"وصفة غزة لهزيمة الاحتلال".. لماذا ستفشل إسرائيل في الانتصار على حماس؟
على الرغم مما تملكه إسرائيل من قدرات عسكرية هائلة ودعم دولي كبير، لم يحقق جيش الاحتلال الإسرائيلي أيّاً من أهدافه المعلنة، بل على العكس فشل حتى اللحظة في مهماته الأساسية، كتحرير الأسرى، أو وقف إطلاق الصواريخ، ناهيك بتدمير المقاومة وإعادة احتلال غزة.
"وصفة غزة لهزيمة الاحتلال".. لماذا ستفشل إسرائيل في الانتصار على حماس؟ / صورة: AA (AA)

واضعاً "تدمير حماس بشكل كامل" هدفاً أساسيّاً لعدوانه، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن بدء الغزو العسكري لقطاع غزة ردّاً على عملية طوفان الأقصى التي نفذتها حماس يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وعلى الرغم مما تملكه إسرائيل من قدرات عسكرية هائلة والدعم الدولي الكبير الذي تتلقاه، لم يحقق جيش الاحتلال الإسرائيلي أيّاً من أهدافه المعلنة طول العدوان الذي يقترب من دخول شهره الثالث، بل على العكس فشل حتى اللحظة في مهماته الأساسية، كتحرير الأسرى، أو وقف إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية، ناهيك بتدمير المقاومة وإعادة احتلال غزة.

الفشل الإسرائيلي لم يقتصر على تحقيق الأهداف الكبيرة التي وضعها قبل بدء العدوان فحسب، بل امتد أيضاً ليطال فشله في تقديم صور انتصار زائفة حتى، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة هآرتس عن إسحق بريك، جنرال إسرائيلي خدم في سلاح المدرعات برتبة قائد لواء، وعمل قائداً للكليات العسكرية.

فشل ذريع

ويقول بريك إنه بناءً على المعلومات التي تلقاها من الجنود والضباط الذين يقاتلون في قطاع غزة منذ بدء الحرب، فقد توصل إلى الاستنتاج التالي: "المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي والمحللون العسكريون في استديوهات التليفزيون يقدمون صورة زائفة لآلاف من قتلى حماس. أما عدد أعضاء حماس الذين قتلتهم قواتنا على الأرض فهو أقل بكثير. إن معظم الحروب لا تجري وجهاً لوجه، كما يزعم المتحدث والمحللون. ومعظم قتلانا وجرحانا أصيبوا بقنابل حماس والصواريخ المضادة للدبابات".

وقبل فشل إسرائيل في تقديم صورة انتصار زائف، فشلت أجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية على التنبؤ مسبقاً بهجوم "طوفان الأقصى"، الذي مثّل "فشلاً كارثيّاً ستكون له انعكاساته السياسية"، حسب محللين إسرائيليين، إذ قال المحلل عاموس هارئيل: "الوضع يدعو إلى مقارنة تاريخية مؤلمة. لقد انهار مفهوم إسرائيل في ما يتعلق بغزة. لقد فشلت في السياسة، وفي نشر القوات الدفاعية، وفي الاستعداد للمفاجآت، وفي الغياب التام للتحذيرات الاستخباراتية"، وفقاً للأناضول.

وإلى جانب الانتصار الذي حققته بعمليتها المعقدة والمتقدمة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لا تزال المقاومة صاحبة اليد العليا على أرض المعركة في قطاع غزة، وليست لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي حاليّاً حلول سريعة للقتال ضد حماس. فعلى الرغم من جرائم الإبادة الجماعية والدمار الكارثي الذي خلفه جيش الاحتلال في القطاع، لا يزال أفراد المقاومة يخرجون من فتحات الأنفاق لزرع القنابل ونصب الفخاخ المتفجرة وإطلاق الصواريخ المضادة للدبابات، ثم يختفون مرة أخرى داخل الأنفاق.

هزيمة إسرائيل

بشكل عام، لا يزال جيش الاحتلال الإسرائيلي يتبع عقيدة "الضاحية" التي جرى التدريب عليها جيداً، وتعتمد على القوة الهائلة في الرد على الحرب غير النظامية، مما يتسبب في أضرار اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق، وتقويض إرادة المقاومين على القتال مع ردع التهديدات المستقبلية لأمن إسرائيل، لكن الأمر يسير على نحو خاطئ للغاية.

