخطى نحو الهجرة العكسية، والخروج من فلسطين مجدداً عبر الموانئ إلى بلدانهم التي أتوا منها.

أخيرا، فإن ما يلفت الانتباه هو أن التوجه إلى الحدود كفعل رمزي وتضامني لم يعد يحتاج إلى كثير تعبئة وترتيب، مثل أن ينتشر هاشتاغ عن الموضوع لكي ترى المئات وربما الآلاف قد تجمهروا بالقرب من الحدود، وهذا يدل على التعبئة النفسية الكبيرة التي يتمتع بها الشارع العربي فيما يخص التوجه إلى فلسطين المحتلة والعودة إليها. ففي الأردن على سبيل المثال، كان يكفي أن يتحول هاشتاغ "فتحوا الحدود" إلى هاشتاغ "يلا على الحدود" حتى تمتلئ منطقة الأغوار الحدودية مع فلسطين المحتلة بالوافدين والزاحفين. هناك تعطش شعبي كبير لفلسطين وما تمثله من كرامة على المستوى الشعبي والفرد، والزحف نحوها رغم بقاء الحدود مغلقة ومحمية، يمثل في جزء كبير منه توقاً لدى الشعوب العربية إلى تذوق الكرامة من خلالها. في تقديري، هذا المعطى الرمزي له دلالات عميقة نحو المتغيرات التي بدأت تطرأ على طبيعة الصراع مع إسرائيل، وأستطيع القول بأن العد العكسي لإنهاء الاحتلال قد بدأ بالفعل.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي