صبت الزيت على النار.. كيف أسست بريطانيا لاضطهاد الهندوس لمسلمي الهند؟
يعيش مسلمو الهند إحدى أحلك فترات تاريخهم، وذلك لاستمرار الاضطهاد الهندوسي بحقهم، بمباركة حكومة ناريندرا مودي اليمينية المتطرفة. بيد أن جذور هذا العنف تعود إلى الاستعمار البريطاني، الذي حرَّض طوائف الهند بعضهم على بعض.
لوحة تبرز الاستعمار البريطاني للهند. (Others)

في آخر فصول الويلات التي يذيقها المتطرفون الهندوس، وحكومتهم اليمينية المتطرفة، الأقلية المسلمة الهندية، عمدت سلطات البلاد إلى هدم بيوت المحتجين على تصريحات شخصيات من الحزب الحاكم المسيئة في حق الرسول.

قال مسؤولون إن السلطات في ولاية أتر برديش الهندية هدمت الأحد منازل عدة أشخاص شاركوا في الاحتجاجات التي اندلعت الأسبوع الماضي على تصريحات متحدثة باسم الحزب الحاكم بشأن العلاقة بين النبي محمد وزوجته عائشة.

يأتي هذا مضافا إلى مقاطع الفيديو التي وثقت تعذيب الشرطة الهندية للمسلمين في مخافرها، كما قتلها عدد منهم فقط لهتافهم دفاعاً عن دينهم ومقدساته.

وتأتي موجة الاضطهاد الأخيرة في إطار حملة ممنهجة تقودها حكومة ناريندرا مودي، وحلفاؤها من المتطرفين الهندوس، ضد مسلمي البلاد. بينما تمتد جذور هذا العنف الطائفي في الهند إلى حقبة الاستعمار البريطاني، الذي مارس سياسة "فرّق تسُد"، محرضاً الهندوس على القتل والتنكيل بالمسلمين.

فرّق تسُد

عندما حط الاستعمار البريطاني بشبه القارة الهندية أوائل القرن 17م، في شكل "شركة الهند الشرقية البريطانية"، مارست المملكة المتحدة عملياتها التجارية تحت حماية إمبراطورية المغول الهندية المسلمة، التي مكنتها من حرية البيع والشراء مع السكان الأصليين للبلاد، وتأمين تام لهذه العلاقات التجارية.

استمر ذلك وصولاً إلى نهاية القرن 18 وبداية 19م، حين بدأت الدولة المسلمة في التهاوي، وعلى حساب ذاك عمدت بريطانيا إلى توسيع نفوذها في البلاد. وتحقق لها ذلك عبر سياسة "فرّق تسُد"، فعمد الاستعمار البريطاني إلى انتقاء طبقة من الهندوس ومنحها صلاحية جبي الضرائب لصالحها، ومنحها بعد ذاك بامتياز امتلاك الأراضي.

حسب المؤرخ الهندي سيد رضا وستي، فإن الاستعمار البريطاني سعى إلى خلق هوة بين المجتمعين الهندوسي والمسلم في الهند. ويقول في كتابه: "اللورد مينتو والحركة الوطنية الهندية"، إن هذه الطبقة من الهندوس التي فضلتها السلطات الاستعمارية عمدت إلى اضطهاد المسلمين اقتصادياً بإثقالهم بالضرائب وتفقيرهم الممنهج، إذ كانت هذه الإجراءات تنفذ تحت اسم الإمبراطورية البريطانية.

ولم يقتصر هذا التهميش والاضطهاد على شكله الاقتصادي، بل تعداه إلى ما هو إداري وثقافي، فقادت هذه الطبقة من الهندوس حملة لتصفية المسلمين من المناصب الإدارية، كما فككت المحاكم والمدارس الإسلامية التي كانت بالمدن والبلدات التي يتركزون فيها.

سياسة الانتقام

في سنة 1857، قاد الهنود ثورتهم الأولى ضد الاستعمار البريطاني، وتزعم تلك الثورة عدد من مسلمي البلاد، الذين حاربوا في خندق واحد مع إخوانهم الهندوس. فشلت هذه الثورة، وكان من بين أسباب فشلها اختلاف الرؤى بين المسلمين والهندوس حول أهداف الثورة، وأي شكل من الحكم سيكون بعدها.

ففي حين كان يطمح الهندوس إلى تأسيس دولة أرستقراطية تحكمها الأوليغارشية التي أغدق عليهم البريطانيون بالامتيازات، سعى القادة المسلمون إلى إعادة الإمبراطورية الإسلامية بعد عقود من سقوطها الفعلي.

استغلت بريطانيا ذلك الاختلاف، أولاً في قمع تلك الثورة، وثانياً في شنها حملة انتقامية ضد المسلمين الذين اعتبرتهم الفاعل الرئيسي في الثورة. يقول وستي إن تلك الحقبة عرفت "حملات اضطهاد واسعة للمسلمين، تتخللها جرائم إبادة جماعية وترويع، ومصادرة أملاك المواطنين المسلمين".

استمر ذلك الوضع لعقود بعد أحداث الثورة، وشارك فيه الهندوس بأمر من البريطانيين، والذين اشتركوا في المصالح الاقتصادية وحتى السياسية، إذ كان هدفهم الموحد استغلال الفرصة من أجل القضاء على أي طموح في استعادة أمجاد إمبراطورية المغول المسلمة.

وجرى توارث هذه الأحقاد التاريخية، وسط المجتمع الهندوسي الذي، وللوضع الاقتصادي المريح الذي أصبح ينعم به، أنتج طبقة الأنتلجينسيا الوطنية الهندية التي صاغت النظريات القومية المستمرة إلى الآن. ومنها فيناياك دامودار سافاركار، منظر عقيدة الهندوتفا العنصرية الدموية، التي يعتنقها رئيس الوزراء ناريندرا مودي وميليشياته المتطرفة.

TRT عربي