وتأتي الانتقادات من جهات غير متوقعة، بما في ذلك من وزير الدفاع البريطاني السابق بن والاس، الذي حذر من تأثير يستمر لمدة 50 عاماً. وحتى إدارة بايدن أصبحت تشعر بعدم الارتياح التام إزاء ما يتكشف، إلا أن بنيامين نتنياهو ومجلس الوزراء الحربي مصممان على الاستمرار لأطول فترة ممكنة، وفقاً للغارديان.

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن قادة الجيش الإسرائيلي يتعرضون لضغوط هائلة لتحقيق النجاح، وسوف يذهبون إلى الحد الذي تسمح به حكومة الحرب. وقالت إنهم سوف يدركون الآن أنه على الرغم من كل خطابات نتنياهو، فإن حماس، أو على الأقل أفكار حماس، لا يمكن هزيمتها بالقوة العسكرية.

كل هذه الإخفاقات دفعت إسرائيل للبدء في سحب قواتها من أكثر من محور، فيما ذكرت هيئة الإذاعة العامة الإسرائيلية، الجمعة، أن تل أبيب تستعد لإنهاء عمليتها البرية العسكرية في قطاع غزة ضمن المرحلة الثالثة من حربها خلال الأسابيع المقبلة. ونقلت الإذاعة عن مصادر، لم تُسمّها، أن "المرحلة الثالثة تشمل إنهاء العملية البرية في قطاع غزة، وتقليص قوات الجيش وتسريح الاحتياطيين، واللجوء إلى الضربات الجوية، وإقامة منطقة عازلة على الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة"، وفقاً لما نقلته الأناضول.

"وصفة غزة لهزيمة الاحتلال"

يرى موقع responsible statecraft الأمريكي، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لا يخوض حرباً مضادة للمقاومة في غزة، بل يشن "حرب احتلال". ويقول إن الإسرائيليين قد غادروا غزة عام 2005، والآن عادوا محتلين فعليين لمواجهة حماس التي ليس لديها "جيش" بكل معنى الكلمة، لكن لديها ذراع عسكرية، الذراع العسكرية لها "كتائب القسام"، التي تتألف إلى حد معقول من آلاف المقاتلين الفدائيين جيدي التنظيم (وذوي تمويل جيد).

"وعلى العكس من حروب مكافحة التمرد، التي لا يحظى فيها المتمردون بدعم المدنيين الذين يريدون فقط أن تنتهي الحرب حتى يتمكنوا من مواصلة حياتهم، فإن حروب الاحتلال صعبة ومعقدة للغاية، وغالباً ما تنتهي بهزيمة جيش الاحتلال، وذلك لأنه يوجد متمردون ومدنيون متعاونون معهم. ومهما كانت ميولهم السياسية، فإن المحتلين يعتقدون أن القوات الأجنبية يجب أن تعود إلى وطنها. وقد لا يكون المدنيون مقاتلين نشطين، ولكن من المرجح أن يقدموا المساعدة للمتمردين على أسس قومية فقط" بحسب ذات المصدر.

ومن هذا المنطلق، فإن حروب الاحتلال -التي يطلق عليها قوى الاحتلال في كثير من الأحيان اسم "حروب مكافحة التمرد"- كانت شائعة وقاتلة في العصر الحديث. ولا يحتاج المرء إلا أن يتذكر الأمريكيين في فيتنام، والفرنسيين في الجزائر، والسوفييت في أفغانستان، والأمريكيين في العراق وأفغانستان.

ويضيف الموقع الأمريكي، في غزة يجد جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه في وضع مماثل لما واجهه الجيش الأمريكي في فيتنام. فالمحتل الإسرائيلي يواجه حقيقة -وجود سكان معادين بشكل موحد تقريباً- تجعل العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي صعبة للغاية. إن مخاطر شن عمليات عسكرية في مثل هذا السياق كثيرة، ولكن الأهم -على الأقل من وجهة حماية المدنيين- هو أن الجيش الإسرائيلي سوف ينظر إلى السكان المُعادين في غزة على أنهم "متعاطفون مع حماس" مع نتائج مأساوية، وهو ما تجلى بوضوح في 15 ديسمبر/كانون الأول عندما قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي ثلاثة من رهائن إسرائيليين في مدينة غزة.


TRT عربي