تقسيم الهند وباكستان.. كيف خلقت بريطانيا أزمة مستمرة يدفع ثمنها المسلمون؟
طوال الـ76 عاماً الماضية، كان التقسيم يعني "التنافس الدائم" بين دولتين مسلحتين نووياً. وهو الحدث الذي لم يخلف توترات طائفية وحسب، بل لا تزال تداعياته السلبية تُخيّم على حياة المسلمين داخل الهند وفي المناطق الحدودية المتنازع عليها حتى يومنا هذا.
تقسيم الهند وباكستان.. كيف خلقت بريطانيا أزمة مستمرة يدفع ثمنها المسلمون؟ (Photo by Arif ALI / AFP) (AFP)

كان تقسيم الهند في عام 1947 بمثابة أحد أهم الأحداث الجيوسياسية في القرن العشرين. أدى التقسيم إلى إنشاء دولتين مستقلتين، الهند وباكستان التي كانت تتألف في ذلك الوقت من منطقتين تقعان على جانبي الهند: جمهورية باكستان الإسلامية وجمهورية بنغلاديش الشعبية. كما وضع الأساس لأزمة معقدة ومستمرة لا تزال تشكل المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي لشبه القارة الهندية.

يمكن إرجاع جذور هذه الأزمة إلى السياسات الاستعمارية لما كان يعرف بالإمبراطورية البريطانية في حينه، والتي استغلت الاختلافات الدينية والطائفية للحفاظ على سيطرتها على المنطقة. إذ انتهى المطاف بالمسلمين، بدفع ثمن باهظ للانقسامات التي زرعتها القوة الاستعمارية.

وعلى الرغم من مرور 76 عاماً على التقسيم بين الهند وباكستان، لا تزال النزاعات حول منطقة كشمير دون حل، ولا تزال الدولتان أيضاً تتصارعان مع ندوب التقسيم، إذ تستمر التوترات الطائفية في الاشتعال.

بذور التنافر

بذور التنافر الطائفي زرعها الحكام الاستعماريون البريطانيون من خلال سياسة "فرق تسد". تضمنت هذه السياسة استغلال الاختلافات الدينية والعرقية واللغوية القائمة بين السكان الهنود للحفاظ على السيطرة. حيث خلق المسؤولون البريطانيون بشكل منهجي انقسامات داخل المجتمع الهندي، ما عزز عدم الثقة والعداء بين الهندوس والمسلمين، وكذلك بين الجماعات الدينية والعرقية الأخرى، وفقاً لكتاب "التقسيم العظيم: صنع الهند وباكستان".

وفي سعيهم للاحتفاظ بالسلطة، حشد البريطانيون المجتمعات المختلفة ضد بعضها البعض، مما عزز الشعور بالمنافسة. وعزلوا المجتمعات من خلال ناخبين منفصلين، وخلقوا منصات سياسية للجماعات الدينية بدلاً من التركيز على هوية موحدة. وفق الكتاب نفسه.

وتضمنت هذه السياسات إجراءات مثل الإحصاء العلمي لعام 1871 وإنشاء دوائر انتخابية منفصلة للمسلمين. استثارت هذه الإجراءات القوميات والهويات الدينية الجامدة في المنطقة، ومهدت الطريق للتوترات الدينية التي ستنفجر لاحقاً أثناء التقسيم، وفقاً لتقرير نشره موقع TRT World.

التقسيم ونتائجه

يؤكد كثير من المؤرخين اليوم أن التقسيم كان نتاجاً لتفاعل الكثير من العوامل، بما في ذلك التوترات المجتمعية المتزايدة التي غذتها سياسة "فرق تسد" البريطانية في ثلاثينيات القرن الماضي، وتأثير الحرب العالمية الثانية والانهيار واسع النطاق للقانون والنظام، بالإضافة إلى الخيارات السياسية التي اتخذتها النخب على المستويين الوطني والإقليمي.

