مع انتهاء الهدنة الإنسانية وسع الاحتلال من عملياته في جنوب قطاع غزة / صورة: Reuters (Reuters)
تابعنا

بعد هدنة مؤقتة بدأت في 24 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، دامت لنحو 7 أيام، استأنف جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة من جديد، وخلال الـ24 ساعة الأولى من تجدد العدوان استُشهد أكثر من 700 فلسطيني على الأقل في مختلف أماكن القطاع من الشمال إلى الجنوب.

وفي خطوة تدلل على عدم رغبته في متابعة المباحثات حول هدنة جديدة، رفض الاحتلال جميع مقترحات تمديد الهدنة، وسحب وفده المفاوض من الدوحة، رغم وجود بعض المقترحات التي يمكن البناء عليها.

لقد روّج الاحتلال الإسرائيلي لأن حماس لم تتمكن من تحديد مكان مزيدٍ من النساء والأطفال الأسرى لتضمينهم في صفقة تبادل جديدة مع الاحتلال، لكن في الحقيقة كان مجلس الحرب لدى الاحتلال حاسماً في موضوع العودة إلى الحرب من جديد بغضّ النظر عن هذا الموضوع.

إجماع صهيوني على الحرب

إذا تفحصنا تصريحات قادة الاحتلال خلال الهدنة المؤقتة ابتداءً من أكثرها تشدداً، سنجد أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، قال بشكل واضح إن وقف الحرب يعني حل الحكومة الإسرائيلية.

وبالتالي، فإن هذا المسار يعني دخول كيان الاحتلال في دوامة جديدة نحو انتخابات جديدة وصراعات داخلية قوية في ظل الحرب، ولن تكون نتيجتها وتداعياتها مضبوطة تماماً، وقد تقلب الأمور رأساً على عقب، في ظل تراجع حزب الليكود وأحزاب الائتلاف المتحالفة مع نتنياهو.

وحتى المعارضة الإسرائيلية المتمثلة في يائير لابيد، لا ترجّح هذا المسار وتجد أن الاستمرار في الحرب قد يكون هو الخيار الأفضل، رغم أن وقف الحرب يعني تقدمها على نتنياهو.

أما الطرف الآخر -المتمثل في الوزير بيني غانتس، ورئيس أركان جيش الاحتلال هرتسي هليفي- فقد أكد في أكثر من تصريح أن مجلس الحرب موحَّد في العودة إلى إطلاق النار بعد نهاية الهدنة، وأنه ليس هناك أي خيار آخر أمامهم، كما قال هليفي إنهم وضعوا الخطط خلال الهدنة لاستكمال القتال.

ويبدو أن المجتمع الصهيوني بكل مكوناته يميل إلى استئناف الحرب وتدعم أغلبيته استمرار الحرب، وأشارت استطلاعات نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن 96% من الجمهور الإسرائيلي يدعمون الحرب، رغم تشككهم في قدرة جيشهم على تحقيق أهدافه.

ولم تبرز أي معارضة تُذكر للحرب في المجتمع الصهيوني عدا أهالي الأسرى حتى الآن، وهذا ما يشجع صُنّاع القرار الإسرائيليين على المضي في قرار الحرب، على الأقل حتى يكون هناك ضغط داخلي يشعر بتكلفة وثمن الحرب في غزة.

يتعلق العامل الثالث بنتنياهو نفسه الذي يدرك أن مستقبله السياسي سيدخل في مرحلة الانتهاء التام بمجرد انتهاء المعركة، وبالتالي تجتمع رغبة الجيش في ترميم صورته ورؤية الصهيونية الدينية الراغبة في إحراق المنطقة، ورغبات نتنياهو الشخصية في التصعيد للحفاظ على موقعه السياسي أطول فترة ممكنة.

استمرار الدعم الأمريكي

بالإضافة إلى ما سبق، يستمر صُنّاع القرار في دولة الاحتلال الإسرائيلي في الحصول على الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية ومن المجتمع الصهيوني في الداخل، في ظل عدم وجود أي ضغط حقيقي دولي أو إقليمي على دولة الاحتلال الإسرائيلي يمنعها من استئناف عدوانها على غزة.

وبشكل تفصيلي، كانت الإدارة الأمريكية تقدم فقط بعض النصائح العلنية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، مثل ضروة أخذ المدنيين الأبرياء في الاعتبار في عمليتها جنوب غزة، وهي نصيحة لذرِّ الرماد في العيون فحسب، حيث قتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 700 شخص كلهم من المدنيين في أول يوم من استئناف العدوان.

وقد حضر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، مجلس الحرب الإسرائيلي مجدداً؛ ليكرّس الدعم الأمريكي لاستئناف العملية العسكرية ضد غزة.

وقد ترافق مع الدعم الأمريكي السياسي لاستئناف العملية الإسرائيلية في جنوب غزة دعمٌ عسكريٌّ أيضاً، مع وصول الكثير من القذائف والذخائر إلى دولة الاحتلال، كما أن وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، قال إن "الولايات المتحدة لن تسمح بانتصار حركة حماس".

خلال الهدنة، حاولت دولة الاحتلال إعادة صناعة مظلومية ومشروعية لعدوانها من خلال دعوة بعض الشخصيات المؤثرة، مثل إيلون ،ماسك مالك موقع إكس، (تويتر سابقاً)، وكريم خان، المدعي العام في محكمة العدل الدولية.

ليس لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي أي رؤية سياسية يمكن أن تقنع بها الأطراف الإقليمية والدولية، وبالتالي هي تريد أن تفرض واقعاً جديداً من خلال استمرار الحرب على غزة، والانتقام من المجتمع الغزي ومن الحاضنة الشعبية للمقاومة، ولكنَّ هذا السلوك ينطوي في الوقت نفسه على مخاطرة كبيرة بثمن أكبر وبانزلاق نحو مستنقع أعمق، وتوجيه نحو توسيع مساحة الصراع.

لقد مُنيت دولة الاحتلال الإسرائيلي بهزيمة كبيرة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، وحتى الآن لم تستطع أن تمحو آثار هذه الهزيمة، رغم كل ما نفذته من قصف وتدمير للبنية التحتية لقطاع غزة.

ورغم وجود قرابة 20 ألف شهيد في غزة، فإن الاحتلال ما زال يتكبد خسائر في القطاع، ولا تزال الصواريخ تنطلق نحو تل أبيب، كما أن الاحتلال لم يستطع أن يحرر حتى الآن أي أسير بالقوة خلال شهرين من العملية العسكرية.

وبالتالي، يجد جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه لا بد أن يستمر في هذه العملية، وفي الحقيقة لا يمكن لأي شيء أن يمحو هزيمة السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وقد قال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، خلال كلمته في مؤتمر المناخ مؤخراً، إن "هذه الحرب قد تستمر لعشر سنوات، حتى تستطيع إسرائيل تحقيق أهدافها".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً