أحد العمال يقف بجوار أنبوب غاز وقد كتب عليه كلمة روسيا بالانجليزية (AP)
تابعنا

وتتمثل الأزمة بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي لمستويات غير مسبوقة، حيث ارتفعت أسعار العقود الآجلة في الأسواق الأوروبية لتصل إلى 400% من أسعار العام الماضي.

وبالرغم من المحاولات التي يبذلها الاتحاد الأوروبي لتقليص الأسعار قبل دخول الشتاء ما زالت الأسعار تواصل ارتفاعها وتقفز إلى مستويات قياسية لايبدو معها أن الأزمة ستصل إلى حلول قريبة، لاسيما وأن الأسباب الحقيقية وراء الأزمة لا تتعلق فقط بمشاكل السوق الأوروبية وإمدادات الغاز الطبيعي في ظل جائحة كورونا ولكن يبدو أنها تتعلق أيضاً بصراعات جيوسياسية واقتصادية ربما هي السبب الرئيسي في استمرار الأزمة وتفاقمها.

ثمة عدة أسباب ظاهرة بوضوح يمكن أن تعطي تفسيراً مقبولاً لأزمة الغاز الأوروبية، فمع اقتراب الشتاء يبدو من أغلب التوقعات أنه لن يكون دافئاً. ومع انخفاض مستويات الغاز في منشآت التخزين الأوروبية أدى ذلك إلى تخوفات لدى المستوردين الأوروبيين صاحَبَها ارتفاع كبير في الطلب على الغاز الطبيعي، في الوقت نفسه كانت الأسواق الآسيوية التي تسعى إلى تعافي اقتصادها لمستويات ما قبل الجائحة هي الأخرى تشهد زيادة في الطلب على الغاز الطبيعي، ما أدى إلى توجه غالبية عقود الغاز المسال إلى الأسواق الآسيوية.

على الجانب الآخر، لم تكن التخوفات من شتاء قارس في أوروبا أو زيادة الطلب العالمية على الغاز الطبيعي هي فقط الأسباب المباشرة وراء أزمة الغاز الأوروبية.

ولكن يبدو أن تسارع الاتحاد الأوروبي إلى إقرار سياسات تحول الطاقة من الوقود الإحفوري (النفط والغاز والفحم) إلى الطاقة المتجددة والطاقة النظيفة قد ساهم بشكل كبير في الأزمات الحالية لأسعار النفط والغاز لاسيما مع التوقف السريع لمحطات الطاقة النووية والفحم والتحول إلى مزيد من استخدام الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء باعتباره الوقود الإحفوري الأقل تأثيراً على البيئة.

بالإضافة إلى ذلك، ساهمت أعمال الصيانة التي تجريها النرويج للبنية التحتية للنفط والغاز وهي أكبر منتج للغاز الطبيعي في أوروبا وأحد المصادر الرئيسية لإمدادات الغاز داخل القارة في مفاقمة أزمة الغاز الأوروبية.

الغاز الطبيعي كأداة سياسية

في صيف عام 2014 هددت روسيا بقطع إمدادات الغاز الطبيعي عن أوروبا في خضم أزمتها مع أوكرانيا التي تطورت فيما بعد إلى احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا الغاز الطبيعي كأداة سياسية لفرض أمر واقع أو كورقة ضغط على أوروبا التي تحصل على ما يزيد عن 40% من احتياجاتها للغاز الطبيعي من روسيا.

ففي عامي 2006 و2009 استخدمت روسيا التهديد نفسه في ظل أزمة مماثلة مع أوكرانيا. اتجه الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد تهديدات روسيا المتكررة بقطع إمدادات الغاز الطبيعي إلى إقرار استراتيجية تنويع مصادر الغاز الطبيعي (Natural Gas Supply Diversification) والتي استهدفت فتح مسارات أخرى متنوعة لصادرات الغاز الطبيعي القادم إلى أوروبا من أجل تحقيق أمن الطاقة والحد من تمدد النفوذ الروسي في أوروبا.

وعلى النحو نفسه، لم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن أزمة أوروبا واعتمادها على الغاز الروسي، فمن ناحية كانت الولايات المتحدة ترغب في الحد من النفوذ الروسي في أوروبا، ومن ناحية أخرى كانت تسعى إلى فتح طريق للغاز المسال الأمريكي داخل الأسواق الأوروبية، وهو ما جعل الولايات المتحدة أكبر داعم لاستراتيجية أوروبا لتنويع مصادر الغاز الطبيعي.