وبينما دافع زعماء مثل جواهر لال نهرو والمهاتما غاندي عن الهند الموحدة التي تعتنق ديانات متنوعة، ترأس محمد علي جناح الرابطة الإسلامية ودعم فكرة إنشاء وطن خاص للمسلمين، والذي أصبح باكستان. ومع اقتراب احتمالية استقلال الهند البريطانية، أرسى تصادم هذه الرؤى المتناقضة الأساس للتقسيم، وفقاً للمكتبة البريطانية.

وفي منتصف أغسطس/آب 1947، جرى تقسيم الهند البريطانية، منهية بذلك ثلاثمائة عام من الحكم الاستعماري مع إنشاء دولتين مستقلتين: الهند ذات الأغلبية الهندوسية، وباكستان ذات الأغلبية المسلمة. فيما تسبب هذا التقسيم في "أكبر حركة جماهيرية للبشرية في التاريخ"، وفقاً لمقال نشرته كلية التاريخ في جامعة أكسفورد البريطانية.

أدى هذا التقسيم إلى تصاعد أعمال العنف، ما أدى إلى انتقال ما يقرب من 12 مليون لاجئ عبر الحدود الوطنية الجديدة التي رسمها المحامي البريطاني السير سيريل رادكليف خلال 36 يوماً فقط. وتشير أكسفورد إلى أن معرفة رادكليف المحدودة للغاية ـ والذي لم يسافر أبداً شرقاً أبعد من باريس قبل تكليفه برسم خطوط التقسيم - والخطوط التي رسمها قد أدت إلى فصل المجتمعات، وتركت الملايين على الجانب "الخطأ" من الانقسام. كما تسببت في هلاك ما بين نصف مليون إلى مليوني شخص نتيجة الاضطرابات وموجات العنف التي تلت ذلك، فضلاً عن تعرض 80 ألف امرأة للعنف أو الاختطاف أو الاعتداء.

المسلمون من يدفع الثمن

لم يؤد التقسيم إلى مأساة إنسانية ضخمة فحسب، بل أرسى أيضاً الأساس لتوترات طويلة الأمد بين الهند وباكستان. وعلى المدى الطويل، كان التقسيم يعني "التنافس الدائم" بين دولتين مسلحتين نووياً. ومنذ ذلك الحين، خاضت الهند وباكستان ثلاث حروب حول الحدود المتنازع عليها في كشمير (1947، 1965، 1999).

وكان لإنشاء دولتين على أسس دينية يعني أن المسلمين الذين بقوا في الهند واجهوا تحديات لهوياتهم الدينية والثقافية. أدى ذلك غالباً إلى تفاوتات اجتماعية واقتصادية وتهميش وعنف مجتمعي ضد المجتمعات المسلمة، وهي الأمور التي ازدادت حدتها في السنوات الأخيرة، حيث يجاهر حزب "بهاراتيا جاناتا" المتطرف الحاكم بعدائه للمسلمين علنياً ويعد بتضييق الخناق عليهم من خلال ممارساته العنصرية.

بالإضافة إلى ذلك، أدى الصراع في كشمير، وهو الإرث الأكبر لعملية التقسيم، إلى تأجيج الصراع بين الهند وباكستان، مما أثر على حياة الملايين، بخاصة في المنطقة ذات الأغلبية المسلمة حيث تنشط جماعات هندوسية متطرفة، تقوم تحت مرأى ومسمع حكومة نيودلهي المتطرفة، باستهداف ومضايقة السكان المسلمين في المنطقة.

وبينما كانت كشمير مسرحاً لعقود من الصراع الذي راح ضحيته آلاف المدنيين والعسكريين، شهدت السنوات الأخيرة تفاقم التوتر بعد فرض نيودلهي سلطتها المباشرة على الإقليم في أغسطس/آب 2019، ما دفع الحكومة الهندية إلى تبني استراتيجية جديدة أعادت بها إحياء المليشيات الهندوسية المحلية المعروفة بـ"حراس الدفاع عن القرية"، بتسليحها وتشكيلها رسمياً وعلنياً لتخويف ومضايقة السكان المسلمين في كشمير.


TRT عربي