لا تبدو الاستراتيجية الروسية في استخدام الغاز أداةً سياسية بعيدة عن الأزمة الحالية للغاز في أوروبا، فبالرغم من إغراء الأسعار المرتفعة للغاز الطبيعي تدرك روسيا أن تحقيق هدف يحقق لها استمرار نفوذها على المدى البعيد داخل أوروبا يجب أن يكون له الأولوية، وهذ يعني أن روسيا تدرك أن خسارتها لخط أنابيب الغاز "نورد ستريم2" الذي من المفترض أن ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق ستكون قاسية من الناحية الجيوسياسية ومن الناحية الاقتصادية، وتدرك أن أي مكاسب وقتية لن تعوض خسائر "نورد ستريم2". ويبدو أن توقيت أزمة الغاز الأوروبية مثَّل فرصة سانحة لروسيا للضغط على أوروبا من أجل تمرير الموافقة على بدء العمل بخط "نورد ستريم2" وضمان تدفق الغاز من خلاله قبل أي خطوات محتملة بتعطيل الموافقات الألمانية على الخط والتي يبدو أنها ستكون معقدة ومسيسة أو بفرض عقوبات مجددة من خلال الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية.

لم تفوت روسيا الفرصة ومع بداية الأزمة وارتفاع أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية وبالتزامن مع اكتمال خط "نورد ستريم2" وتعطُّل الموافقات الألمانية لتشغيل الخط بدأت روسيا في تعليق صادراتها من الغاز على منصة المبيعات الإلكترونية لشركتها الضخمة جازبروم لتزيد من حجم الأزمة ولتتفاقم الأسعار بصورة غير مسبوقة. قدمت روسيا مسوغات تبدو منطقية لتعطيل صادراتها من الغاز وأعلنت أن الأولوية للسوق المحلية ولتغطية الطلب المتزايد داخلياً وللانتهاء من ملء منشآت تخزين الغاز الروسية والتي لن تنتهي قبل نوفمبر القادم. في الوقت الذي كانت رسائل روسيا المباشرة تنفي أي دور لها في تفاقم أزمة الغاز الطبيعي في أوروبا وترفض الاتهامات التي وُجهت إليها من الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة بأن إمدادات الغاز الروسية أقل من المتوقع كانت الرسائل غير المباشرة واضحة، وبرز العرض الذي تقدمه روسيا في صورة حل مشروط للأزمة يربط تحقيق استقرار أسعار الغاز في أوروبا بالموافقة على بدء العمل بخط "نورد ستريم2".

هل تقدم ألمانيا الحل؟

إذا كان أحد الحلول الرئيسة المطروحة لحل أزمة الغاز في أوروبا لا يتعلق بروسيا فقط ولكنه يتعلق أيضاً بالموافقة الألمانية على بدء العمل بخط "نورد ستريم2"، فمن المهم أن نفهم إلى أي مدى ستساهم الأوضاع السياسية الجديدة في ألمانيا في إيجاد حلول لأزمة خط "نورد ستريم2" ومعها أزمة الغاز الأوروبية.

في ظل وضع سياسي معقد في ألمانيا بعد رحيل ميركل والذي فرض تشكيل حكومة ائتلافية من ثلاثة أحزاب على الأقل فإن مسار التحالفات بين الأحزاب المختلفة لتشكيل الحكومة سيكون معقداً وسيستغرق وقتاً طويلاً ربما عدة شهور، وهذا يعني أن الموافقات اللازمة لتشغيل خط "نورد ستريم2" في الغالب ستأخذ وقتاً طويلاً، وأن ألمانيا في الوقت الحالي وفي وجود حكومة مؤقتة تحت قيادة ميركل سيكون من الصعب عليها اتخاذ قرارات حاسمة سواء داخلياً أو خارجياً لحين الانتهاء من تشكيل الحكومة الائتلافية.

ويبدو أن الوضع لن يختلف كثيراً بعد تولي حكومة الائتلاف مهامها، حيث سيكون من الصعب إنجاز موافقة سريعة على تشغيل الخط في ظل حكومة لديها هامش حركة ضئيل نتيجة الاختلافات الايديولوجية بين أحزاب الائتلاف، والتي تجعل من اتجاه الحكومة لإنفاذ سياسات متماسكة أمراً ليس بالسهل، وسيكون أيضاً من المستبعد الرضوخ لضغوط روسيا واشتراطاتها لحل أزمة الغاز في أوروبا في وقت ستسعى فيه ألمانيا تحت القيادة الجديدة إلى الحفاظ على ثقلها السياسي والاقتصادي في الاتحاد الأوروبي وعلى علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تأثرت بشكل كبير في عهد ترمب.

أسابيع قليلة تفصل أوروبا عن شهور التدفئة اللازمة لمواجهة شتاء شديد البرودة، وفي ظل مخزون متدنّ من الغاز الطبيعي، وفي ظل تقديم بوتين حلولاً مشروطة ربما تساهم بشكل كبير في استقرار الأسعار ومد أوروبا باحتياجاتها من الغاز الطبيعي، ومع ذلك يبدو أن أزمة الغاز في أوروبا ستستمر وستتعمق أكثر مع الأشهر القادمة في ظل مشهد سياسي جديد في ألمانيا لن يمرر موافقات تشغيل خط "نورد ستريم2" بسهولة، وفي ظل رغبة أوروبية وأمريكية للحد من النفوذ الروسي ومنع روسيا من استخدامها الغاز الطبيعي كأداة سياسية للضغط على أوروبا مجدداً.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً